جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » تقييم


ليف اولمن.. الحنين للفردوس الضائع


ناجح المعموري
بعد الافتراق الذي يبدو هادئاً، لكنه معبأ بما يؤكد حصول فشل كبير، ثقافي، وتقوض بثنائية الحياة بين الشريكين. هذا أمر جوهري في سيرة الفنانة"ليف أولمن"لأنه احد أشكال التغير التي أكدت عليها بوضوح وصراحة، لكنه تغيرّ خص أركان حياتهما. ولم تترك تلك السردية الجوهرية في حياتهما بعد تدوينهما، بل ذهبت باتجاه استكمالها بسردية أخذتنا نحو نمط الحكايات المختزنة بالذاكرة، وكأنها من حكايا السمر.
وهذه السردية استعادت ما كان حاضراً بينهما ولابد من وجود نوع أخر أكثر هدوءاً من العلاقة، لأنها ستظل مرتبطة به من خلال ابنتها"لين"وفعلاً كان هذا تشكل شفاف وشعري عندما ذهبت ذات يوم مع ابنتها الى الجزيرة التي عاشا فيها سنوات عدة"قبل زمن بعيد، بعيد"تتحكم ليف بسردها وتتلاعب به من أجل استدعاء نوع من الشفافية والشعرية، فالمكان مجال مركزي، فاعل وجوهري في أنتاج وصوغ دلالة النص، فوجود الجزيرة، لم يكن مكاناً فقط بل حلماً. استحضرته"ليف"واستعادت تفاصيله الكثيرة، والمشتركة بينهما و"لين معاً"لذا تبدّت الجزيرة مكاناً في حكايا تعرفت عليه سنوات كثيرة. ومنحت ذلك الزمن بعده الغرائبي والأسطوري عندما قالت"قبل زمن بعيد، بعيد"هو غير ذلك لكنها أضفت عليه نوعاً من الامتداد والعمق، مثلما هو في الحكايات التاريخية أو الأسطورية. والعودة الى المكان، حدث له دلالة على بقاء مشترك هو الضاغط عليه في العودة، لأن"لين"فتاة عارفة وهي الفاعل في العودة، ومحرك لها."لين"ستقضي فصل الصيف مع والدها وزوجته الجديدة، ص134.
كان عبوراً صعباً... أخيراً لا يبقى غيرنا على طريق إحدى الغابات التي لا يكاد يعلم أحد بوجودنا.
يقول"أهلاً بعودتك"ويبتسم ص143.
كانت"ليف"معاينة ذكية، لأنها تريد استعادة شريط ذكرياتها عن المكان وكل صوره العالقة بذاكرتها، ولأنها مراقبة بدقة لكل شيء، التقطت في بطن زوجته الجديدة عقدة صغيرة، وزنها أكثر اطمئناناً من الأخرى، وأكثر صفاء، ويسرني أن أعرف هذا،"لين"يجب أن تأتي الى هنا، من أجلها، جزئياً تقول"سوف تستقرين في منزل الضيوف، كنا نتوق كثيراً الى زيارتك وقد اشترينا شمبانيا / ص135//
كل ما ذكرته"ليف"عن العودة للجزيرة وما حصل من حوار معه ومع زوجته يفضي لمألوفات عاشتها معه وتعرفت عليها زوجته الجديدة، فكل ما هو موجود ومهيأ لها، المكان، الشراب، مقترن بالذاكرة والتذكير غير مباشر بها، لكنه ينطوي على تعبير فيه مودة ومحبة وتقدير واحترام. حتى الذي قاله الزوج مثير"أهلا بعودتك"ويبتسم"هي عودة فعلاً، لكنها مؤقتة، حصلت بدواعي طاقة، الأمومة في أعماقها وعلاقتها مع"لين"لا تريد عزلها عن ابيها. وتركز السرد على حضور طرفين متضادين، أفضى الى نوع من تحريك للمدفون، المعروف والمحمول. فالزوجة الأولى، غادرت برغبتها واتخذت قراراً صعباً وسهلاً في أيام وأعلنت حريتها، والثانية تعيش زمناً جديداً، يمثل لها فردوسها الحلمي الجديد. وعلى الرغم من التركيز. الواضح في سرديات هذه الوحدة الملفتة للانتباه، لأنها أول أشارة للقاء بعد الافتراق، كانت متوترة، لأن الحضور، المخفي العميق لا يومئ إلا للصراع الداخلي عن فقدان فردوس ودخول أخر."ليف"خسرت فردوسها وغادرته، وخلت بديلاً لها امرأة أخرى، امتلكته. لكن سرديات"ليف"عن الجسد والجنس والحلم والمجد جعلت كلها من النماذج السردية القصيرة مثل الأحلام السريعة التي تفاجأ بيقظة تفززها.
“ليف"كائن شعري، قادر على استعادة تصورات العلاقة مع الأخر والبحث عن حضور جديد، يرسم لها حياة ومستقبلاً مجيداً.
*******************

تحدثت"ليف أولمن"وقالت بشيء من الإحباط والحزن وبشيء من الليونة المعبرة عن مشاعر الأنثى في لحظات الاستعادة للصور والاستذكارات، لكنه امتداد لتلك الاعترافات المأساوية عندما قالت بأنها تحضر عيد ميلاده الأربعين. وهي ليست المضيفة موقعها هو في آخر المائدة. ولكن من هناك أستطيع أن أرى بشكل أفضل الرجل الذي عشقته حين كنت صغيرة جداً. ولم يعد تخيلاً كما كان، ويبدو أكثر سعادة، ولكن أيضا أكثر تعباً. وزوجته تتصف بكل ما لا اتصف به. كان في إمكاني، ربما أن أكون مثلها جزئياً، لو أننا بذلنا محاولة صادقة... اعتقد بأنه يعيش محاولة طيبة / ص115// هذا الحديث عن رجل، هو زوجها"ياب"احتفت بعيد ميلاده الاربعين، بمعنى هو ما زال شاباً وهي مفترقة عنه، لكنه يعيش زمنه الجديد السعيد. على الرغم من أنها لم تكن المضيفة، لانها مطلقته، التي تعرفت عليه وعاشت معه وهي صغير جداً. يبدو أكثر سعادة،"لكن أيضا أكثر تعباً"وزوجته تتصف بكل ما كان مفقوداً لديها. و"ليف أولمن"تعترف بأنها بالامكان أن تكون جزءاً منها وتسعده، لو بذلت محاولة حقيقية وصادقة. واهتم ما في هذه السردية ما قالته بوضوح وصراحة :
“اعتقد بأنه يعيش محاولة طيبة"
لم يكن انفصال"ليف أولمن"آنياً ولحظياً، بل بذرته كامنة بين الاثنين، على الرغم من الاعتراف الصريح بأنها تشعر بالحب له"كما أنا مولعة به، وأشعر بارتياح لمجرد معرفتي إنه موجود / ص116... لا أحد يراني، وبكيت، إنه يمسك بيدها، يشير ويشرح،آه، كم هو صبور. وهي صغيرة وتشعر بالامان معه. ابتسامته لم أرَ مثيلاً لها / ص 116//
كلما ذهبنا باتجاه شبكة سرديات"ليف أولمن"نكتشف بأنها فنانة موهوبة، لا بل عظيمة، لكنها تواجه كثيراً من الاشكالات مع محيطها الاجتماعي والأسري، والفني، وهذه الإشكالات ليست لإيضاح، لأن كل الذي سجلته كاشف عن ذلك، وكاشف عن نوع من مرارة دفينة وليس عن فشل في علاقة عميقة مع"ياب"لأن اسمها هو الذي  تحمل كل الخسائر وذهب باتجاه تعويض الخسارة النفسانية الملاحقة لها منذ طفولتها، حيث خضعت لفحص وكشوف نفسانية مع علاج لكن سردياتها لم تقدم صورة واضحة عن لحظة الخسارة التي تظل ملاحقة تتلاشى، بسبب الافتراق عن زوجها ولديها منه طفلتها"لين".



المشاركة السابقة : المشاركة التالية