جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » جماليات


رسائل فان كوخ - الرسالة السادسة عشرة


ترجمة: ستار كاووش
لاهاي ٢ تموز ١٨٨٣
تَيَّو العزيز
وصلتني رسالتك وما تحمله من نقود، وقد استقبلت ذلك بفرح غامر، على أمل وصول رسالتك الطويلة التي وعدتني بأنك ستتحدث لي فيها عن كل التفاصيل، وخاصة الروائع المائة التي شاهدتها، ياله من أمر مدهش أن يتمكن المرء من رؤية مثل هذه الأعمال العظيمة. أفكر دائماً بقسوة الناس وهم يتجاهلون هؤلاء العباقرة الذين يعيشون بيننا، فهم لا يكتفون بعدم مدِّ يد العون لهم،
بل يوغلون في تحقيرهم، وربما التخلص منهم إن اقتضى الأمر! العامة من الناس لا ترى جوهر هؤلاء ولا تبالي بفهمهم. نعم، فما أكثر الذين سَخَروا من ميليه وكورو ودوبيني وغيرهم، كانوا ينظرون لهم كما ينظر حارس حقل فظ نحو كلب متشرد وجائع يحاول الاقتراب من كوز ذرة، أو يعاملونهم كما يعاملون المنبوذين الذين ليس لديهم أوراقاً ثبوتية! وعادة ما يأتي جواب المبدعين متأخراً مع الأسف، كما حدث مع التحف المائة التي حدثتني عنها، نعم لقد ترك هؤلاء خلفهم الكثير من الأعمال العظيمة، بينما لم يخلف حراس الحقول سوى بطاقاتهم الشخصية وملابس العمل الرثة! يالها من دراما، ففي الوقت الذي يعاملُ الناس فيه كبار المبدعين بإزدراء، ينشغل هؤلاء بفتح آفاق جديدة. وحين يتم الاعتراف بهم، يكون قد فات الأوان، وغادرونا الى الأبد. وكأننا نتقصد إنتظار موتهم، كي نكيل لهم المديح والعرفان!  لذلك فأنا أستاء كثيراً حين أسمع أشياءً من قبيل إعتراف الناس بهذا أو ذاك بعد فوات الأوان. لقد كانوا ناساً بسطاء ياسادة، ولم يحتاجوا منكم غير الاعتراف. لقد كتب فكتور هوغو ذات مرة عن إسخيلوس قائلاً (لقد قتلوا الرجل، ثم عادو بعدها مرددين: دعونا ننصب تمثالاً كبيراً لإسخيلوس). أفكر بذلك دائماً عند كل مرة أسمع فيها خبراً عن معرض لفنان عظيم، وأنا بالتأكيد لا أشجب ما يلاقيه ذلك من ترحاب مستحق، لكني أتذكر التمثال البرونزي بحجمه الكبير، وتدور في رأسي عبارة (لقد قتلوا الرجل). صحيح إن إسخيلوس قد تم نفيه، لكن قل لي بربك، ألم يكن ذلك النفي حكماً بموته الأكيد؟
عند زيارتك لي سوف أريك بعض الأعمال التي لن يتاح لك الاطلاع عليها مجتمعة في مكان واحد، يمكنني القول، إنها أعظم مجموعة من الحفر الحديث على الخشب، هي أعمال لفنانين غير معروفين مع الأسف لمعظم متابعي الفن. فمن يعرف بوكمان؟ ومن سمع بالأخوين غرين؟ ومن يكترث حقاً لأعمال ريغَمي*؟ قليلون هم الذين يعرفونهم كما عَرَفتُهُم وتحسست أعمالهم المهيبة. مدهش أن نراها مجتمعة معاً بما تحمله من قوة في الرسم والأسلوب الشخصي والالتقاطات الحيوية من الحياة اليومية وكل ما يصادف المرء في الأسواق والمستشفيات أو حتى ملاجئ الأيتام. حين إبتدأت بجمعها السنة الماضية، لم أكن أتوقع  بأني سأحصل على هذا العدد الهائل من الأعمال الملهمة. المهم أيضاً هو أن لا تنسى إتفاقنا حول زيارتك لي، وتذكر بأنها سوف لن تكون قصيرة بكل الأحوال.
لقد عملت بعض الدراسات حول زارعي البطاطس، إثنتين متشابهتين بعض الشيء لفلاح مسنٍ، ودراسة أخرى لفلاح يزرع البطاطس في حقل واسع، وكانت النتيجة مشجعة أكثر من الرسمين السابقين، لقد عملت ست دراسات لنفس المزارع، لأتمكن أخيراً من وضعه في المكان المناسب للتكوين العام للعمل. كذلك رسمت دراسة لفلاح  شاب يحرق الأعشاب الضارة والأغصان التي خَلَّفَها تقليم أشجار المزرعة، كذلك دراسة لفلاح يحمل على كتفه كيساً من البطاطس، وآخر يدفع بيديه عربة الحقل الصغيرة.
لو وضعنا الآن كل الاحتمالات على الطاولة وفكرنا بشكل حيادي وقررنا بأني كنت علـى خطأ، وعليَّ تَقَبُّل رأي ترستيخ* برسم أعمالي بالألوان المائية، عندها ينبثق سؤال من بين تقنيات وحساسية مواد الرسم نفسها: كيف يمكن الأمساك بهذه الشخصيات الحيوية وما تحمله من فاعلية؟ كيف للألوان المائية أن تتلقف قوة الشاب الذي يحرق الأعشاب؟ وكيف لها ان تعبر عن المزارع العجوز؟ ومن اين لها الطاقة في القبض على تعبير الفلاح المنغمس في زراعة البطاطس أو تلتقط المعالجة المناسبة لحركة عربة اليد؟ الألوان المائية ليست لها هذه القوة والمتانة في بلوغ سطوة الشخصيات، وأرى هنا أن النتائج ستكون مفتعلة والتعبير لا يناسب ملامح وحضور وعمق هؤلاء الاشخاص الذين أراهم أمامي. سيكون الأمر مختلفاً إن أردنا دراسة اللون وتدرجاته، عندها فالمائية ستمنحنا تلك النعومة والتناغم، لكن رسم هؤلاء الفلاحين شيئاً مختلفاً، يحتاج الى وسيلة تعبير أخرى. مع علمي أن هناك أعمالاً مائية تجاوزت التناغمات لتصل الى قوة الشخصيات وخطوطها الخارجية، مثل أعمال ريغَمي وبينويل وواكر وهيركومر، كذلك أعمال البلجيكي مونيَي. مع ذلك، حتى لو رَسَمْتُ أعمالاً بهذا الاتجاه، فلن يرضى ترستيخ عني ولا عن أعمالي، وسيجدد مقولته الشهيرة (إنها ليست قابلة للبيع). وكأن امكانية البيع فوق كل اعتبار وهي الهدف الأسمى الذي يبغيه ويتطلع اليه الفنان. أرى ملامحه كيف تتغير حين لا أنفذ ما يريده بالضبط، وأتحسسُ إيماءات وجهه وهي تقول لي بكل وضوح (أنت شخص دَعيّ ومبتذل وصغير لأنك تخرج عن طاعتي، تبدو غثاً وأنت تبحث عن أشياء موجودة في ذهنك فقط. بإختصار أنت غير صالح للرسم)، سنتان وهو يعاملني بهذه الطريقة، وسيظل كذلك، ترستيخ سيبقى هكذا الى الأبد، بالنسبة لي هو الوجه الآخر للأبدية!  ليس أنا وحدي من يشعر بذلك، فكل الفنانين الذين يحاولون البحث عن حلول وتقنيات جديدة لأعمالهم الفنية يظهر لهم (ترستيخ) خاص بهم يحاول كسر ادواتهم وتحطيم عزيمتهم. ياله من أمر مثير للكآبة والأسى، حين تشعر بأنك محبط ومكسور. وهكذا تصبح الحياة كئيبة والمستقبل مظلم. ومهما صرفنا من المال والطاقة ومهما حاولنا المضي في الطريق الذي إخترناه، نجد أنفسنا في النهاية نغوص في وحل عدم التقدير واللامبالاة، وبدلاً من أن يساعدنا عملنا الدؤوب في المضي الى الأمام، نواجَهُ بالانتهاك وعدم التقدير.
في الأيام الأخيرة فكرت جاداً بالانتقال الى الريف أو قرب البحر، أريد أن أكون وسط الناس الذين يعملون في الأرض او قرب الماء، فالأمر هناك غير مكلف مادياً، وفوق هذا فربما تساعدني البساطة في هذه الأماكن على أسترجاع شيء من السكينة والهدوء. بقائي هنا سيكلفني الكثير مادياً، خاصة وانا انفق كل ما املكه على اعمالي ولا يلتفت اليها أحد. خطر في ذهني أيضاً الذهاب الى انجلترا، فقد تم تأسيس مجلة رائعة في لندن (ذا بيكتوريال نيوز) وهي تشبه في مستواها  أل. نيوز وجغرافيك، ربما استطيع الحصول على عمل هناك، لكني اعتقد بأن مثل هذه الفرصة غير أكيدة. وربما ليس هناك شيء أكيد سوى شوقي للقائك من جديد، فقد مضى عام كامل لم نلتقِ فيه، رغم إننا نفكر ببعضنا طوال الوقت، إنها فترة طويلة حقاً.
ربما لم أسألك في الفترة الماضية عن علاقتك بصديقتك، وذلك لأني متأكد بأن كل شيء بخير، وإنكما منسجمان بشكل رائع مع بعضكما. صغيرنا*بلغ عمره عاماً كاملاً، وهو في قمة الجمال والروعة، لا يمكنك أن تتخيل كم هو مبتهج وحيوي. لقد كان تـأثيره كبيراً على أمه، حيث تحسنت صحتها ونفسيتها بوجوده، وهي منشغلة به أغلب الوقت. إن سنحت لي فرصة الذهاب الى الريف فعلاً، فستكون هي معي، اريد ان ابعدها عن عائلتها التي تؤثر عليها تأثيراً سلبياً وتعيق علاقتنا معاً، فعائلتها تدفعها دائماً كي تكون بوجهين. ولكونها ساذجة فهي تتأثر بكلامهم. إنها ببساطة ابنة ظروفها الصعبة التي عاشتها، وأنا أفكر بالزواج منها  قبل الانتقال الى الريف أو الى لندن.
أكتب لي عن وقت مجيئك حين تقرر ذلك، وأنا سأنتظر بشغفٍ حتى يحين هذا اللقاء. لقد قرأت هذه الأيام دراسات لبوتون* عن هولندا صاحبتها رسومات له ولآبي، وكانت تحتوي على أشياء مدهشة، منها وصفاً لجزيرة ماركن* جعلني اتشوق لزيارتها، وربما البقاء فيها بعض الوقت رغم أن الصيادين هناك لا يشغلهم أمر اللوحات ولا يهتمون كثيراً بعالم الرسم.
إكتب لي بالتفصيل عن الأعمال المائة العظيمة التي شاهدتها، وإن حصل تقدم في عملك فقليل من النقود الاضافية ستساعدني بالتأكيد. أحب الريف كثيراً رغم ارتباطي الكبير بالمدينة، فهي توفر لي المجلات الفنية وكذلك الحصول على الأعمال المطبوعة. ليس مهماً أن أتأخر في رؤية القطارات* والاطلاع عليها، لكني لا أستطيع أن أقضي يوماً واحداً دون رؤية المطابع اليدوية. لقد قرأت (خصومي)* لزولا، فيه تفاصيل مؤثرة، لكني أراه مخطىء بجانب كبير من الكتاب، ولم أفهم لماذا لم يتطرق الى ميليه في أفكاره التي كتبها. لكني أراه محقاً بقوله (أن النجاح السهل فيه الكثير من السطحية، وهو غالباً ما يعجب العامة. وهذا ما نراه وما يحدث كل يوم مع الاسف، حتى تعودت الناس على الترهات والتلفيقات).
أشد على يدك، مع كل محبتي
اخوك المخلص
فنسنت
هوامش المترجم:
ريغَمي: هناك ثلاثة أخوة يحملون هذا الاسم، وجميعهم رسامون، وهم فيليكس وفريدريك وغيوم، وفنسنت يقصد هنا غيوم ريغَمي (١٨٣٧-١٨٧٥) الذي اشتهر برسمه للكثير الاشخاص من الخلف، وكذلك عُرِفَ بتخطيطاته عن الخيول، والتي يعرض معظمها الآن في متحف اللوفر. حصل على شهرة واسعة بعد ان أقيم له معرضاً استعادياً كبيراً في البوزار سنة ١٨٧٦ تقديراً لمكانته الفنية.
ترستيخ: تاجر أعمال فنية يرتبط بعلاقة صداقة مع عائلة فنسنت، لكنه كان قاسياً معه، ودائم الانتقاد له ولاعماله.
صغيرنا: الصبي الذي ولدته صديقة فنسنت الغانية التي أحبها، والتي تخلى عنها والد الطفل وهي حامل، ليهتم بها فنسنت مع طفلها ويرعاهما معاً كي لا تنحرف من جديد.
بوتون: جروج هنري بوتون، وهو رسام وكاتب بريطاني امريكي، انجز الكثير من الرسومات المصاحبة للكتب. نشر في مجلة هاربر سلسلة دراسات وانطباعات أثناء زيارته لهولندا أسماها (جولات فنان في هولندا) وطبعها فيما بعد في كتاب صاحبه مجموعة من رسومه التوضيحية.
ماركن: وهي شبه جزيرة هولندية تقع في مقاطعة شمالي هولندا. كانت في السابق جزيرة، لكن ارتبطت سنة ١٩٥٧ بسدة او رابط مع المقاطعة، للتحول الى شبه جزيرة. وهي معروفة بكثرة صيادي الاسماك، وكذلك الازياء الهولندية التقليدية التي مازالت نسائها ترتديها.
القطارات: في الربع الأخير من القرن الثامن عشر كانت القطارات حدثاً جديداً وانعطافة مذهلة كواسطة نقل، لهذا كان جميع الناس شغوفين بهذا الحصان الحديدي المدهش، ماعدا فنسنت الذي كان منشغلاً بمطابع الليثوغراف والاعمال الفنية.
خصومي: وهو كتاب نقدي عن الفن كتبه الفرنسي وصديق الانطباعيين أميل زولا سنة ١٨٦٦وتطرق فيه للكثير من الفنانين، واحتوى ايضاً على الكثير من الآراء الجريئة التي تتعلق بالفن.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية