جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » متابعات


أسماء الأدباء الروس في محطات مترو موسكو


د. ضياء نافع
عندما كنت طالباً في موسكو قبل أكثر من خمسين سنة , كانت هناك محطة مترو نعرفها جميعا اسمها ماياكوفسكايا , وما زالت هذه المحطة موجودة لحد الآن , وتقع طبعاً عند تمثال ماياكوفسكي العملاق في الساحة التي تحمل اسمه في قلب موسكو. تعد هذه المحطة من المحطات المتميّزة برشاقتها وجمالها وعمقها,
وقد تأسست العام 1938 , ومازالت عالقة في ذهني صورة لهذه المحطة شاهدتها مرّة , وقد اجتمعت فيها القيادة السوفيتية أثناء الحرب العالمية الثانية بقيادة ستالين. تذكّرت ذلك عندما كنت قبل أيام في مترو موسكو وأنا أستمع الى تسميات محطات تحمل اسماء أدباء آخرين , وهي ظاهرة لم تكن واسعة عندما كنت طالباً في تلك الأيام الخوالي , وهو ما أود الآن أن أكتب عنه , استمراراً لروحية مقالتي السابقة عن تسميات شوارع موسكو التي تحمل اسماء الأدباء الروس تقديراً لهم واحتراماً لمكانتهم في ضمائر الشعب الروسي , (انظر مقالتنا بعنوان –  شوارع موسكو باسماء الأدباء الروس).
من المحطات التي لم تكن موجودة آنذاك محطة اسمها (بوشكينسكايا) , وتقع طبعاً عند تمثال بوشكين في ساحة بوشكين أمام سينما (راسيّا) أي (روسيا) , فيا لها من تسميات تكاد أن تكون مترادفة تدخل الى قلب الإنسان الروسي بلا استئذان. وعندما كنت جالساً في عربة المترو , أعلنوا بالميكروفون, إنه يمكن للركاب أن ينتقلوا من محطة بوشكينسكايا الى محطة تشيخوفسكايا , فابتسمت وقلت بيني وبين نفسي , إن الذي أطلق هذه التسميات هو متخصص في الأدب الروسي حتماً , إذ إنه يعرف بدقة الوشائج الإبداعية التي تربط تشيخوف ببوشكين , بحيث جعل محطتي بوشكينسكايا وتشيخوفسكايا مترابطتين هكذا , مثل حال تشيخوف وبوشكين في مسيرة الأدب الروسي (انظر مقالتنا بعنوان – تشيخوف وبوشكين). لقد توجهت خصيصاً الى محطة تشيخوفسكايا للاطلاع عليها بدقة كي أعرف لماذا اطلقوا عليها اسم تشيخوف , فوجدت هناك لوحات    جدارية تجسّد بعض نتاجات تشيخوف الفنية منقوشة على الجدران بشكل رائع , ولكني فوجئت بتمثال ضخم لغوركي يقف في إحدى الممرات المؤدية الى تلك المحطة , وقد استفسرت عن ذلك طبعاً , وعلمت إن المدخل الى هذه المحطة كان  يقع في شارع غوركي , ولكن عندما أعادوا لهذا الشارع اسمه القديم وهو تفارسكايا (انظر مقالتنا بعنوان – شوارع موسكو باسماء الأدباء الروس) اطلقوا عليها تسمية – تشيخوفسكايا بعد عملية توسيع شبكة المترو , وتركوا تمثال غوركي في مكانه هناك بذلك المدخل دون تغيير, وهو قرار صائب , إذ أن التمثال هذا جميل وفخم ولا يتعارض مع هارمونية المدخل هذا أبداً , ولهذا أبقوه على حاله  رغم تبديل اسم المحطة , ولكني قرأت بعض التعليقات الروسية الساخرة حول ذلك التمثال  تنتقد ذلك القرار , منها التعليق الآتي – (إنه تشيخوف ولكن طعمه غوركي!) والتعليق هذا هو لعب بالكلمات الروسية , إذ أن كلمة (غوركي) بالروسية معناها (المرّ). , أي إنه تشيخوف ولكن طعمه مرّ.
وعندما كان قطار المترو يسير وبضجيج كالعادة  أعلن الميكروفون إن المحطة القادمة ستكون- دستويفسكايا , وهي محطة جديدة  نسبيّا تأسست العام 2010 ليس إلا , وعلى الرغم من إنني كنت متوجّها الى مكان آخر , إلا أني قررت أن أخرج من عربة القطار في محطة دستويفسكايا للاطلاع عليها لأن التسمية (الجديدة بالنسبة لي) أثارت فضولي , وأردت أن أعرف وأرى بأمّ عيني, هل توجد هناك ملامح دستويفسكيّة هناك , وخرجت فعلاً من عربة القطار وأخذت أتأمل تلك المحطة , ففوجئت بصورة هائلة لدستويفسكي في غاية الاتقان والجمال تتصدر جدار المحطة , وهي لوحة مرسومة بالموزاييك تصّور دستويفسكي وهو في حالة تأمل وحزن, وهكذا اقتنعت بصحة التسمية ودقتها, وعدت أدراجي الى عربة القطار القادم الذي  وصل بعد أن غادر القطار الذي تركته. 
ختاماً لهذه النظرة السريعة لتسميات محطات مترو موسكو ,أريد أن أشير الى محطة تحمل اسم تورغينيف لم تكن في زماننا (الستينات) وهي محطة تورغينيفسكايا (ارتباطا بساحة تورغينيف) , وقد تأسست العام 1972  , وهناك محطة جديدة نسبياً تحمل اسم الكاتب المسرحي الروسي في القرن الثامن عشر وهو فانفيزين واسمها – فانفيزنسكايا , وقد تم افتتاحها العام 2016 ليس إلا (ارتباطا بشارع فانفيزين). وأخيراً , أود أن أذكر , إنه كانت في زماننا محطة – ليرمنتوفسكايا , والتي كانت تسمى (كراسنويي فاروتا) أي (البوابات الحمر) , وقد تمّ تبديل التسمية عندما افتتحوا تمثال ليرمنتوف قربها في الستينيات (انظر مقالتنا بعنوان – سبع نقاط من الذاكرة حول ليرمنتوف) , ولكن بعد التغييرالجذري الذي حدث في روسيا و(موجة!) العودة الى الاسماء القديمة , تم تغيير تلك التسمية أيضاً , وهكذا عادت محطة مترو ليرمنتوفسكايا هذه الى -  كراسنويي فاروتا  , رغم أن تمثال ليرمنتوف ما زال قائماً عند مدخلها.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية