جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » حوار


عبد الكريم السعدون: أن تكون فناناً يعني أن تبتكر جسداً معاصراً"


حوار :  محمود عواد
يحفر الفن حضوره في جسد المحنة مثل وشمٍ يتجدد بتحديث المرحلة لطبقات لحمها بالكوارث الكونية، وتعدُّ الحرب أعظم تلك الكوارث وأخطــــرها، فمـــــنذ شرارتها الأولى وهي منهومة بتحديث الجسد البشري وعولمته، ذلك في استخدمها آخر صيحات الأسلحة، فالجسد البشري من وجهة نظر الحرب هو مستهلك لأخطر موضة في العالم، ومـتى ما استوعب الفـــــن ذلك صار يسيرا على الجسد الخروج من دائرة اللفـظ إلى ثقافة القول الشكلي،
مجــــاراةً منه لــما يشهده العالم من تحولات في سوق الصورة، ولايعي هذا سوى الفنان المصاب بحمى التجريب، ويمكن عـدّ (كريم سعدون) فنانا مابعد تجريبي كونه اجتهد في عولمة جسده البصـري بما يملك من ثراءٍ معرفي ساهم المنفى في تشكّل عوالمه، إذ برع في استدعاء الجسد العـراقي كأنه يُريد القول بأن الافتراض قائما على استدراج المكان بوساطة فهـمـنا لجسد المأزق الوجودي، فالفنان المعاصر ذلك الذي برع في عرض جسده خردة في سوق الحرب.

* للعولمة حضور جلي في أعمالك،هل هو فعل قصدي أم لحالات المرحلة وتحولاتها أثرٌ في ذلك؟..
- لاشك ان وجود اي تأثير يشير الى ذلك في اعمالي فأنه يمكن ان يكون رد فعل كونك تعيش عصرك، ورغم انه لايمكن اغفال وجود المحيط وتاثيراته فان ضغط السياق قد تحلل كثيرا ولم تعد له سطوته، كما ان الوعي اصبح اكثر تحررا منه، الرسامون يخضعون لنظام رسم واحد ولكن عندما تريد ان تكون فنانا يجب ان تكون معاصرا. منذ نصف قرن تقريبا اتيحت للناس وسائط اتصال غير مسبوقة وهيمنة سريعة لها وحصل الانسان على تبادل معرفي هائل لايمكن الوقوف امامه، فموجة التغيير في نهاية الستينات قلبت كل موازين الحراك الثقافي في العالم وفي العراق تحديدا احدث تقبّل الستينيين نافذة لهز الكثير من الثوابت كما انه احرج المنادات الصاخبة في موضوعة الهوية الخاصة واصبح استهلاك تأثيرات فناني العالم المهمين وتمثُل خصائصها قابلة للهضم ومقبولة من المتلقين، لذلك فجيل عاش تاثيرات هذه الفترة ينفتح بكل قواه على تجارب ثقافية كثيرة ويساهم بقدر ما على انتاج جديد، ان كل مايقال عن التأثير السلبي للعولمة على بنية المجتمعات الثقافية وغيرها هو صحيح ولكننا نتعامل مع النتاج الثقافي للحضارة الغربية باعتبارنا منتجين ايضا ولايمكنني ان اكون نموذجا منعزلا وهذا ماتراه في اعمالي ففي كل مرة اردد مع نفسي ان الفن منتج للاسئلة ولاينشغل بالاجابات.

* الجسد مخطوطة اجتماعية لخطورتها عملت الأنظمة الشمولية على ضرورة إمحاء أثرها، من وجهة نظر فنية كيف ترى ذلك؟
- الجسد مخطوطة اجتماعية، هذا مهم جدا وصحيح، الانظمة الشمولية تحاول دوما تنميط الجسد عبر منظومة من القوانين ومنها انتاج الهوية، وفي ثقافتنا جرى قمعا مقصودا للجسد وتنميطا غير عادي انتج لنا جسدا غضا قابلا لانتهاكات متعددة وجاهزا للخضوع لتجارب تزج به في ميادين مختلفة، اخضعته لعملية تشيئ واصبحت تتحكم بوجوده وشَكّل هذا الوجود، الان ماينقص الجسد هو حريته التي تتيح له التخلص من التنميط عبر تهشيم كل التابوات التي تفسد طريقه اليها، ويمكننا تذكر ان في الفن ومنذ نشأته هيمن الجسد كوجود معتنى به واستخدم كونه باثا علاميا مهما، واهمية ذلك كانت بكون هذا الاستخدام ثقافيا بالدرجة الاساس، ولايعني ان الجسد لم يتعرض لانواع من التنميط ولكن استطاع اخيرا النفاذ منها واعيد كونه كونا علاميا هائلا، ويكمن تلمس حضور الجسد في الاعمال الفنية كوجود يعلن عن اهميته وقدرته على التشكل المستقل الى الحد الذي اصبح هو كوجود حقيقي مستقل وله القدرة على ان يكون علامة فنية متوحدة مع ذاتها.

* هل الجسد قادر على استيعاب التحوّل العولمي،سيما وأن لأعمالك الغواية نفسها؟..
- شخصيا اعتقد ان الجسد له القدرة على استيعاب مثل هذا التحول وبالمناسبة ان حريته التي اكتسبها عبر نضال شاق هي التي تحرك دوافعنا الى ان نكون اكثر قدرة في تكوين الفعل الثقافي الجديد، لم يعد للشكل تأثيره، لان الشكل يعد نموذجا منمطا، وانتفت هويته واصبح وجوده قائما لذاته ويحوز قبولا عاما ونال وجوده الجديد تشريعات مناسبة، فالجسد في اعمالي عصي على التنميط حتى مني فوجوده حرا الا من بثه العلامي، جسد متحررلايتكرر وجوده المتشابه ولكن يمكن ان ترى التكرار في تواجده بوضعيات قد تبدو متشابهه، جسد لاهوية محددة له، ينبش في الوعي عن الطبقات الاكثر قدما ليضعها على دكة التساؤلات ويعيد برمجتها للتلاؤم مع العصر، هذا الجسد هو الممتلك لوجوده المستقل والباحث عن ترسيخ ذلك.

* عولمة الكارثة هي تطريسٌ جسدي،يبدأ من الجسد لينتهي به،هذا ما تقوله أجسادك،فهل ترى في ذلك ضرورة،أم هي شطحة يمارسها المخيال؟
- لاشك ان من يهيمن على العالم بقوة جعل من الجسد ميدانا لتجاربه وهو حقل مهيأ في المجتمعات التي تتعرض للوهن، جسد منمط وجاهز، المجتمع والانظمة الشمولية عرضته لتطريس مشوه عبارة عن طبقات متراكمة وليس فعلا حقيقيا للتطريس من هنا اعيد بناء الحكايات التي يتعرض لها ليس عبر السرد بالتأكيد وانما باستعارتي لاليات تعبيرية فيه،تطريس حقيقي عبر اجراءات فنية متعددة، اجراءات لاتأبه لقواعد  الرسم التي تحد مما اريد قوله.
ماعملته العولمة في جانبها الاخر هو تعريض الجسد الى تنميط من نوع اخر وعرضته كوجود لانتهاكات مسكوت عنا، اننا الان نبحث عن جسد متسائل وباحث عن هوية لاحدود لها يمكنه المعيش الحر في اي مكان وبالطريقة التي تضمن معيش امن ومشترك ومتحرر من اثار التنميط التي تحاول انظمة متعددة ومختلفة لاعادة تنميطه فهو يضمن شراهتها.
لااريد للتطريس في اعمالي ان يتعدى كونه اداة لتقويل الجسد بما يجب ان يكونه، ان يكون جسدا يمتلك اسباب وجوده الحر، جسد دائب في خلق التساؤلات ومتفاعل تلقائيا مع متلق تواق هو الاخر لمعرفته. هذا يتيح لي التحرك في مجال الجسد ذاته ليس بكوني رساما للشخوص وانما احاول ان يكون التعبير في العمل يمتد الى مديات واسعة ويكون لكل جزء في العمل قدرته على التوليد.

* متى يُعولم الفن، وهل للتشكيل العراقي نصيبٌ في ذلك؟
- الفن انطلق بشكل غير مسبوق في منتصف القرن الماضي تقريبا وامتلك اسباب انطلاقته بامتلاكه حريته، وكما قلت فأن الرسام ينتج في ظل قواعد واحدة ولااعني قواعد الرسم وانما في تشكلاته وحسب، لذلك كان نتاج مثل تلك الحرية في التعبير وانحسار القواعد الاكاديمية التي لم تعد مثمرة والتي استفذت ادواتها بفعل التغيرات الجديدة، هو تمردا شاملا وصل الى بقاع مختلفة، يحضرني هنا القول ان الهويات في الفن لم تعد موجودة اصلا والتاثيرات المتبادلة شكلت نمطا عالميا في السابق ففي الصين مثلا فأن موجة التحديث في تدريس الفن وصلت الى مدارس الفن العليا الشهيرة في بداية القرن الماضي تعرضت لرفض وثبات من مريدي الرسم الصيني التقليدي واقول التقليدي لانه فنا يحمل ملامح خاصة به وقواعد رسم لاتشبه المدارس الاوروبية ويشكل هوية له، الا ان انطلاق فناني الصين من كون نتاجهم تحفا فنية الى العالم اليوم كان بفضل انفتاحهم في انتاج فني معاصرممتلئ بقضايا تخص الوجود الانساني، الفن العراقي يعيش ازدواجية وتعقيد اليوم  بين نتاج فناني الداخل وفناني الخارج فالبعض يرى ان الفن التشكيلي العراقي هو خلاصة التجربة العراقية في الداخل وهذا في جانب كبير منه صحيحا ولكن يجب الانتباه الى ان هناك تنميطا للانسان حصل بشكل متعاقب افرز سياقا ضاغطا تعدى الانسان العادي الى المثقف ايضا ومنه الرسام، فالرسام لم يعد تواقا الى الانحراف بشكل كبير عن الخط الاكاديمي المرسوم وان خرج فان حواجز كبيرة تعمل كمصدات في طريقه وكل التجارب المختلفة لم تنجح في عروض الداخل وانما لانها حصلت على عين خارجية تتحسسها، فلا فرصة للفنان في مثل هذه الظروف ان يكون متحررا لان مهمته الان والتي يقتنع بها هو ان يستخدم في تعرضه لها الادوات المتعارف عليها في التعبير اي في الرسم والنحت والخزف وحتى الموضوعات المتناولة تبتعد عن الاصطدام بالمهيمن ناهيك عن وجود قناعات في عدم التصادم، ويمكن القول ان صراعا حادا يجري يحمل في طياته نكوصا الى الماضي القريب وفيه توقا لهوية فنية خاصة وهو موضوع كما ترى شائكا جدا الان.

* في أعمالك يبدو لنا الجسد فضاءا افتراضيا،فالى اي مدى ساهم ذلك في عولمتك للمكان؟
- الافتراض هنا نوعا من تمويه يتحايل على نمذجة جديدة للجسد تؤدي غرضها في التحقق من مدى الحرية التي تتوفر ومدى التكريس المستقل لشرط النجاح في تحييد تنميطه مرة اخرى، الجسد الذي اتلبسه  كمثال هو الاخر تعرض للتنميط لكنه يحمل في داخله مجسات الرفض، جسد يترقب ومستفز لذلك لايستقر بوجود مكان محدد لان المكان المحدد هو تعريف اخر لهوية مستضافة وهذا يقمع التودد للحريات، انا اعيش يوميا عالما افتراضيا عبر التواصل الافتراضي ويخيل الي في اغلب الاحيان انني جسدا متخفف من اثقال الوجود الحقيقي لذلك لدي توق دائم لابتكار جسد فاضل، جسد متخفف من اثقال تعيق طيرانه، وفي الطيران كما تعرف لذة المعيش الافتراضي  وهذا الجسد الموجود في اعمالي ليس له من وسائل التعلق بالواقع شيئا لانني ازحت كل مايتعمد اعاقته وتحرره، جسد افتراضي بامتياز وهو مااسعى اليه في كونه يعطي صورة للمتلقي تردم مطبات كثيرة تعترض فهمه والتعايش معه ودعمه، جسد افتراضي خارج سلطة التنميط وخارج سلطة الاجابات الجاهزة، جسد مثير للتساؤلات متحدٍ يسبح في عالم بلا حدود ولامكان لتعريفه واذا كنت قد نحجت في تقديمه هكذا فانني اكون قد ساهمت في تحفيز تمردا.



المشاركة السابقة