جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » جماليات


رسائل فان كوخ - الرسالة الخامسة عشرة


ترجمة: ستار كاووش
لاهاي ٣ آذار ١٨٨٣
تَيّو العزيز
أرسل لك هنا تخطيطاً سريعاً لمطعم شعبي قضيت فيه بعض الوقت، هذا المكان يكتظ بالناس الذين يتناولون الحساء بسرعة ويمضون لحال سبيلهم. يحتوي المطعم على صالة كبيرة يملؤها الضوء الذي يسقط من الأعلى بعد أن يخترق باباً مرتفعاً في جهة اليمين. لقد رسمت المشهد مرة أخرى وبشكل كبير في المرسم،
حيث ألغيت النافذتين في المؤخرة، ووضعت ستارة بيضاء في الخلفية، بينما حاولت قدر الامكان أن أرسم النافذة المتبقية بالحجم الطبيعي، وأجعل الضوء الذي يقطعها يبدو تلقائياً. ومثلما ترى وضعية الأشخاص، كأنهم فعلاً في باحة مطعم للحساء. ولفعل كل ذلك حَرَّكتُ إطاراً فارغاً أمام المشهد كي أجد التكوين المناسب. بإستطاعتي الآن طبعاً أن أحرك الشخصيات بدقة وبالطريقة التي أراها مناسبة وتتلاءم مع عملي. أراهم حقيقيون هؤلاء الأشخاص ويمكنني الأمساك بهم وتطويعهم بمرونة لصالح الرسم. لديَّ رغبة كبيرة في إعادة رسم هذا الموضوع بالألوان المائية، لأني أريد الأسترسال معه للحصول على تكوين أكثر نجاحاً، واعتقد بأني سـأسلك الطريق الصحيح في رسم الأشخاص وليس كما حدث خلال الصيف حين كانت النتائج غير مشجعة، وذلك بسبب الاشخاص الذين جلسوا كموديلات، حيث لم يكن لديهم الحماس الكافي، وهذا ما جعل تفاعلي معهم يشوبه البرود، وحتى الضوء الدافيء الذي ملأ المرسم لم يشفع لتحسين النتائج.
هل تعرف ما أنا بحاجة اليه حقاً في هذا الموضوع؟ أحتاج لبعض القطع القماشية المختلفة، رمادية وبنية وبعض الألوان الاخرى، لأغطي بها الجدران الكالحة التي أصبحت مع الزمن معتمة وتمتص الضوء، أما الأرضية فهي أكثر عتمة من الجدران. سيتغير كل شيء هنا حين أغطي الأجزاء السفلية من هذه الجدران المعتمة بقطع قماش أكثر إشراقاً وحيوية. شخصياً لستُ بحاجة الى أشياء كثيرة، فلدي ملابس جيدة، واشتريت البارحة بدلة مريحة من الكتان ذي الملمس الخشن، لكني أبحث دائماً عن الأشياء والتفاصيل والمواد التي تساعدني في عملي، وأراها تتفوق بأهميتها حتى على الموديل نفسه، لكني غالباً ما أدع العثور عليها للمصادفة.
أحب مرسمي كثيراً، نعم، أعشق هذا المرسم المتهالك كما يعشق البحار سفينته، وأنا متأكد بأن الامور ستكون على مايرام  لولا محفظتي الخاوية، التي لا تساعدني في السير كما أريد، عموماً كل شخص تنقصه بعض الأشياء مهما كان مكتفياً، وسأُبقي المرسم هذه الأيام كما هو، رغم أن الفرصة مواتية لتغييره نحو الأحسن، فالتفاصيل الصغيرة في هذا المكان مكلفة أكثر من الأشياء الكبيرة الواضحة، لأنها أشياء عملية وعليها ترتكز الكثير من الأمور.
أعرف أن نفقاتك الآن قد ازدادت بسبب صديقتك المريضة، وأنا سأتفهم موقفك بالتأكيد إن توقفتَ عن مساعدتي هذه الأيام. بالمقابل سوف لن أتوقف عن الرسم مهما حدث وسأمضي في طريقي، لأني أشعر بطاقة كبيرة تدفعني للرسم والوصول الى ما أفكر به. وهناك دافعاً آخراً يزيدني حماساً، وهو إن رابارد* بدأ يتعافى وقد عادت له صحته شيئاً...فشيئاً، ونحن نتراسل الآن، وننتظر أن نكون سوية في الفترة القادمة، فلقاؤنا سيعطينا قوة إضافية ونمضي معاً للوصول الى نتائج متقدمة في الرسم. لقد قضى رابارد مع الرسم فترة أطول مما قضيت، لكن رغم ذلك فنحن متقاربان في المستوى نوعاً ما. أعرف إنه يتفوق عليَّ ببعض التقنيات في الرسم الزيتي، لكني أحاول أن أتقدم عليه في التخطيط. ما أتمناه هو ان نتواصل معاً، ونحن نرسم الأهالي البسطاء، ونتطلع الى مطاعم الفقراء كي نقتنص موضوعاً، ونراقب المرضى في المستشفيات لنجد التكوينات المناسبة، وغير ذلك من التفاصيل. رابارد سيأتي هذه الأيام لزيارتي كما وعدني بذلك. عندما يحضر سأتفق معه على تنفيذ سلسلة رسومات عن المواضيع التي ذكرتها، لكن بطريقة الليثوغراف. أتوقع أن ننجح في ذلك ونمضي بعزيمة الى الأمام.
أعدك، في كل الاحوال بأني سأتقدم أكثر في الرسم، وخاصة في التخطيط، حتى في حالة عدم استطاعتك إرسال شيئاً لي. اعدك بذلك صادقاً. عليَّ ان اكون ايجابياً وانظر الى التحسينات القليلة التي حدثت في المرسم، سأستثمر كل شيئ لإكمال طريقي، رغم أني سأتوقف عن القيام ببعض الأشياء وسأتخلى ربما عن الموديل، لذلك، اخبرك ايضاً بأن جانباً كبيراً من هذه العقبات سيتبدد ان ارسلت لي قليلاً من النقود. اريد الوصول لأعمال أفضل، واقصد ان الدراسات التي عملتها لوجوه الايتام، والتي احتفظ بها عندي هنا، مازلت ارى في بعض جوانبها خصوصية وجودة، ربما تشوبها بعض الاخطاء هنا وهناك، لكنها جيدة بشكل عام، وحتى هذه الاخفاقات التي فيها، لا اجرؤ على القول بإني أريد معالجتها سريعاً للوصول الى أعمال أفضل، فقط عليَّ التفكير في معالجة الضوء والعتمة بطريقة أخرى غير التي اتبعها الآن. أعدك مرة أخرى بأن الأمور ستتحسن.
غداً سأستقبل مجموعة من الضيوف، حيث سيكون هناك أمّ صديقتي وأختها الصغيرة، كذلك سيحضر أحد صبيان الحي، وستضاف لهم صديقتي، ليجلسوا لي موديلات للعمل الذي أرسل لك تخطيطه هنا. رابارد يعمل ايضاً وبجد كبير مع الموديلات، فهذه هي الطريقة الأكيدة التي يتطور من خلالها عمل الرسام، أما إن كان لدى الرسام نوعاً من التفاهم والانسجام مع الموديل، فسيتفتح هذا الأخير مثل زهرة، وتظهر فيه تفاصيل وأشياء مدهشة ويعطيك الكثير.
أحاول أن تكون رسالتي هذه مكملة للرسالة التي بعثتها لك البارحة، لتعرف كما كتبت لك، كيف أفكر بالرسم وكيف يتداخل معي لنصبح كائناً واحداً. سأنتظر الضيوف، لكن هل سأنجح في رسمهم حقاً؟ هذا ما سيقوله الغد.
لا أعرف لمَ لا تكتمل الامور بسرعة؟ ربما أكون متعجلاً، لكن الشيء الأكيد الذي اكتسبته في الفترة الماضية، هو اكتشافي أن قيمة الضوء أكبر من اهمية اللون نفسه. ورغم كل شيء، فلديَّ شعور داخلي يؤنبني، لأنك قد ساعدتني كثيراً، مع ذلك لم أتقدم بنفس مستوى دعمك ومعونتك لي، وهذا ما يجعلني أتردد بطلب المزيد، رغم إني أنظر الى الأمر احياناً كما في علم الجبر، فضرب السالب في السالب ينتج عنهما موجب، لهذا فالفشل المتكرر سيقودني الى النجاح بالتأكيد. محبتي لك وسلامي لصديقتك المريضة... أقصد التي ستتعافى.
أخوك المحب
فنسنت

هوامش المترجم:
رابارد: انطوان فان رابارد (١٨٥٨-١٨٩٢) رسام هولندي ينتمي لمدرسة لاهاي في الرسم، وهو صديق فنسنت، وكانت بينهما الكثير من المراسلات، وكان يبدي الكثير من النصائح حول لوحات فنسنت في بداياته. أهتم برسم البورتريت والمناظر الطبيعية والاشخاص اثناء العمل.



المشاركة السابقة