جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » جماليات


رسائل فان كوخ


الرسالة الرابعة عشرة
ترجمة: ستار كاووش
لاهاي ٢٢ اكتوبر ١٨٨٢
تَيّو العزيز

لقد وصلتني رسالتك والنقود التي معها، وقد اسعدني ذلك كثيراً. انت تعرف ما يعنيه لي تواصلك معي بهذه الطريقة، فما تقوم به يعينني بشدة ويجعلني أقف على قدمَيَّ بثقة وقوة. المناخ هنا في لاهاي خريفي بمعنى الكلمة. المطر متواصل والبرد يلفح كل شيء،
ومع ذلك فالضوء مذهل، وهو ينعكس على ملامح الناس والشارع المبتل بالمطر، انه حميمي، بل أخّاذ مثل لوحات موف. في مناخ مشابه لهذا، رسمت مجموعة من الناس وهم يتجتمعون قرب مكتب اليانصيب، كذلك رسمت مائية لساحل البحر. اتفق معك حول ما قلته حول الطبيعة، وأفهم ما تعنيه. أنا ايضاً، حين اعجز عن الامساك بالطبيعة اذهب لرسم الناس، وحين يعجز الناس عن قول شيء لي اعود لرسم الطبيعة وهكذا. أحياناً لا يمكنك فعل شيء آخر، تظل تتأرجح وتنتظر حتـى يزول هذا الشعور الذي ينتابك، ويعود لك إنسجامك وتشعر بقرب الطبيعة وتأثيرها عليك. لكن هل تعرف، مهما كانت عظمة وقوة الطبيعة، فأنك ستقترب اكثر من اشكال الناس كلما طال بك الوقت مع الرسم. أقول ذلك رغم شعوري العارم والمنسجم مع الطبيعة في الايام الماضية. كم كنت شغوفاً ومولعاً برسم الضوء وتونات اللون وعمق الأشكال اكثر من رسم الاشخاص. لا أخفي بأني كنت احمل تقديراً كبيراً لأشكال الناس وايماءاتهم وما يقومون به، لكنى كنت غارقاً في الطبيعة ومنتمياً لها بشكل كلي.
لا يمكنني ان انسى كيف كانت اشكال دومييه* تسحرني، مثل تخطيطه الذي يظهر فيه رجل مسن تحت شجرة الكستناء في شارع الشانزليزيه، والذي كان مطبوعاً مع احد كتب بلزاك. التخطيط بشكله الخارجي لم يكن مهماً بالنسبة لي، لكنه كان يحمل تأثيراً من نوع غريب. في ذلك التخطيط، عرفتُ كيف يفكر دومييه وهو يرسم، وكيف يحرف الناس بجرأة، ويجعلهم بأصابعه المتمرسة يشبهون لون الطبيعة وحركة الغيوم. لقد جعلني أنتبه وافكر وأشرد بمخيلتي، لأعود مرة اخرى افكر بالرسم. عموماً تبقـي أشكال الناس تبهرني وتعطيني القوة، كما في رسومات الفنانين الانجليز، التي لها تأثير مشابه لكتابات الفرنسيان بلزاك وزولا. كل ذلك يُعينُني حين اشعر بالضعف او التردد. وبالنسبة لكتابات مورغر ليس لي معرفة بها، وسأبحث عنها واتعرف عليها بالتأكيد. كتبت لك سابقاً حول رواية دوديت* (ملوك في المنفى) اعتقد انها رواية جميلة ومؤثرة، ان كتبه تعجبني كثيراً وخصوصاً ما تنطوي عليه من بوهيمية، وقت كانت الحياة اجمل واكثر سهولة من الآن. يحزنني ايضاً اننا ابتعدنا كثيراً عن زمن (جارفاني)* حيث كانت هناك حياة حقيقية وجمال في العلاقات الانسانية الدافئة، والناس ايجابيون اكثر من وقتنا الحاضر.
في هذه اللحظة انظر من شباك المرسم، يالَه من تأثير مدهش، وقد ظهر جانب من المدينة، حيث الأبراج وسقوف القرميد والدخان الذي ينبعث من المداخن. الافق يقسم المدينة التي تبدو كأنها مرسومة بالسلويت، ويظهر الضوء بشكل خط بعيد، تستقر في اعلاه غيوم  داكنة محملة بالمطر. المشهد في الاسفل يبدو اكثر ظلاماً مع ظهور بعض البقع لضوء خافت، ومن خلال خط الضوء في العمق تلتمع السقوف هنا وهناك (أتخيلُ ان كنتُ سأرسمُ ذلك فسأُنَفِّذُ التماعات الضوء بلطخات سميكة من اللون). أرى كيف تنعكس بشكل شاحب قطع القرميد الاحمر فوق السقوف وهي تحاذي الأفق، ويلتمع أمامي مباشرة شارع سخنك وهو يرقد تحت زخات المطر والضوء الخافت. واشجار الحور تقف واثقة وهي تتلحف بـأوراقها الصفراء، وفي نهاية الشارع يبدو العمق بلونه الأخضر الكالح وهو يتماهى مع عتمة الليل، مع اشكال أشخاص بلون داكن. أَودُّ ان اجرب رسم ذلك، لكني منشغل برسم آخر قضيت معه كل اليوم تقريباً، في كل الاحوال، سيبقى هذا المشهد الذي أراه الآن، عالقاً في ذهني حتى يتحول الى لوحة.
اتذكرك كثيراً وافتقدك بشدة، افكر بما كتبته لي حول الاشخاص الذين تعرفهم في باريس، وحول حياتهم المليئة بالانفتاح والعلاقات، وارى ان نظرتك صحيحة سواء لمجتمع باريس أو مجتمعنا هنا. فمن الصعوبة ان تحافظ على نقاء روحك في باريس، والامر يبدو لي اكثر صعوبة مما يحدث هنا، فنمط الحياة السريعة تطوي معها مشاعر الناس ودفئهم، ويعيش الكثير من الفنانين تائهين في باريس بلا أمل أو استقرار، لأنهم ببساطة يعملون ضد التيار، وهذا بالضبط ما حصل مع تازار، وما حدث لحياته. لكن بكل الاحوال على الفنان ان يمضي قدماً دون توقف، ففي كل منعطف من هذه الحياة تواجهنا المشاكل وعلينا ان لا نستسلم ونمضي الى الامام، حتى لو لم يحالفنا الحظ في البداية. وحتى لو فقدنا الكثير، علينا ان نتمسك بقوة الامل، وعندها فقط تكون النتائج غير تجريدية ولا مموهة، بل حقيقية وملموسة. احترم في كل الاحوال هؤلاء اليائسين وافهم شعورهم، ولكن يجب ان تكون لدينا مواقف وقرارات صحيحة وقناعات ثابتة، فهذا ما يقودنا الى الطريق الصحيح. أرى أن هؤلاء الفنانين الذين كتبتَ عنهم، يتحدثون عن المواقف والقناعات، لكنهم لا يعكسونها علـى اعمالهم وحياتهم بشكل صحيح، ومع ذلك، أنا افضلهم على الاشخاص الذين يستعرضون المواقف والقناعات ويملأون الاماكن بالضجيج، لكنهم يفعلون عكس ذلك. فهؤلاء يصنعون ضجيجاً كاذباً، بينما الذين كتبتَ انت عنهم كسالى أكثر مما هم سيئون. عموماً فالأحداث الكبيرة في الفن لا تحدث عن طريق المصادفة، ولا بشكل عابر او بسيط، لكنها تأتي عن طريق الصبر والكفاح والتأني والتفكير والاخلاص.
ماهو الرسم؟ وكيف تتوصل اليه؟ كيف تدخل هذا العالم؟ الرسم، يعني ان تحفر بيديك جداراً غير مرئياً من الفولاذ، لكن كيف تتجاوزه وهو بهذه القوة؟ الطرق بيديك على هذا الجدار لا يكفي لجعلك فناناً، بل عليك ان تمسك معولك بكل بأس وتواجهه، تحطمه وتمضي من خلاله نحو الجهة الأخرى حيث ينتظرك الرسم. وهذا ليس في الفن فقط، لكن في الحياة ايضاً.
لدي فضول كبير ان كنت ترى شيئاً جيداً في رسوماتي التي ارسلها لك. غالباً ما افكر مع هذه الرسومات بطريقة البيضة والدجاجة، ومن الذي جاء أولاً،  هل ارسم الاشخاص في تخطيطات منفصلة ثم ادخلهم بعدها في لوحات معينة، ام ارسم الاشخاص مباشرة وانسج التكوين الذي يناسبهم؟ بالنسبة لي ليس هناك فرقاً كبيراً، والمهم هو النتائج النهائية للعمل. اتفق معك فيما ما كتبته في نهاية رسالتك حول ميولنا وآرائنا ومبادئنا المتقاربة حول الفن، فذلك يجعلنا نرى الاشياء بشكل جيد، نقرأ ما بين السطور ونستحضر ما يحدث خلف الستائر، لتكون ردود افعالنا وتعليقاتنا متشابهة الى حد بعيد. وهذا ايضاً ما يحتاجه الفنان كي يمضي في طريقه بسهولة ويرسم بشكل جيد. أرجح ان امتلاكنا لهذه الحساسية يعود لنشأتنا معاً وانسجامنا منذ الطفولة في براباند وما كان يحيطنا هناك من طبيعة مذهلة. لكن هذا ايضاً نابع من محبتنا وتعلقنا بالفن.
لكن كيف يمكن للمرء ان يصبح رساماً؟لا اعرف ذلك على وجه التحديد. لكني أشعر بأن ذلك يحدث ان كنت تحمل الرسم في داخلك، الامر اكبر من الموهبة واعظم من الانتماء، انه انسجام روحي وتعلق وجداني مع الرسم. هو يحدث ببساطة لأنه الأحتمال الوحيد الذي لديك.
والآن يارجل، شكراً لما ارسلته لي، فبفضلك استطعت ان اشعل الموقد من جديد. آه كم اود ان تأتيني في وقت قادم لترى رسوماتي، وكذلك ما انجزته من حفر على الخشب. انتظر هذا الاسبوع ان يأتيني بعض الاولاد اليتامى ليجلسوا لي كموديلات، سأسعى جاهداً معهم الى تصحيح بعض التفاصيل التي ظهرت في اعمالي السابقة وامضي خطوات جديدة مع الرسم.
اشد على يدك، مع كل محبتي.
أخوك
فنسنت

هوامش المترجم

* دومييه: هونوريه دومييه، رسام فرنسي(١٨٠٨-١٨٧٩) اشتهر برسوماته الساخرة التي حملت طابعاً سياسياً واجتماعياً. خطوطه قوية وذات مرونة وتعبير كبير.
* * دوديه: الفونس دوديه، كاتب فرنسي (١٨٤٠-١٨٩٧) اشتهر بكتابة الروايات والقصص القصيرة والنصوص المسرحية والشعر. من اشهر اعماله (رسائل من طاحونتي).
* * جارفاني: بول جارفاني، رسام فرنسي (١٨٠٤-١٨٦٦) اشتهر بتخطيطاته الكاركاتورية والرسوم التوضيحية، وقد عكست اعماله الحياة الاجتماعية من خلال رسمه للناس بوضعيات مختلفة.



المشاركة السابقة