جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » نصوص


الأهوال في مدن بلا أسوار


عبد العزيز الحيدر
فوق سماء المدينة  جوع... أهو جوع قدري..جوع طارئ أم متوارث؟ لا أحد يمكنه الجزم بشيء  ثابت  في هذا الشأن الواقع  تاريخياً. والحاضر في الوضع الحالي...كتب الكثير من الرحالة.. ومن عصور مختلفة عن نجمة  كانت معلقة في  أحد أبوابها السبعة..نجمة مطفأة الضوء... كانت يتيمة.دائمة البكاء والنحيب..وكذلك طوال التاريخ ألشفاهي الذي ينقل أخباره الآباء والأجداد للأبنـــاء والأحفاد
في شوارعها... تحت الأراك... في المقاهي العتيقة
بين أقدام السابلة...يتحرك..أو يقف  أبلهاً...فاغر الفم... ذلك المعتوه الذي سموه
(مجنونها)..من عصر إلى عصر....سكراناً.....شاعراً.. يذوب كل صباح على أبواب حاراتها....مع العمال الميامين في صراعهم اليومي بحثاً عن رب لليوم..ينظر للفم قبل الذراعين...
وكذا في كتب السير والأخبار....في عشرات الروايات...ومئات القصائد
زمن يتعفر رأسه بالظلام..كان يسير طوال الليل  متسكعاً فاقداً  لأية رغبة في النوم..أية رغبة بحضور طقوس الحلم..ذلك الذي كان يطرق صدغية  كمطر غاضب ملحاح...كنا نسميه (الجوع) وهو يلتفت ناحيتك وأنت تناديه باسمه هذا...وحين تسأله عن اسمه فإنه يصر على أن اسمه الجوع...نحن..
- نحن نطلق عليك هذا الاسم مجازاً...فما اسمك الحقيقي
-هو اسمي...أنا الجوع
-  وهل أنت جائع؟
عندها لم يكن  يجيب...خجله  كان أكبر من صراخ أمعاءه..تلك المدينة وهو..هو ابنها,المهزوم..الذي شهد,وعبر,وذاق.واستجلى أياماً طويلة..حتى أدرك نعمة الهوس هذا...
الجوع  أغنية تتردد من كل الأرجاء في حوارينا الضيقة المتلاصقة المتعشقة ببعض من خلال مجاري المياه الآسنة  التي تشق وسط أي شارع من شوارعها صابة في بعض......من فتحة خيمة عتيقة..أو أذني شباك خشبي متهرئ أيضا كانت تبرز...
لم يكن الفتى..(الجوع) ابن العشرين... وفي كثير من الروايات عمره بقدر دهر كامل  أيضاً... يلتفت  لهذا الغناء الذي يتردد صباحاً ومساءً
أغنية قادمة على ظهر حصان ضامر بارز الأضلع..قد نسقط عنه في أية لحظة مغادرة للصفاقة...ربما حال توقف العاصفة أو حال تأجج طلبها المؤجل بالرحيل...
تكسرت المرآة
ما على رأسه لم يعد أحد يسأله عنه..معفر بالوجع والفجيعة
جفت بين يديه ينابيع الرغبة..وسقط ستار المسرح قبل انتهاء العرض
طرق الباب الخشبي العتيق..رفع مطرقة نحاسية  مسودة الأطراف وضرب بها عدة مرات..لا أحد يرد على طلبه أو يكترث بإلحاحه..وضع أذناً على الباب,  كان يسمع  شيئاً  لا يمكن تمييزه..أقرب للأنين منه إلى ضحكة  من فم متخلخل..كان صوتاً قديماً..صوت مومياء,دفع الباب قليلاً...على الصرير واز بعناد.. كانت الفسحة خلف الرتاج  ممتلئة بشبكات العناكب..دلف فيما يشبه دخول شبح إلى القبر المفتوح الفم الأصوات كانت تتعالى..وقحة...مستفزة...بل  مخيفة...مرعبة...
أغنية قادمة من رمال متحركة من تحت عصا  منخورة... العصا.. أسندت ذات  وقت حنك داوود...فيما النمل والبشر..والشجر كان يسعى  تحت يد تتصلب فيها ألأوردة كانت يد ميتة حيه, حاكمه , مؤشرة.. وتلك آية ضربت  وانتشرت على جبروت السلطة..نقرأ
عنها في الكتب المقدسة.. وتتناولها الأساطير وكتب السير وقصص الأنبياء
ليس يدرك كل البشر  يا أبانا...حين كبرنا وكبر فينا الوعي..كبرت آدميتنا معنا..صارت منحنية الظهر للقهر صار الشاب (جوع) المجنون صار أباً لنا...وصرنا ندعوه (أبانا)......أبانا  أعد على مسامعنا المقطع الأخير من أغنيتك.. لنحفظ الدرس  الذي لا يحفظ منذ قرون...في المقطع الأخير يغلق الناي أعينه  مشوشاً بالدموع ولا يعود للرعاة من رغبة في النهوض بالقطعان إلى المروج..فقد وصلت أخبار  زرع الأرجاء بالعبوات الناسفة  والألغام المختلفة الأشكال  وأغراض القتل والفتك..كثير من الأبناء انقطعت بهم سبل الوصول إلى قراهم ألمطوقة..يكتفون بالاتصال  من الأجهزة المحمولة...
الزمن  يهرب بعيداً...بعيداً عن  حدود القرى والمزارع والنهيرات..  وقنوات البزل العميقة المقصبة...لم يعد أحد يسمع أي مقطع من الأغنية...أغنيتك التي وصلت يا أبانا  ولكن متأخرة..متأخرة جداً.
معفراً بالفجيعة...بظلام الفجيعة بظلالها المتكاثفة  في ركاكات النصوص
رأسك.. وزمنك...معفر بالضياع
أيها الذي تنظر بكل هذا الغضب في كل الاتجاهات
الضوء بين عينك
سيظل فناراً  في بحرك اللجج
لا سفينة تهتدي به ولا سمكة
كانت ككل الحروب القذرة تبدأ بمبررات  يطرب لها الجهلة..وقود لها..موتى,جرحى.معوقون,مدمنو الكراهية,أسرى خيالاتهم...كان يصرخ في الشوارع والحارات...اللعنة...لا أحد كان يلتفت..البعض امتعاضاً وكراهية والبعض خوفاً من الاتهام بالخيانة...البعض كان قد أغلق عقله منذ زمن فلم تعد أقوي حجج المنطق تنفع معه....هو كان يمر بمواقع المفخخات حيث الجثث متطايرة والسماء سوداء وكل الدنيا متخلخلة مبعثرة مفككة...بالجوامع....بالمهرجانات....بشوادر العزاء....برصيف النهر..بالملاهي....كان يصرخ بالنداء المخيف...الدمار,الفناء,الخراب, لا مفر...لا مفر..استيقظوا من هذا العبث...استيقظوا من خرافاتكم..فكوا عن وجوهكم مخاط العناكب...إنها تمتد حبالاً إلى رقابكم...تخنقكم.. تخنق أبناءكم..آباءكم  وأمهاتكم
المدينة التي كانت بلا أسوار منذ أكثر عقودها خراباً لم يعد أحد فيها يسمع... جوعها صار مزمناً...بعضه تحول الى صمم.. بعضه الى جنون حقيقي..الكل كان ينهش في بعضه البعض...هكذا هي المدن بلا أسوار.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية