جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » زمان ومكان


أحيا وأموت ع البصرة!


سهيل سامي نادر
زرت البصرة، مسقط رأسي، في منتصف التسعينات. قادني المرحوم محمد طالب الى بداية سوق الهنود، الذي كان محطوما، كأن قنبلة سقطت عليه. هناك التقيت بأخي في الرضاعة فاضل السريح الذي كان داره يقع في نهاية الاربعينات من القرن الماضي في زقاق على يسار السوق لا مخرج له. ما زلت اتذكر صيحته مخاطبا أمه الكريمة : لج يوم سهيل دياكل ويا الفقران!
والحكاية إنني وأمي حللنا ضيوفا في بيته الواسع، وكنت عندما يأتي الطعام أتحرج من أن أمد يدي، فكانوا يطعمونني بالقوة. (ما زلت أتحرج من تناول الطعام في بيت غير بيتي)، وإذا بفاضل يكبسني أجلس مع الحمالين في حسينية قريبة مادا يدي بصينية هائلة مليئة بالرز الذي يخرخر منه السمن الحيواني.
يقف الآن ليبيع شيئا موضوعا في عربة لم اتبينه لأني كنت مشغولا بالقبض على تعابير وجهه الطفولي الآسر داخل وجه رجل كثير التلفت والحركة.
أصبت بعدوى من تلفتاته السريعة، فاكتشفت بتلفتاتي الفضاء الاجتماعي لمكان وثيق الصلة بطفولتي، فبعد عدة أمتار، وفي زقاق الى اليسار لا مخرج له، كان هناك بيت عائلة داود سلمان يوسف، اخو فهد، الذي كانت والدتي تزوره دوما وتأخذني معها. قبل الوصول الى بيته كان دكانه في السوق تتضوع منه رائحة قهوة ما زالت عالقة في أنفي.
فضلا عن ذلك اكتشفتُ ما أوحى لي بهذا السؤال الذي توجهت به الى فاضل : هل بقي في السوق أحد من البصاروة؟
انتبه الى سؤالي، غاصت عيناه بنظرة داخلية، وفجأة ابتسم، وقال مؤكدا باللهجة وجود عدد كبير منهم، لكن يده التي طوحت الى الفضاء أشرت على اثنين فقط : نعم نعم موجودين : ذاك الأصلع، وذاك ابو القميص الابيض!
خرجت مني كلمة تشبه النقطة : فقط!
صنع في يديه الاثنين إشارة ختام ووقوف!
كانت البصرة قد تريفت حالها حال بغداد، ثم تحول”المتريفون”فيها الى مادة انفجارية يقبض عليها الاسلام السياسي وغالبية قادته أسهموا في نهب المدينة وإفقارها، مأتمرين بأوامر تأتي من خارج الحدود. ظل المتريفون فقراء، لأن القادة الذي باتوا يقودون حكومة البصرة هم من الدناءة وانعدام الأخلاق بحيث نسوا جذورهم الفقيرة.
احب البصرة. أحيا وأموت ع البصرة، هكذا تغني ابنتي زينب وهي لم تر البصرة، وعندما تسأل تقول : نحن بصاروة. من أجل البصرة كتبت أفضل مقالة لي بعنوان (عتبات دائرية تصعد الى البصرة) -عام 1985.
بعد الاحتلال كنت أتسقط أخبار البصرة. وكتبت عن مقاتل اهل البصرة مقالة أظنني أجلت نشرها في”المدى”في حينها تحت ضغط أصدقاء تحرزوا من مضمونها.
كنت قد تساءلت في المقالة إن كانت توجد في البصرة عادة كتابة التعهدات وجمع التواقيع. كان سؤالي مدخلا لوصف ما جرى هناك. ففي عام واحد جرى كتابة مثل هذه التعهدات ثلاث مرات. جاءت المرة الأولى قبل أن تنطلق صولة الفرسان في آذار 2008. الأحزاب والحركات السياسية الإسلامية وغيرها وقعت وثيقة شرف أمن البصرة، لماذا؟ لأن المدينة ضجت من مقاتل الطائفية السياسية، ضجت من التصفيات التي تقف وراءها مصالح اقتصادية وتجارية لبست لبوس الدين والأخلاق. لم تعد البصرة التي عرفتها في الماضي هي البصرة التي تتفق فيها النخب العشائرية التي لبست لبوس الدين بوقف الحرب!
الكثيرون ممن وقعوا على الوثيقة ارادوا ايقاف المقاتل التي اتخذت صفة غير معقولة في مدينة بائسة حراسها يسرقونها ومن يحتج منهم لا نكاد نعرف إن كان يحتج عن نزاهة أو لأنه يريد حصة أكبر، فالفساد المقرون بالاعتداء والنذالة بات هو الذي يقود المدينة!
البصرة مدينة غنية كما يؤكد الأغنياء والفقراء، وهذا التأكيد بات يشبه النشيد، لكن مثل كل الاناشيد الوطنية العراقية لا يبني شيئا، بل تختفي خلفه الرؤوس. طبعا المدن الغنية تحتاج الى عقل استثماري، أو الى عقلانية اقتصادية، وبدلا من القتل واللصوصية المفضوحة، يمكن تطوير هدنة طويلة للمتحاربين لكي يتأملوا ويتدبروا حالهم كعقلاء يتبادلون الاشارات والمصالح بدلا من الغدر والعدوان، أي أنها هدنة متحاصصين ثعالب متخوفين من استشراء الظلم والنهب حتى الفيضان خوفا من أن تنقلب الأمور!
في تلك الايام كانت التعهدات الامنية تخدم كذلك المتصارعين لكي يبقوا احياء، وقد لاحظت أن الموقعين على وثيقة أمن البصرة لم يشيروا لا من قريب ولا من بعيد الى مقاتل النساء، على الرغم من أن البصرة التي وقعوا على وثيقة أمنها ضربت الرقم القياسي بوأد النساء في سباق محموم لزرع الفضيلة كما زرعتها من قبل سيوف عدي.
أبدا. لم ينبسوا بكلمة. طبعا المتعهدون رجال، ولا يريدون أن يضيعوا جهودهم من أجل سلام المدينة وأمنها على فسافس قتل النساء أولا، حتى لو تجاوز الرقم 70 امرأة منحورة، وهم في الحقيقة معنيون بمقاتل غير”مشبوهة!"، مقاتل من طراز ممتاز تجري بين المتنافسين وأفخاذ العشائر، هذا من غير اغتيالات الاطباء والمحامين والمسيحيين ثانيا. (وصل رقم النساء المنحورات أكثر من 100 ضحية!).
النشاط الثاني هو توقيع القوى السياسية – هذه المرة - على تعهد شرف بإجراء انتخابات المحافظة بحرية وعدم التدخل بإرادة الناخبين. هذا جميل جدا، ويعكس حرص القوى السياسية على إجراء الانتخابات في جو من الحرية والديمقراطية. بيد أن السياسة في البصرة تخفي أكثر مما تكشف على الرغم من أن أهل البصرة يضرب بهم المثل بالوداعة والهدوء. هل هم من البصرة حقا؟. استدعي إشارة فاضل على اثنين فقط في أشهر سوق بالبصرة، وكان ذلك في منتصف التسعينات!
من الواضح أن العديد ممن صاغوا هذه الوثيقة تذكروا جيدا أن كلا من الانتخابات النيابية ومجلس المحافظة جرى التلاعب بهما وحولت الى أغنية خشابية. لعلّ البعض منهم شعر بالندم لدوره المأساوي في هذا التلاعب بعد أن بات لا يستطيع الفوز حتى لو زورت الانتخابات لمصلحته. لقد حصلوا على مكافأة لعبة الديمقراطية لمرة واحدة، وعليهم أن يتحلوا بالروح الرياضية في المرة الثانية أو يبحثوا عن حل آخر.
النشاط الثالث والذي يتصف بأهمية استثنائية هو حملة التواقيع التي أطلقها وزير ونائب سابق لجعل البصرة اقليما فدراليا. لاشك انه قرأ الدستور جيدا واستند اليه لكي يجمع التواقيع ويعد العدة السياسية والتنظيمية لكي تصبح البصرة اقليما. لكن ليس الامر يتعلق بالدستور ولا بالتواقيع. لا نسبة عشرة بالمئة ولا خمسين بل مستوى الواقع الفعلي. لست ضد الفدرالية، فالدليل العالمي للفدراليات يقدم نماذج متطورة جدا، الا أن هذه النماذج بالمقابل انزلقت الى الفدرالية بوجود أطر اجتماعية وثقافية وتذكارات جمعية، كما انزلقت من خلال تشييدات مؤسساتية جرى تعزيزها بخبرة الحرية والديمقراطية والتفهم والتجربة الجمعية. فما الذي امتلكته مدينة يسرقها متدينون والبعض منهم يسمون أنفسهم بـ حزب الفضيلة؟!
والحال إنني بالمقابل لا أشعر إن جمع التواقيع يعني شيئا في حالة البصرة الشديدة التعقيد. فالمدينة منذ نيسان 2003 مختطفة وتتصرف أعلى من صفة اقليم بل كولاية مستقلة تهيمن عليها نخب سياسية لها ارتباطات عديدة في الخارج. لعل صاحب المشروع يعرف ان المدينة لم تعد الى العراق تماما حتى بعد صولة الفرسان التي لم تفعل أكثر من تقريبها من أفق السلطة المركزية ليس الا. النخب السياسية التي أدارت البصرة وهيمنت عليها، ومررت سرقات النفط، والاغتيالات، ومقاتل النساء، لا زالت تسيطر عليها، مرة بالعلن ومرة بالسر ومرة بالشراكات الآنية. حتى الآن لم يجر تحقيقا بما جرى في البصرة. الحكومة والنخب المهيمنة يحتفظون باسرار مدينة هتكت وسرقت ونهبت ليس من السلطة المركزية (المعطلة!) فقط، بل ومن الجماعات السياسية التي تطورت الى جماعات استثمار واغتنت على حساب بؤساء اهل البصرة، على حساب أهل الشرف والكرم والثقافة. الحكومة تحتفظ بالاسرار لأسباب سياسية، والنخب المتنفذة تحتفظ بها للابتزاز والصراع السياسي والتنابز.
من ذا الذي بقى في البصرة من لم يجرح، أو يهاجر، أو يقتل، أو ينفى أو يتعذب أو يصمت؟ البصرة تحتاج الى خطط للقضاء على الفقر، وعلى الأمية التي بلغت 60 بالمئة، والأمية الحضارية المستشرية التي تتجاوز الأرقام الى البؤس الشديد.
البصرة تحتاج الى تطهير من العشائر المسلحة وجماعات النهب والتهريب والكراهية، والى الحد الأدنى من الخدمات ومظاهر المدنية.
لكن المدينة بحاجة الى مياه صالحة للشرب بوجه خاص. غريب أمر قادة البصرة الذين هم مثل خلانهم وأحبابهم في بغداد يتذكرون بالبكاء والحزن الحسين الشهيد الذي قطعت عنه الماء!
ومثل كل الاسلاميين يقولون إن الاسلام قضى على العشائرية، فإذا معقل التحضر يجري اغتياله بمدافع العشائر وصواريخها!
البصرة مليئة بالفقران.. وبالوحوش!



المشاركة السابقة