جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » مراجعات


عن ديكارت وعلي الوردي ورياض أحمد


نوزاد حسن
لو قلت اننا تعاملنا مع علي الوردي بطريقة تشبه كثيراً الطريقة التي تعامل بها الكثيرون مع ديكارت لم أكن مبالغاً.أنا أعني إننا فهمنا هذين المثقفين باسلوب واحد اسميه:الامتلاك المادي للفكرة.ماذا يعني الامتلاك المادي للفكرة.؟يعني إننا نحاول أن نمتلك الأشياء والأفكار لا لنتغير ولكن لنقتنع بان لدينا ارتباطا حميماً بهذا العالم.
لكن دعوني اتحدث قليلا عن معنى الفكرة التي تخشبت بعد ان تحولت شيء مادي بحت كالموبايل أو جهاز الكومبيوتر.
لو ذكر أحدنا الدكتور علي الوردي في أي مكان فسيقول الجميع كان عالماً كبيراً وهو من قال إن العراقي مزدوج الشخصية أي متناقض في سلوكه.انتقلت هذه الفكرة انتقالاً مخيفاً بين الناس وبين المثقفين أيضاً.ما المخيف في هذا الانتقال.؟المخيف إنها تحوّلت الى شيء مادي متصلب.هذه الفكرة ليست هي كل علي الوردي إنها جزء ضئيل منه.انها ظل لجبل,أو قطرة من بحر زاخر.ومع كل تكرار لهذه الفكرة نقتل علي الوردي قتلاً ونبعده عن أصالة روحه,ومعاناته.
  لقد اكتفينا من عالم الوردي بطابوقة صغيرة وضعناها في وعينا كعلامة على معرفتنا به.هذا الامتلاك للفكرة يحولها الى كذبة تجعلنا واثقين إننا درسنا وفهمنا هذا العالم الذي كانت حياته نمطاً فريداً من المعرفة وشكلاً من أشكال سعي الروح الى نطاق عالميتها الفسيح.
  نعم قال علي الوردي إن الفرد العراقي مزدوج الشخصية لكن هذه المقولة احدى فرضياته الاجتماعية لتفسير وضع اجتماعي يفرض ضغطاً لا يطاق على الفرد.إذن ليس كل مملكة الوردي تنحصر في هذه الفرضية لأن ما يساند هذه الفرضية فرضيتان آخريان هما:صراع البداوة والحضارة,والتغير والتناشز الإجتماعي.أنا أتحدث هنا عن وصف علمي وفرضيات أو مرايا لفهم الواقع الذي يحيط بنا.لكن هل فكر الوردي بهذه الطريقة الجامدة السطحية حيث كان سلوك الناس موحياً له بفرضيات ثلاث وصف بها مجتمعنا.كلا لأن الوردي عبر الى داخل الإنسان وحاول أيضاً أن يفسره.ومن هنا يمكنني القول إن رحلة الوردي في وادي أعماق البشر,ومحاولته فتح عقولهم واكتشاف ما بداخلها كان هدفاً كبيراً ورحلة عجيبة.لم ننتبه الى تلك الرحلة وقمنا بتحنيط هذا الرجل لإمتلاكه وإخضاعه لكذبة المعرفة التي نبحث عنها.
  ديكارت أيضاً جعلنا منه حكاية خاصة بنا تشبه ما فعلناه بعالم اجتماعنا الكبير.جئنا بديكارت واستخلصنا منه فكرة واحدة فقط صارت علامة على هذا الفيلسوف الكبير.كلما ذكرنا ديكارت قيل لنا هو صاحب قول أنا أفكر أنا موجود.وكما حصل مع مقولة الوردي السابقة تناقلنا قول ديكارت دون معرفة أين قال مقولته الشهيرة,وما هو السياق الذي وردت فيه هذه الجملة الفلسفية.اكتفينا بجزء من ديكارت وأبعدنا الكل ارضاء لرغبتنا في امتلاك مادي لأفكار البشر.وأنا أظن إن الكثيرين قفزوا على ميراث ديكارت وبحركة سلسة قيدوه خلف جملته.لكن لو أن هناك من قرأ كتاب ديكارت تأملات في الفلسفة الأولى فسوف يدرك جمالية البناء الهندسي للفكر الفلسفي وهو يبحث عن حقيقة لها وضوح الشمس.الأهم من براعة ديكارت رحلة الشك التي حاصرته طويلاً واتعبته ثم تخلص منها بعد إدراكه إنه إن شك بكل شيء فسوف لن يشك بأنه يفكر في الشك.ومن هنا تألقت روح ديكارت لأنها أمسكت بخيط لا يمكن الشك فيه.لكن كانت هناك مشكلة خطيرة واجهته وهي كيف سيثبت وجود الله,وهو لا يملك إلا إيمانه بفكره وفعل الشك.هذه مرحلة أخرى أصعب خاضها ديكارت لإثبات وجود الله ثم إثبات وجود العالم.إذن أنا أتحدث عن رحلة فلسفية اختصرها البعض في جملة,وكنت تحدثت عن رحلة في علم الاجتماع,ورحلة غوص عميقة خلف أسوار العقل البشري قام بها الوردي لكننا اكتفينا منها بقول هو في الأساس فرضية من فرضياته.ولذلك أنا أتذكر إن المطرب المرحوم رياض أحمد أراد أن يعبر في أحد لقاءاته عن حبه للغناء فاستخدم جملة ديكارت بتغيير بسيط قائلا:أنا أغني إذن أنا موجود.ومما لا شك فيه أن رياض أحمد اعتقد إن هذا القول هو حكمة عابرة قالها مثقف غربي,ولم يدرك إنها رحلة فلسفية لإعطاء العلوم أساسا تستند إليه كما عبر ديكارت نفسه.اذا قلنا لرياض أحمد كيف اذن ستثبت وجود الله ثم العالم من حولك فسيعجب من كلامنا لأنه يعتقد أن مقولة أنا أفكر إذن أنا موجود هي مجرد كلمات تحمل خبرة رجل بالواقع والحياة.إذن في هذين الموقفين يتضح لنا كما ابتعدنا عن روح علي الوردي وكذلك عن ديكارت.ولعل مشكلتنا مع الوردي أكبر لأننا لا بد أن ندرس ما قام به هذا العالم الكبير الذي كان صورة راقية من صور الوعي الذي عبر عن نفسه بأصالة رائعة جداً.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية