جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » مراجعات


غشاء البكارة يهطل عليه السلطان بأمطاره


نعيم عبد مهلهل
قبل سنين عشت كغيري من الذين يحاولون تحاشي الحديث عن هذا المكان (كمب) وهو ما يطلق على أمكنة تجميع اللاجئين.وهو أشبه بمعسكر أو مكان لإيواء طالبي اللجوء أو الذين يأتون إلى أوروبا للعيش أو الهروب أو طلب الأمان وبعضهم للتعرف عن قرب على شكسبير وغوته، وهم من جنسيات مختلفةٍ، من انغولا حتى التبت.ومن قضاء الخالص حتى ليما عاصمة البيرو، ومن حافات المياه حتى حافات جبال الانديز، إنهم بشر دون حصر، ثقافات وسلوك حضاري واجتماعي وديني..
قادتني الصدفة لأتعرف على رجل من ألبان كوسوفو، وبصدفة غريبة الرجل متعلم جيدا ويحسن اللغة العربية إذ عمل 10 سنوات في السعودية، وحالما أخبرته اني من المعجبين جدا برواية إنفو أندريتش  (جسر على نهر درينا) حتى قال لي إن هذه الرواية يكاد يحفظها على ظهر قلب، لأنها تتحدث عن فترة مهمة لتاريخ بلاده عندما كانت تحت الحكم العثماني.وانهم أسلموا بمجيء الترك.ولايدري إن كان هو من أسلافهم أو البانياً ــ سلافياً.ولكنه الآن مسلم وهو فخور بذلك.
في ليال متعاقبة استفدت من الرجل كثيراً في التعرف على طبيعة الشعب الألباني وتأثير العثمنة عليهم.ومن بعض دهشة حديثه تحدث لي كما فعله اندريتش في روايته عن ذكورية الولاة العثمانيين وطموحهم في جعل رغباتهم الخاصة ترتهن بطغراء اختامهم، وكانوا يتفاخرون بشيئين قبل كل الأشياء، هما ممارسة الجنس وتعذيب ضحاياهم التي تتم من خلال عملية الشنق بالخازوق في رواية جسر على نهر درينا شاهد على ذلك..غير إنه تحدث عن حريم الوالي وقال إن سراي الحكومة أكبر أجنحته هي أجنحة الحريم.فمثلا المحكمة القضائية والشرعية بقاعة واحدة وبيت الحريم يحوي30 قاعة، فالولاة والسلاطين يمتلكون هواية يختلفون فيها عن هوايات كل سلاطين الأرض وهي تجميع النساء.فلقد كان والي البانيا العثماني مثلا لديه أعداداً من الحريم ومن شتى القوميات والديانات، وأعزهن عنده هي عزرايا اليهودية، لكن اجملهن كانت هي إليان الشركسية، ولكن معزة اليهودية آتية من إنها تأتيه أنّى شاء، وهي من يحق لها تدليكه في الحمام، والوحيدة من سُمحَ لها ببناء كنيست صغير في سراي الحكومة والذي عادة ما يُلحق فيه قصر كبير خاص لسكن الوالي. وكانت له ايضا حريماً من الشام وأرمينيا والبلغار وفلورنسا والحبشة ومصر وبلاد الغال والراين، وآخر من أهديت إليه جارية هندية يقال إنها علمته رقص القرود.
عبارة (تأتيه أنى يشاء) قادتني الى ذكريات وتساؤل عن سر هذه الفحولة المتعددة الألوان والأنواع لدى سلاطين بني عثمان ورغبتهم العجيبة بفض بكارة النساء، وأن من بعض السلاطين من لديه امرأة مختصة لمعرفة الجارية البكر والعذراء، ويقال أن بعضهم يضع ختم السلطان الطغراء بحبره الأحمر على خاصرة من يفض بكارتها ليعلم من يأوي الى أحضانها  بعده بأنه كان فحلها الأول وهو من أنزل على غشاء البكارة أمطاره. وحتما هذا الشعور الذكوري التسلطي والاستبدادي آتٍ من الطبيعة الجسمانية والبيئية لحياة الترك الجبلية ربما.وربما أن الامتلاك والجاه واللقب الإمبراطوري يمنح للذكورة مدىً متسعاً ليفعل أي شيء وكل شيء مادام السلطان هو الخليفة وأمير المؤمنين وأقرب الناس الى الله بعد وفاة النبي كما ساد الاعتقاد في الخطاب السلطاني في تنصيب كل سلطان جديد يخلف سلطاناً آخر ذهب بعملية دس السم إليه في شراب الزنجبيل، أو القتل بواسطة مخصي مقرب إليه، أو خنقه في حمام أو قتله بسيف.
تلك الرؤى أعادت الزمن الى عام 2005عندما كنت قرب كنيسة (فيا صوفيا) في اسطنبول التي حولها محمد الفاتح عند فتح قسطنطينية إلى مَعلمٍ إسلامي وغير الكثير من طبيعة عمرانه وموجوداته حيث وجد متحف صغير للسجاد العثماني عبر العصور. وهي بناية صغيرة يحرص فيها المسؤولين على أن يظل المكان معتماً كي لا يؤثر على تكوين ونسيج السجاد الثمين واغلبه يرتبط بتواريخ معينة منذ أزمنة المغول الأولى وحتى زمن كمال أتاتورك..
يطغي اللون الأحمر على اغلب السجاد المعروض، والكثير منه كان ممزقا ومثقوبا في أمكنة عديدة منه بسبب تقادم الزمن أو لحادثة جرت عليه. كنت أقف أمام كل سجادة وأقارن بين تاريخها المثبت وبين حادثة ما جرت عليها. قالت لي دليلة المعرض : أن بعض السجاد المعروض يرتبط بحوادث هامة في تاريخ الدولة العثمانية.
لحظتها تذكرت ما أخبرتني به الروائية المبدعة لطفية الدليمي وهي تستضيفني في كازينو جميلة بمنطقة الشميساني بعمان في أمسية باردة من إنها تهيئ للعدد الرابع من مجلتها ((هلا)) ملفا حول الأمكنة المعاندة التي يولد فيها هاجس العنف والشهادة والمقاومة (الزنازين، ربيئة الحرب، المنفى، الصحراء اليباب، الفنادق الرثة، ليالي الجوع الباردة، غرف التحقيق، أرصفة الثمالة، الحدائق الخاوية، سرير الوصال بين البشر وغيرها...))
في تلك اللحظة وأنا أقف أمام سجادة تلطخت بأحمر غامق تخيلته في البدء بقايا دم اغتيال وجدت فوقها وما أكثر ما اغتيل من سلاطين أل عثمان فوق سجادهم الوثير أو في سحب بخار الحمامات الشرقية أو في حفلة خليعة ويقدم له الطعام أو الشراب المسموم.
قلت وأنا أتخيل سيناريو الحدث المقام فوق السجادة المبرقعة بدم الشهوة والخوف والسلطة والاغتيال وتمزيق غشاء البكارة : لقد وجدت موضوعتي لهذا الملف، حيث علي أن أجعل من هذه السجادة مكاناً للعناد القائم بين القاتل والقتيل، بين الشهوة ودافعها العنيف،بين الشذوذ ومتعته الآتية من هاجس الهيمنة والتفوق والعقد الروحية والنفسية، وحتماً سأتخيل شكل الخنجر أو السيف أو يد الانكشاري أو الجارية أو النديم الذي كُلفَ بقتل السلطان، وارتسم المشهد أمامي كاملاً ومنها ما تخيلته في لحظة المؤانسة السلطانية التي تتم بين السلطان الملتحي وجاريته الشركسية أو الرومية أو الأرمنية أو العربية الناعمة، وافترضت ذلك الإرغام الذي يصيب الشفتين في فصل التقبيل العنيد والقاسي بين الملك ومملوكته ومدى إحساس الألم والخنوع الذي يصيب فم الأنثى فيما السلطان على السجادة يمد ذكورته التعبى بشيء من الفجور والعناد والرغبة برؤية الدم من خلال تمزيق الغشاء الشفاف ليثبت سلطانيته فتصير تلك القبلات طقساً من طقوس المبارزة واثبات سطوة الشاذة، وربما ويصير الأحمر الشفاه التي تضعه الأنثى الشركسية مجرد أوهام ودافع لإثارة السلطان الشيخ الذي عاد للتو جزعاً ومليئاً بالشهوة والمتخيلة بعد فصل دموي في معاركه التقليدية مع بلاد فارس او جيش النمسا الرومية.
لهذا تحولت السجادة إلى مكان لحدث تاريخي للحظة شهوة السلطان ولفصل من فصول سعادته التي يفترضها أن لا تتم إلا مع ما يثيره الاحمرار الشفاه والجسد الناعم كزجاج كأس الخمر.
الدليلة الجميلة خلقت مفاجأتها حين ذكرت لي إن البقع الحمراء على السجادة التي اشتغلت بحرفية وزخرفة ونقوش عالية التقنية والجمال ويسجل على مكان صنعها إنها صنعت في أصفهان بتاريخ 1405م، وقدمت من الشاه الصفوي هدية إلى السلطان محمد الفاتح بمناسبة إعادته الشرق المسيحي إلى الحاضرة الإسلامية ليست لبقع دم أنما هي بقايا أحمر شفاه. وقالت : كنا نعتقد انه أثار دم لليلة عرس أو جريمة اغتيال لكن التحليل الكيماوي اثبت إن تلك البقع الغامقة إنما هي شيء من مكونات زينة المرأة، وانه على الأكثر كان من تكوينات الأحمر الشفاه المصنوع في ذلك الوقت.
انقلبت صورة التخيل وتحولت موضوعة الدم والاغتيال أو غشاء بكارة العرس إلى فصل من تقبيل غير منظم كان على الشفتين فيها أن تلامس أرضية السجادة، فأي تقبيل عنيف هذا كان السلطان يفعله مع خليلته أو واحدة من زوجاته الكثر وحتما كان هناك عناد وإن المرأة كانت مقلوبة على بطنها بحيث يلامس فمها جسد السجادة.
لا ادري لماذا هنا وزرقة عيون الأناضولية دليلة المتحف تفتح نافذة أخرى لتخيلي المفترض عن موضوع جديد للمكان المعاند تخيلت كافافيس ثانية وهذا المقطع الساحر من قصيدته :
((أغنية معسولة
تُقطُرُ من شَفَتَيك، وأنتَ كِنزٌ من الصَمُغِ المُر))
تلازمت هذه الصورة مع ما يحدث فوق السجادة وحتما افترضت إن الصمغ المرّ هو اللون الأحمر المعاند المطبوع بالارتباك متفرق على وسط السجادة وأطرافها وتخيل لي إن ثمة مقاومة عنيفة في لحظة الممارسة القاسية تلك، كان يبديها هذا الذي صبغ شفتيه بالأحمر مرغماً، وارتبطت أيضاً بما كان يحدث في ذلك الزمان حيث لكافافيس قصائد كثيرة تتمنى عودة البهجة للقسطنطينية التي سلبها صاحب السجادة في حصار دام وطويل، ولهذا تخيلت معاكساً مفترضاً لما تمنحه الحسية الذكورية لقصائد كافافيس إن الأحمر الشفاه قد لايكون مثبتا على شفتي أنثى..ربما ذكر، وهذا جائز من خلال قراءة السير الذاتية لتاريخ الإمبراطوريات وخاصة ((الإمبراطوريات الشرقية)) حيث يشاع الغزل بالغلمان ودعابة النديم وكثيراً ما تحول أولئك الندماء أو الغلمان إلى ولاة وسلاطين كما حدث في العهد المملوكي. لهذا خلق لدي مشهد ما يحدث وما حدث فوق السجادة المرسوم بخفاء في بقع الأحمر الشفاه ما تم في الممارستين المفترضة بشكلها الذكوري والأنثوي استعادة ما يريده كافافيس من تلك المباهج ما يثيره هذا الأحمر على شفاه أي كان في قصيدته ((جوليان والأنطاكيون))، وعلينا أن نعرف إن انطاكية اليوم واحدة من الأماكن السياحية والمتبقية من العهد الرومي القديم على الأرض التركية :
((كيفَ يُمكنُ لهُم أن يتخلوا أبداً عن طريقتهم الجميلةِ في الحَياة
مدى مَلَذاتهم اليَومية، ومسرحِهِم الرائِع
الذي يُحققُ الوَحدةَ بَينَ الفَن ومُيُولِ الجَسَدِ الشِبقِيَة؟))
لهذا وطوال تجوالي في أروقة المتحف الضيقة بقيت أتخيل سيناريو ما حدث فوق هذه السجادة المخملية وأنا أدرك جازماً إن جميع الذين وقعت نظرتهم على تلك السجادة منذ تعليقها وقفاً للمتحف السلطاني وحتى لحظة وقوفي أمامها كانوا يعتقدون إن تلك البقع الحمراء هي أثار دم لاغتيال ما أو لحظة انتفاضة ذكورية في طقس جماع ولأعتقد إن أحدا تخيل إن تلك البقع المنتشرة بارتباك ومساحات متباعدة ومتقاربة إنما هي بقايا احمر شفاه لشخص لايُعرف جنسه بالتحديد.
بقي هذا الطقس السلطاني العنيف يمثل حافزا لذيذا لدى الآخر المتمتع في المشاهدة أو الممارسة الطقسية وأي كان المقدار الذي يمنحه هذا اللون والمكان والمنثور عليه فان القيمة الإنسانية له تتحد في اعتبارات ما يمكن أن نضع تصوراتنا للحظة التي يكون فيها موجودا وليس بالمحتم أن يكون وجود هذا اللون مثار للشهوة فهو أيضا يغطي مساحة الشفتين بشيء من البراءة وحسن النية، لأن المرأة حتى في عفتها تحتاج لما يثبت إنها جميلة، وكذلك نرى هذا اللون في مناطق بريئة كثيرة (الأخت، زوجة الصديق، زميلة العمل، الأنثى العابرة، والكثير...)..
بين سجادة السلطان وهذا الزمان لم يتغير في الأمر شيء.فربما عقدت العولمة تلك الطقوس والممارسات وصنعت منها تنوعاً حضارياً تتعدد جغرافيته وتواريخه لكن مشهده يكاد يكون واحداً حتى لو تتم ممارسه عبر وسائل الاتصال الحديثة وتطور تقنيات الصور والتلفزيون والسينما وما يطلق اليه (الفن الاباحي ــ أفلام البرنو)..وهو ليس بسمو الفنون المعروفة لكنه صانع ومحفز قوي للشهوة ونوازعها الشاذة خاصة عن الشباب الأميين والذين يعانون من الحرمان والثقافة الجنسية والدينية..



المشاركة السابقة : المشاركة التالية