جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » تحقيق


احتضار الجامعات في الألفية الثالثة


ملهم الملائكة
نحن في الألفية الثالثة، والجامعات لم تعد سوى مؤسسات مملة تدفع كل عام إلى كل المجتمعات بملايين”المؤهلين”بشهادات البكالوريوس والماجستير والدكتوراه لتضيفهم لجيش العاطلين عن العمل المتنامي. مشاريع التعليم لهذه الألفية معوّلمة متخصصة بالتعليم العميق ولوغارتماته الكريبتونية.
"لا نحتاج إلى التعليم والتربية، ولا تلزمنا القيود على الفكر"، كانت نبوءة أطلقها فريق بنك فلويد Pink Floyd الشهير عام 1979 بأغنيته”we don't need no education”احتجاجا على أنماط الثقافة الغربية التي باتت أممية. تحققت النبوءة التي سخر منها الكبار والمؤسسات والاكاديميات بحلول عام 2000، إذ لم يعد أحد بحاجة إلى الجامعات.
لا أريد أن أبدو متحاملاً على الشهادات الجامعية وعلى المؤسسات الأكاديمية، فأنا شخصياً أهلتني الجامعات لمستوى معين من العمل في بلدان شرق أوسطية كثيرة، لكنّ ذلكم التأهيل لم يخدمني حين دخلت سوق العمل الدولي في عصر العولمة، بل خدمني تعلمي لمتطلبات العمل في أوروبا واستجابتي الآنية للمستجدات اليومية.
حامل شهادة الدكتوراه قد يقل راتبه عن موظف بشهادة مهنية
في الولايات المتحدة وأوروبا والعالم الغربي واليابان، تنتظر المؤسسات الكبرى من المتقدم إلى العمل أن يكون خلّاقا مبدعاً متكيفاً مع روح الفريق، قادراً على الابتكار كل لحظة، سريع الاستجابة للتطورات التقنية المذهلة، ولا يتعب من روتين العمل. ولا تسأل تلك المؤسسات عن شهادته الجامعية. في كل المؤسسات الكبرى، ينال العاملون أجورهم بموجب عناوين وظائفهم، وليس بموجب شهاداتهم، وحين يحصل أحد الموظفين أو العاملين على شهادة دكتوراه في اختصاصه الذي يعمل به، لا يعدل راتبه، وأقصى ما يناله هو دعوة لتناول المرطبات من زملائه، يمتنع المدير المباشر غالباً عن حضورها خشية اتهامهم بالمحاباة لزميل دون آخر، والمدير نفسه غالباً لا يحمل أكثر من شهادة بكالوريوس قد لا تكون وثيقة الصلة بمنصبه.
بداية العام الدراسي 2015/2016 أعلنت شركة إيرنست أند يونغ EY - إحدى أكبر شركات المحاسبة متعددة الجنسيات متعددة الأصول عبر العالم- أنّ فروعها في بريطانيا، لن تشترط على المتقدمين للعمل حصولهم على شهادة جامعية بأيّ مستوى، وبدلاً عن هذه المؤهلات ستجري هيئات متخصصة داخل الشركة اختبارات للمتقدمين للعمل في فروعها. إنه ناقوس خطر يعلن نهاية عصر الجامعات كمؤسسات تعليمية. وحين نناقش الأكاديميين في عدم جدوى الشهادات الجامعيات لتأهيل متطلبات سوق العمل، يتفق أكثرهم معنا في الرأي لكنهم يذهبون مذاهب شتى في تفسير ذلك، وأغلب طروحاتهم لا تلتقي مع مفردات العصر الرقمي.
وادي السليكون والمؤسسات التي تحاكي نشاطاته وتعد ملحقة به عبر العالم، اعتمدت هذا المبدأ منذ عام 2001، فبات المتقدم بغض النظر عن شهاداته، يخضع لاختبارات إمكان التأهيل عندهم من عدمه. وقد اثبتت دراسات كبرى أنّ عدداً كبيراً من طالبي العمل ممن يحملون شهادات دكتوراه باختصاصات وثيقة الصلة بالعالم الرقمي وعلوم السايبر عجزوا عن الانخراط في مؤسسات وفروع وادي السليكون، وبات يُنظر إلى العاملين فيها بأنهم نوع من الآلهة خصّهم مدراء ورؤساء وادي السليكون وفروعها ومشبهاته عبر العالم ببركة العمل في اختصاصات تحسم مستقبل العالم. وادي السليكون يملك معاهد ومدارس وورش تأهيل خاصة به، لا صلة لها من قريب أو بعيد بالجامعات.
سوق العمل له مدارسه ومعاهده
المتاجر والمحلات المسلسلة عبر العالم، ومنها آلدي، ليدل، سي أند آ، زارا، زوريخ، أليانس، ماكدونالدز، بيتزا هوت، تعتمد على مؤسساتها التدريبية الخاصة، ولا علاقة لها بمستوى التأهيل الذي يحمله المتقدم ابتداء من المستوى المتوسط. المطلوب تعدد لغات المتعلقة بالعمل، قدرة على التكيف وعدم الملل من العمل الرتيب، استجابة يومية للتغيرات المتسارعة، تكيف مع توزيع ساعات العمل المتغيرة باستمرار.
ولا تخرج عن هذا التوجه كارتلات صناعة السيارات، كارتلات صناعة النفط، كارتلات السكك الحديد والقطارات، كارتلات صناعة الطائرات، كارتلات المصارف، كارتلات انتاج وتصدير السلاح، كارتلات شركات التأمين الصحي، كارتلات صناعة الفضاء، كارتلات شركات النقل الجوي، كارتلات النقل البحري وفي طليعتها التروست العملاق لويدز، والقائمة لا تنتهي فالعمل المقسّم بمستوى كارتلات عبر العالم كله يعتمد على معاهد وورش وكورسات محلية تديرها نفس الشركات وتمولها لتؤهل المتقدمين للعمل عندها، ولا تهتم أن يكونوا بروفسورات أو خريجي ثانوية.
تعدد اللغات واستخدام الكومبيوتر شرطان لا غنى عنهما
سوق العمل الدولي، يفترض مقدماً أنّ المتقدم يتكلم 3 لغات فأكثر، وهكذا تسمع في أروقة مكاتبه ومصانعه ومحلاته ومخازنه سيلاً من اللغات والمصطلحات يتنقل إليها العاملون عبر هواتفهم المحمولة وعبر كومبيوتراتهم الشخصية واللوحية والمكتبية. لا يوجد شيء في العالم اسمه تحوير لغة الكومبيوتر لتناسب المستخدم المحلي، وهكذا فإنّ الاختراع العربي بتحوير مفردات علوم الكومبيوتر وجعلها (حاسوب، برنامج،  لوح الطباعة الرقمي، اللوح الصلب، الذاكرة، الذاكرة المكتبية.. إلى آخر قائمة المصطلحات الغامضة) عبارة عن توجه وطني سالب يزيد تعقيد مناخ العمل لمن شب وتعلم وهو يستخدم هذه المصطلحات، ويمعن في ابعاده عن سوق العمل ومتطلباته. كلمة حاسوب لا تغني عن وصف كومبيوتر، إنها لغة واحدة برموز ومشفرات وكريبتونات عولمية باتت متعارف عليها يتعلمها المستخدم بالتعود عليها ابتداء من هاتفه الذكي، إلى تابلت القراءة والعمل المكتبي والشخصي وانتهاء بالتلفزيون الذكي الذي يواجهه في البيت فيأسره باستمرار في عالم السايبر ولوغارتماته.
كل المنتجات الرقمية اليوم تنزع إلى عدم طباعة بروشور التعريف بالمنتج وتعليم المستخدم طرق استخدامه. عليك ان تذهب إلى النت لتجد كل شيء.
السيارات وشركات التامين تسلك نفس النهج، وحين تشتري سيارة جديدة، تصلك في اليوم التالي دعوة لتنزيل الآب الخاص بالسيارة ومفرداته لتتعلم فيه كل شيء وتحدد كل مواقيت الصيانة والاغاثة والنجدة ومحطة الوقود التالية في طريق سفرك، وموقف السيارات في المطار القريب على سكنك، حتى اذا كان سكنا انتقاليا أثناء السفر وكل شيء.
كل سوق العمل الحديث يفترض ويطالب من المتقدمين أن يلموا بعلوم الكومبيوتر واستخداماتها، بما في ذلك النقلات اللوغارتمية بين فروع السايبر المختلفة، ففيسبوك الذي يبدو فعالية محلية شخصية يؤهل المتقدم للكثير أو قد يحرمه من فرص العمل، كما أنّ العامل البسيط في مطاعم”فاست فود”عبر العالم عليه أن يلم بطرق استخدام تابلت المحل لتدوين طلبات الزبائن وأن يتقن نقل المعلومات من التابلت إلى الكومبيوتر المركزي للحسابات في المحل، وأن يربط بالمستوى الأعلى مما يعرف ب”كومبيوتر مابنغ". ولا حاجة به أن يستخدم الميل للتراسل، فقنوات واتس آب وسناب تشات وانستغرام وتليغرام ومسنجر أسرع بكثير من الأيميل ونظامه البدائي، كما أنّ الشركات الكبرى تملك قنوات تواصل وبث تلفزيوني سايبري عبر العالم يمكن للعاملين أن يتواصلوا خلالها مع من يشاؤون في شبكة العمل (ماكدونالدز مثلاً، يملك شبكة مطاعم عددها 37 ألفاً عبر العالم، والتواصل بينها يتم عبر قنوات داخلية بتطبيق يترجم ما تقول بينك وبين المتواصل معك في أي مكان في العالم).
كل هذا لا ينتمي لا من قريب ولا من بعيد إلى المناخ الأكاديمي الذي توفره الجامعات. اتفهم تعوّدنا عليها عبر عقود من الزمن، ونوستالجيا تنتابنا لأروقة وصفوف ومقاعد الدراسة، ولصفوف الاشجار العتيقة، والملاعب المورقة الخضراء، والنوادي الطلابية، لكنّ الموضوع خرج عن هذا التصنيف.
الجامعات تنتمي إلى الالفية الثانية، وباتت جزءا من الماضي
عمودياً (تاريخياً) تنتمي الجامعات إلى الألفية الثانية، وقد تطورت عبر قرونها. فيما احتكر الكهنة والمعابد منابر التعليم في الألفية الأولى بعد عصور الأنبياء وأديان التوحيد.
أفقياً (جغرافياً) احتكر الشرق الأوسط خلال الألفية الأولى منابر التعليم الدينية في مصر وأرض الرافدين ومناطق الشرق الأوسط والخليج وشمالي افريقيا عموما.
أما في الالفية الثانية فجاء التمدد الأفقي من الغرب، حيث انطلقت الجامعات من أوروبا إلى العالم، واستقرت في الولايات المتحدة لتصبح مؤسسات عملاقة تتفق على كفاءتها الأمم، وتتميز مكتباتها بتنوع مرجعي ساحق يضعها في مقدمات مراكز الدرس والبحث.
الألفية الثالثة شهدت انتقالاً عبر فضاء الزمن والمكان كما تنبأ أينشتاين، فاختلط الأفقي والعمودي، وبات التعليم الجامعي لا يناسب العصر بعد أن ساد التعليم العميقDeep Learning وهو نوع معرفي عولمي يرتبط أساساً بالقراءة الالكترونية. القراءة في كتاب أو مطوع ورقي محدودة لا تناسب التعليم العميق والثقافة العميقة، وللتعبير باختصار عن هذا فإنّ كل الجامعات تمنهج ما تسميه ب"كيريكيولم”عبر كتب تتفق عليه هيئات الجامعات، وتصبح مصادر معلومات أساسية لابد أن يتعامل معها الطلبة والباحثون وبوسعهم أن يضيفوا لها معلومات من التعليم أونلاين.
التعليم العميق وضرورة المنشور الالكتروني
التعليم العميق لا يعتمد المطبوعات الورقية لأنّها لا تتشعب أفقياً وعمودياً، بل تبقى أسيرة الورق الحبيس بين جلدين. في الكتب الالكترونية، تحمل كل معلومة وعنوان جانبي وأسم، عمقا معرفيا يتم من خلال هايبر لنكن مع صفحات متخصصة، وخرائط تصنيفية، ويطالبك بموقعك ليؤمن لك بدقة المسافة الجغرافية والزمنية بينك وبين ما تقرأ عنه.
كل الكتب والأطروحات التي تعتمدها الجامعات يمكن أن تكون معروضة أون لاين على الانترنت بإمكانات ترجمة فورية تتسارع عبر العالم عبر كل اللغات. هي اليوم أسيرة المطبوع الورقي لأسباب براغماتية تجارية تتعلق بدور النشر والهيئات الاكاديمية. إنها تريد أن تربح من مبيعات الكتب، وهذا باختصار جوهر فلسفتها.
ما تقدمه جامعة بمستوى Wisconsin University يمكن أن يقدمه بعمق أكبر بكثير موقع متطور واحد يديره فريق عمل مطلع ومواظب، فتكون التكاليف والجهود، والمساحة المكانية والسفر والشروط السياسية كلها ملغاة لحساب موقع يصل للطالب عبر لابتوب شخصي يضعه الطالب والباحث في بيته أو حتى في سريره.
عام 1995 أطلق جون بروكمان John Brockman - وهو مبدئياً ناشر معرفي من نوع خاص- مفهوم الثقافة الثالثة (التي نتكلم بها الآن، فهذا المقال محاولة للتحدث بلغة الثقافة الثالثة) في استقراء ملهم منه لمعطيات ومتطلبات الألفية الثالثة. هذا المفهوم يضيف للتقسيم التقليدي للمعرفة إلى”علوم انسانية”و"علوم طبيعية"، بعداً جديداً ثالثاً هو”العلوم العميقة”وهو ما يعرف اليوم بمنتجات 3D ومنها الطابعات الكلونية ثلاثية الابعاد.
هذا هو البعد (العمق) السايبري الذي يمزج البعد العمودي (التاريخ البشري وعلومه بما فيها الجغرافيا واللغات والفلسفة والمنطق) والبعد الأفقي (العلوم الطبيعية باعتبار الأفق البشري من فيزياء وكيمياء ورياضيات وبيولوجي وصولاً إلى علوم الفضاء التي خرجت من رحم هذا البعد الى العمق). وهكذا فإنّ ثقافتنا اليوم، أمست أفقية عمودية عميقة. لذا باتت تنتشر في المصطلحات العملية اليوم تعابير”الدولة العميقة"،”العلوم العميقة"،”الحدود العميقة”وترجمت الى العربية بعنوان”ما وراء الحدود"،”القوة العميقة”وهي التي تتصل اليوم بعالم الأنترنيت السري Drak Net، علاوة على”التجارة العميقة”وتعني حصراً صناعة وتجارة الجنس والبورنوغرافي وما ارتبط بها، وهي تتعلق بتريليونات الدولارات (مليارات المليارات) سنوياً، لكنّ الناس يجهلونها وهم منهمكون بالتشريعات والقيم المجتمعية الأخلاقية.
الثقافة الثالثة وصانعو العالم
ومن عجبٍ - في عالمنا ومحيطه خاصة، باستثناء إسرائيل التي تمثل نموذجا تجريبيا للدولة في عصر العولمة- فإنّ أحداً لا يعرف”جون بروكمان”ولم يسمع به. في هذا العمق يعرف الشباب خاصة بضع أسماء يتصدرها بيل غينس، ومارك زوكربيرغ حصرا لأسباب تتعلق بثروتهما الأسطورية، غير ذلك، لم يسمع أحد بصنّاع المعرفة والتاريخ الجدد، وهذه بضع أسماء من عالم الثقافة الثالثة لمجرد اختبار معرفتنا وحدودها:
*أنتوني أغويره Anthony Aguirre، استاذ الفيزياء في جامعة كاليفورنيا، سانتا كروز.
*أيزومي آيزو Izumi Aizu، المدير التنفيذي لمعهد”هايبر نت سوسايتي”بجامعة تاما باليابان.
*ستيفون الكسندر، Stephon Alexander استاذ الفيزياء بجامعة براون، ومؤلف كتاب الجاز في الفيزياء.
*آدم ألتر، Adam Alter، عالم نفس وباحث ومؤلف وأستاذ مساعد في مادة التسويق بمدرسة Stern School of Business.
*دورسا أمير، Dorsa Amir متخصصة في علوم الأنثروبولوجي التطورية بجامعة ياله.
*نوغا أريخا، Noga Arikha، مؤرخة أفكار، ومؤلفة.
*سكوت اتران، Scott Atran، مدير أبحاث وعالم سلالات وأستاذ ومدير عدة مشاريع وبرامج في جامعات ومعاهد عليا بينها جامعة اوكسفورد.
القائمة طويلة ولا أريد أن أمضي قدماً، فعالمنا يعوم بعيداً عن عالمهم، نحن نتعامل كل ساعة مع نتاجهم، من تطبيقات وبرمجيات ننزلها على هواتفنا الذكية، إلى منتجات يدوية تصلنا بأسعار بخسة، إلى منتجات كيماوية تقتحم غرف نومنا، إلى أفكار يتبناها سياسيون ومفكرون دون أن يعرفوا مصدرها ويطبقونها على بلدانهم فتأتي النتائج سلباً أو إيجاباً بحجم المعروض في تلك البلدان من عمق الفساد أو سطحية الحكام أو سقوط النخب.
الجامعات عبر العالم ما زالت تعوم في المعرفة الانسانية والمعرفة الطبيعية ولم تستطع مغادرتها، ويشذ عن ذلك طبعاً، جامعة هارفارد في الولايات المتحدة الأميركية، وبضع جامعات أخرى نجحت في تحويل صروحها الأكاديمية إلى فورومز تتعامل ب Algorithmic Reality  الثقافة الثالثة.
بون- ألمانيا



المشاركة السابقة