جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » مراجعات


جلجامش والثمن الباهظ لثلثه البشري


د. حسين الهنداوي
ماهية الوجود الإنساني كان مجالاً مركزياً من مجالات الفلسفة في الثقافة العراقية القديمة. فمن جهة ميّزت الألهة الإنسان عن المخلوقات الأخرى بهبتين الهتين هما العقل الجزئي (مقارنة مع الله كعقل كلي أو مطلق) والجمال الظاهري بمنحه صورة الله وحسب (مقارنة مع الله كجمال كلي أو مطلق). وهو ما عبر عنه نص سومري مدهش عن خلق الإنسان بعنوان «أتراحاسيس"وآخر في"ملحمة الخلق"(اينوماايليتش) السومرية البابلية يتضمن عبر عن ذلك نص:
"يؤخذ طينٌ من أسمى مياه الأعماق،
ويقوم أمهر الصناع الإلهيين بعجنه وتكثيفه،
وتبدع ربة الخلق في الأرحام بتكوين هيئته وأعضائه
ويكتب إله المصائر قدره
ونعلق عليها صورة الآلهة
على أنه الإنسان"

تلكما الهبتان هما بمثابة الضرورة المنطقية لتمكين الإنسان من النهوض بالغاية الحصرية من خلقه: خدمة الألهة حسب"الأمر الإلهي بخلق الإنسان". بالمقابل، وعلى الصعيد الفكري المحض أيضاً، يبدو جلجامش من ماهية أرقى من الماهية البشرية المعتادة: ثلثاه من مادة إلهية وثلثه الثالث من مادة البشر. وهذا المفهوم الذي يجمع عليه عدد من النصوص السومرية والبابلية بشكل لافت، ينطوي على ثلاثة مفاهيم فلسفية دفعة واحدة دون أن يترتب على هذين الامتيازين العظيمين أي تغير في قرار السماء النهائي بان الخلود حكر على الآلهة وان الموت قدر الانسان. وهي ما يلي:

- الأبدية كحالة (ميتافيزيقية) مطلقة للآلهة.
- الخلود كغاية بذاتها.
- حقيقة الموت كقدر حتمي.
- الحب والكراهية والفرح والحزن والمتعة واللذة حقائق نسبية وحسب.

وجلجامش يتفوق على الإنسان الطبيعي على مستويين جوهريين.
الأول كونه إنساناً استثنائي الكمال (سوبرمان) بما يلي:
1- إنه"رأى كل شيء"و"عرف كل شيء"، و"الحكيم العارف بكل شيء"وحسب،
2- إن الالهة العظام الذين صمموا هيئة جسمه جعلوا صورته في غاية التمام وأوصافه في غاية الكمال،
3- أحسنت الآلهة خلقه أكثر فأكثر إذ حباه شمش السماوي بمزيد من الحسن، فيما خصه أدد بالبطولة، وبذلك"جعل الآلهة العظام صورة جلجامش كاملة تامة".
والثاني كونه أسمى حتى من الإنسان الاستثنائي الكمال (سوبرمان) من حيث إنه يتفوق عليه بكون"ثلثاه من إله وثلثه الآخر بشر"كما جاء مراراً في الملحمة التي تحمل أسمه بما في ذلك على لسان أحد الرجال العقارب الذي هتف لزوجته وهو يرى جلجامش قادماً: إن"الإنسان القادم إلينا جسمه من مادة الآلهة.. فتجيبه الزوجة: أجل إن ثلثيه من إله وثلثه الآخر من مادة البشرية".
ومع ذلك ظل هذا الملك الأسطوري الفوق بشري عاجزاً عن ثلثه البشري بل كان عليه أن يدفع ثمنه باهظاً. فالعذاب الذي سيمزق قلب جلجامش لا نظير له في أي تراجيديا أخرى مهما كانت عظيمة القسوة والشدة. إذ لم تكف كل تلك الماهية"فوق البشرية كثيراً ودون الالهية قليلاً"، ولم يكف إنه نسل الآلهة الكريمة ننسون، من تغيير قدر الموت الرهيب الذي ظل يتربص به أو من اجتياز تلك الخطوة البسيطة الاخيرة التي تفصله عن بلوغ مرتبة الآلهة. كما لو أن ذلك الثلث البشري هو الأعظم أو هو الحقيقي لذا سيرغم جلجامش (أو الإنسان الكامل) على دفع ثمنه الباهظ الى الأبد.. حيث أخفق"السوبرمان"جلجامش أن يصبح إلهاً هو نفسه رغم كل العويل والرحيل والتوسل والمغامرات العجائبية الغرائبية التي تعرضها الملحمة بالتفصيل الجميل الذي نعرف.
ويظل السؤال الأهم: من أين جاء لجلجامش ثلثاه الإلهيين هو الإنسان؟
لقد قادنا البحث المضني في النصوص السومرية والبابلية الى استنتاج خاص عن مصدر ثلثي الإله فيه مفاده:  إن جلجامش مولود نتيجة"زواج مقدس"بطلاه إله السماء آنو ممثلاً بالملك السومري المتألّه لوغال بندا من جهة، والاميرة العذراء وإلهة الخصب والجمال عشتار وتمثلها ننسون رمز الحنان والامومة في الادب العراقي القديم (ومنها كلمة نسوة ونساء على الارجح). وهو زواج تمّ في معبد"أوروك"عاصمة العالم القديم وأول عاصمة دينية على الأرض، واسمها في التوراة (إرك)، وهي"الوركاء"الحالية. وتدعم رأينا نصوص كثيرة أشارت أيضاً الى أن جلجامش كان ابناً للإلهة"ننسون"الملكة العظيمة الحكيمة العليمة المحنكة المحيطة بكل الأمور"والمكلفة من إله السماء آنو بحماية وإدامة الحياة البرية، والتي كانت قد حملت به من ممثل إله السماء آنو على الأرض الملك البطل لكن الإنسان «لوغال بندا»، فجاء"ثلثاه إله وثلثه الآخر بشر". والأدهى والأقسى أن ننسون التي ظلت ساهرة على حماية ابنها ونصحه وتفسير أحلامه له كحلمه بملاقاة أنكيدو، بذلت كل وساطة مع آلهة السماء وصلت إلى الإله"شمش"، من أجل نيله الخلود وحمايته من الموت عبر قتل رمزه إلى الأرض خمبابا الرهيب.

وهكذا فثلثه البشري ظل عبئاً رهيباً على جلجامش حتى الرمق الأخير كما لو إنه كان محتماً على الإنسان دفع ضريبة عجز العقل البشري ليس فقط من الارتقاء الى عالم الأسرار الآلهية، بل من الافلات من قدر الموت ونيل الخلود برغم أن العنصر الالهي كان أسمى وأكبر في جلجامش، وبرغم نجاحه بالقضاء على الوحش الرهيب رمز الموت خمبابا.
بيد أن الأقسى والأمرّ هو أن رمز العبث والقدرية والهباء ساقية الحان سيدوري،هي من سيلقن هذا الذي ثلثاه إله، درس العقل والبساطة والواقعية والحياة بكلامها الدافيء والخالد: 
إلى أين تمضي يا جلجامش؟
الحياة التي تبحث عنها لن تجدها.
فالآلهة لما خلقت البشر،
جعلت الموت لهم نصيباً،
وحبست في أيديها الحياة.
أما أنت يا جلجامش، فاملأ بطنك.
افرح ليلك ونهارك.
اجعل من كل يوم عيداً.
ارقص لاهياً في الليل وفي النهار.
اخطر بثياب نظيفة زاهية.
اغسل رأسك وتحمم بالمياه.
دلل صغيرك الممسك بيدك،
واسعد زجك بين أحضانك.
فهذا نصيب البشر

ولمن يبحث عن فكرة أوسع عن"الزواج الالهي المقدس"، نبين أن كثيراً من النصوص والمعطيات تدعم الرأي بأنه كان يمارس كطقس سنوي قديم في عالمنا السومري البابلي ويرمز الى تجديد شباب الأرض وخصبها في عيد ولادة الخليقة من كل عام متزامنا مع أول أيام الربيع وكل بطريقته وتفسيراته اللاهوتية الخاصة. فعند السومريين والبابليين كان الملك هو من يمثل إله السماء فيما كانت كاهنة أو راهبة طاهرة تقوم بدور الآلهة (بديلاً عن عشتار غالباً) في طقوس ذلك الزواج المقدس السنوي ضماناً لأحلال الخصب والرخاء في البلاد. وتلك الكاهنة أو الراهبة غالباً ما تكون عذراء جميلة من بنات ملوك أو أمراء القصر أو النبلاء. ويدعم هذا الرأي ممارسة جلجامش نفسه لهذا النوع من الزواج المقدس الذي ولد هو بفضله حيث تفيد الملحمة بارتباطه المقدس مع الكاهنة أشخارا"في حفل ظلت بركة الآلهة فيه ترافقه وتحميه خلاله حتى اقترابه من المكان المهيأ لـذلك.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية