جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » مراجعات


ترنيمة الجسد الخالدة


د. علاء مشذوب
لا يمكن لأي شيء أن يتشكل في العالم ونفهمه دون أن يطابق عقلنا، فكل شيء يتشكل ولا يطابق عقلنا فهو ليس من عالمنا لأننا لا نفهمه، وكل شيء يطابق عقلنا عندما يتشكل ونفهمه، فهو من عالمنا وأن لم يكن من عالمنا.
أيها الإنسان : لا تخصي جسدك لأن الآخر يريد لك ذلك مهما كان نوع هذا الآخر. جسدك الذي يحمل آلامك هو نفسه الذي تسعد به ويسعد بك. لا تنظر إليه من ثقب الباب كأنه عورة كما عودك أهلك على ذلك، أو من جزء المرآة الصغيرة وقد فقدت بعضاً من زئبقها، بل أعلن عنه بمحبة فالطبيعة لا تهبك جسداً مرتين. أحببه رغم الصعوبات، تصالح معه رغم الموانع الاجتماعية، الجسد أغنية العصور ولوحة التاريخ الجديد القديم، بالأجساد نحيا وبموتها نموت.
بعضهم ويا لي بؤسهم يشكّون بكمالك، يقولون إن كنت قد فطرت من الطبيعة وتطوّرت فهل يمكن لك أن تمشي على ثلاث أو تطير مثل الدجاجة الداجنة، هل تخرج لك زعنفة الظهر لتسبح مثل سمكة مغفلة وقع أجدادها آلاف المرات بالأسر ولازالت تشوى على النيران اللاهثة في شارع أبو نواس وتقدم على موائد الخمور على أنها القربان المقدس.
الجسد هو من يمنح الروح بهاءها وخيانته لنفسه هي أعظم الخيانات عندما يصبح عاجزاً عن السفر بهذه الروح الى الحياة. هو الأناء الذي تتخذ الروح منه شكلها. هو الإله الأرضي الذي يحمي سلطات الروح من الضرر الذي تحاول التعرية لإلحاق الضرر بها وسحقها (التعرية : جَعْل الشَّيء عاريًا، تجريد الشَّيء ممَّا يكسوه.”تعرية عَظْم"). هو الدرع الحصين والقلعة المنيعة.
نوافذ الجسد هي من تزيل عتمة الروح والنفس، من خلالها يشرق الأمل فيها وتتجدد حيوتها في كل آن. بها تتنفس ومنها تطرح أدرانها ومن خلالها تمد أغصانها لتزدهر بأجساد جديدة، بعض هذه النوافذ تسدل ستائرها فيشدو الجسد حزيناً مثل ناي مكسور، بعض قسماته تتغضن فتبدو الروح متهرئة كأنها جدار عتيق ثلمت بعض أطرافه.
كمال الجسد أنغام موسيقى يعزفها القمر في ليل العشاق العميق، منك أخذت الأشياء أشكالها، من بياضك نصع الثلج ومن سواد مناطقك الرطبة كان الحزن، من خلاسيتك كان نهار الشتاء. ومن فرحتك جاء الربيع مهلهلاً.
لا خلود للأجساد لا خلود للأرواح، الخلود خرافة الدين ورجاله، أؤمن بالزوال تعش مطمئنا، أؤمن بالخلود تعش شقياً، من أجل أن تمنح الحياة الاستمرار لا بد للإنسان من الفناء، لا بد للأرواح من الفناء، الخلود مزحة سمجة.
للجسد معي حكايات ألف ليلة وليلة بدأ حزيناً مثل عود القصب المكسور أول رفقته لي كان ذلك منذ مئات السنين وربما أكثر عندما اكتشفت تضاريسه الأولى. ينوء بحمل روحي مثل أناء زجاجي رقيق يخاف عليها الانسكاب والتحطم.
عندما بلغت أشدي، تحول جسدي الى ساتر حروب يصد الهجمات المتوالية ليس لشيء سوى أنه تميز عن البعض بضخامته قليلاً، عندما بلغت سن الصبا انتخبني اصدقائي قائداً لهم، وكنت أتوسم في نفسي رجاحة العقل، ولم أكن أعلم السبب ضخامتي غير المبررة في نظرهم رغم أني لم أشعر يوما أنني أختلف عنهم بشيء.
جسدي كان في سمرته يشبه عناقيد العنب السمراء الناضجة. عاقبتني حبيبتي بالرفض لأن السمرة ليست من الحضارة بشيء سوى الوحشية والتبربر. من خوفها أنتجت الطوطم والسحر والدين. عندما مطر عمري ربيعه في الإعدادية كنت محل شبه وإتهام من أغلب المدرسين، وأما الطلبة فمن كان يرى في نفسه بعض الجمال كان يخافني في سره ويبتعد عني في العلن.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية