جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » مراجعات


كافافيس..شهوة قلم الباركر الأغريقي


نعيم عبد مهلهل
في عام 1930 أرسلت شركة باركر الامريكية للأقلام الى مصر شحنتها الأولى من اقلام الباركر المبتكرة، وأدخلت نظام Vacumatic من خلال. برميل تخزين الحبر داخل القلم ظاهر للعيان من خلال برميل مطاطي شفاف، و يستوعب ما يزيد على ضعف كمية الحبر في الأقلام الأخرى.
وكان هذا خبراً ساراً لمعظم كتاب ومفكري وأدباء مصر، لأن قلم الباركر بسحر خطوطه وانحائه ولمعان حبره الشذري والأسود والأزرق منح الكثير من الكتاب حافز إبداع وتخيل وخصوصاً الشعراء منهم وقد صاحب بدايات القرن العشرين متغيرات كثيرة أفرزتها الحرب الاولى وسرقة لوحة الموناليزا وظهور الحركة السريالية ومدارس الأدب والفن الجديدة.
((والآن، وأنا أكتب بعد كل هذه السنين،
وحيدا في بيتي هذا، أشعر أنني ثمل
بنبيذِ الرغبة مرة أخرى.))

كافافيس


بعض من هذه الوجبة المرسلة الى مصر والتي بدأت تنفذ بسرعة البرق، حتى أن الملحن محمد عبد الوهاب وكان في بداياته التلحينية الاولى اقتنى عشرة أقلام وعشر محابر لشعوره أن تدوين النوطة الموسيقية في إلهام تلحينه الأول عندما يكون مكتوباً بقلم الباركر يمنحه اجواء أخرى من تأليف لحن جميل وقد بدا يفكر أن يضع رائعة الشاعر أحمد شوقي كليوباترا في لحن يؤديه هو.
وربما تناقش عبد الوهاب وشوقي حول تأثير هذا القلم السحري في جعل القصيدة الخالدة كليوباترا لحناً خالداً، وربما بسبب حماس عبد الوهاب لكتابة نوتته الموسيقية بقلم الباركر اقتنى احمد شوقي قلما وبدا يكتب بها قصائده الجديدة.
شحنة من هذه الأقلام أرسلت الى الاسكندرية، لشعور وكيل الشركة في القاهرة إن مدينة البحر تحوي الكثير من الذين يتلهفون لشراء هذا القلم، وفي مساءات شم النسيم سيذرفون من قلوبهم حبر قصائدهم الجميلة وبواسطة هذا القلم.
واحد من هؤلاء شاعر من أصل يوناني ويمكن التعريف به من خلال نص كتبه عنه أنا كاتب الرواية وبقلم الباركر ايضاً ولكن بعد أكثر من ستين عاماً أعيد هنا نصاً تعريفياً عن هذه الرجل الكهل وصاحب النظرة الحزينة والمثيرة وهو يقود خطوات مشبعة باللذة الاغريقية وليشتري قلماً يعتقد إن الكتابة فيه ستمنح الكلمات إثارة أخرى بالرغم من أن راتبه التقاعدي قد لا يسمح كثيراً بشراء القلم الذي كان سعره غالياً نوعاً ما  يوم وصلت أول شحنة منه بتصميمه الجديد الى مصر،الشاعر الذي كتب تعريفاً عنه هو :
قسطنطين كافافيس الشاعر اليوناني الأصل الإسكندري الحياة والممات يمثل شعره اليوم من أجمل رؤى الحس والشعور بغرابة اللذة، وهو يُعدْ ظاهرة شعرية فذة من ظواهر القرن العشرين لما يمثله شعره من قدرة عالية في رسم غيبيات الأزمنة في صمت عزلة عاشها وعشقها ليجلب لذاكرته قارة من ميثولوجيا التوحد والتعري مع فكرة أن تكون إغريقياً مشبعاً بقدرية التبدل لقرن الآلة والحروب العظيمة. وقد عاش حياته في نزل بنصف إضاءة بحي بيروتي  له  ذات الروح المتعرجة وعطر أزقة الشوارع التي تسرق من البحر بخار الموج لتجعلها رطبة سعيدة بشرفاتها الحديدية والسنادين الغامقة لأشجار الزعتر الصغيرة التي تنتظر اليد المرتعشة التي تعيد إليها ماء نظارتها بعد أن يُنهيَّ الشاعر الموظف دوامه الروتيني في إحدى دوائر العدلية الحكومية.
هذا الرجل اليوناني مد يد مرتعشة ليشتري قلما بجنيهين،فيما كان سعر أي قلم حبر كان حوالي ثلاثة قروش، لقد أحس الشاعر إن قلما كهذا يستطيع جيداً أن يكتشف نوافذ أخرى صوب متعة حسية لم تكتشفها كل الأقلام التي كتب بها الشعر من صباه والى شيخوخته.
شعر بسعادة عندما أخبره المكتبي إن مع أي قلم يشترى قنينة حبر مجاناً يختار هو لونها.
سأل المكتبي :إن كان هناك حبرٌ أحمر؟
قال المكتبي : رجل بعمرك إنْ أراد أن يكتب فهو يكتب بالحبر الأحمر والأزرق.
أجاب كافافيس وبخجل الكهل المتواضع: انا اكتب قصائد حسية والحس يحتاج الى شهوة،والشهوة تحتاج الى الأحمر.
ضحك المكتبي وقال :هذا نحتاجه في تبادل القبلات عندما تضع المرأة الأحمر على شفتيها لتكون أكثر اغراء
ــ نعم والقصائد احياناً تحتاج الى الحبر الاحمر لتكون بلذة أحمر الشفاه.
ضحك المكتبي وقد عرف لكنة كافافيس اليونانية وقال :انتم خواجات أثينا تكتسبون الغرام من افروديت وفينوس ونحن نكتسبه من أغاني بديعة مصابني وأنت تعرف ايها اليوناني الفرق كبير بين بديعة وافروديت.حتى كليوباترا التي كنا نتفاخر ببريق أحمر شفتيها سرقها منا القيصر الذي أتى من جهتكم.
قاد الشاعر قدميه الى بيت في عمارة قديمة بالدور الثاني حي العطارين - الإسكندرية 4 ش ليبسوس، والمسافة سيراً بين الحي والمكتبة التي اقتنى منها القلم تمضي بها خطوات شيخ  مثله بأكثر من ساعة. وكانت مصابيح الشارع خافتة تضيء بنحافة تلك الخطوط المضيئة في ذاكرته الحسية عندما يبدأ عنده الرغبة ليقلل من سطوع ضوء اللمبة حتى يكتب بإحساس خلسة الليل في احتكاك الاجساد والارواح مع بعضها وعلى أفرشة دافئة يتخيل شراشفها مصنوعة من قطن ناعم أهدته الملكة المصرية كليوباترا الى يوليوس قيصر ليرسله الى خياطين مهرة في روما ليصنعه منه وسادة لنومه وقميص نوم لغرامه. وسوف يشاركه قلمه الجديد صناعة صور أخرى لتلك الأخيلة المحبوكة برغبة غامضة إن الحبر الاحمر سيفجر عاطفة استعادة ما يود أن يستعيده، تلك الأجساد الناعمة والشهية لذكور قاتلوا وعادوا منتصرين وهم الآن يسكون الخمر على إغفاءة إناث ما زلن يحتفظن ببكارتهن من أجل عودتهم سالمين من حروب الاغريق في بابل وفارس وشمالي أفريقيا.
لهذا كان يستعجل في خطواته ليصل الى تلك اللحظة التي يعتقد فيها أن القلم وحبره الأحمر سيفعل شيئاً كبيراً، وحتى المكتبي الذي باعه القلم سكنه الاستغراب من فرق الخطوة قبل اقتناء القلم وبعدها ليهمس مع نفسه ضاحكاً:
ــ هذا القلم السحري جعل الشيخ يعود شاباً بالرغم من أن القلم الباركر ليس امرأة، ولا زجاجة خمر مقدمة إليه من آلهة الاغريق من الاناث.
يدخل القلم مع الشاعر الى المنزل. يضعه بهدوء ورفق مع المحبرة على المنضدة الأرابيسك التي تعود من أن سكن البيت وجعل الاسكندرية منفى لوطنية الشعر لديه أن يأكل عليها ويشرب عليها ويكتب قصائده.
وعندما سأله مرة صديقه الروائي لورنس داريل :ألا تزعجك راحة الطعام وتوابله عند البدء بكاتبة قصيدة.
يرد الشاعر : هذه الاريكة عجيبة، تمحي أثر كل ما كان عليها وتبدأ مع الجيد الذي تشعر إنه يمارس عليها الان.فقط تبقي لي قليلا من رائحة زجاجة الخمر لشعورها أن اعتقد إن الخمر هو عطر القصيدة.وأظن إنها على حق.
يذهب لتحضير مائدة العشاء، ففي الصباح سمع صاحب عربة السمك ينادي على سكان حي العطارين أن لديه سمك الكنبري الطازج وبحجم كبير،ولقد وهبه بحر الاسكندرية لهم وعليه ان يبيعه لهم بسعر رخيص.
الشاعر اشترى ثلاثة قطع كبيرة وهو يعرف إنه سيذهب في الظهيرة ليشتري القلم وفي الليل عليه أن يقيم وليمة من اجله وقت البدء بكتابة أول إلهام يمنحه القلم الجديد.
يضع الآن القطع الثلاث في المقلاة وقد تعود أن لايقلي السمك إلا بزيت الزيتون اليوناني الذي كان يشتريه خصيصاً من  العطار ماتريوس والذي يأتي به من جزر سالونيك من أجل رعايا الجالية الكثيرين والذين يعيشون في الاسكندرية منذ عهد بطليموس وفيثاغورس وما قبلهما.

يبدأ بتحضير زجاجة النبيذ، وعبق خفي من رائحة الزيت على النار يذكره بغابات جزر بلاده التي لم يعش فيها أبداً ـ لقد كانت كل حياته بواخر أبيه وهي تحمل التبغ من ميناء الى آخر. وعندما رأى الاسكندرية شعر أن روحه من تختارها وإنه يستطيع أن يجلب أثينا الى هذا المكان في أي وقت.
يتذكر ارشادات من باعه القلم حول ملء القلم بالحبر أن يغطس ريشته المعدنية الناتئة بالحبر ويضغط على الانبوب المطاطي بأطراف أصابعه ثم يتركها لتسحب الحبر الى داخل الانبوبة وتملأ عندها يكون القلم جاهزاً للكتابة.
ابتسم وقال :النبيذ احمر،والحبر أحمر،وحتماً القصيدة الأولى ستكون حمراء. لهذا هو يشعر بسعادة لأن القلب أصبح جاهزاً الآن ولكن ذاكرته لن تجهز إلا عندما يبدأ بأرتشاف القطرات الأولى من نبيذه ثم يمد يده الى الماعون الخزفي ليلتقط منه لفمه قطعة كنبري صغيرة، ويقرح حين يبدو له صوت طحن عظامه السمك بين اسنانه مثل موسيقى صاخبة ستنتهي برشفة اخرة والتفكير بعنوان مثير لتلك الاطياف الحسية التي جعلت الليل بالنسبة له جسداً يغنيه عن أشهى رقص تمنحه انثى لأولئك الذين يترنحون الآن في الملاهي والحانات وبيوت المتعة.
لقد ودع قلمه القديم الذي ورثه من ممتلكات أبيه وقد صنعه خصيصاً لأبيه حرفي من أهل اسطنبول ونقش على بدنه زخرفة عثمانية، ويوم صنعه الرجل قال لأب الشاعر أنا صنعت أقلاماً لسلاطين وولاة وباشوات وكلهم أتراكاً.أنت اليوناني الوحيد الذي صنعت له قلماً.ولو عرفوا ذلك.سيعيدون إلي الاقلام ويطالبونني بأضعاف أثمانها.لأن احد السلاطين وأنا أقدم له القلم.قال لي :أيها الحرفي.اجعل كلماتك دوما وأبداً تكتب كلمات تركية.
وها هو يودع القلم الذي لم يكتب به مفردة تركية واحدة،كانت لغته مزيجاً من حروف يونانية قديمة وقد رسمها بمشاعر لاتينية لتجمع الماضي بالحاضر.
وسيكون الآن مع القلم الجديد أكثر حماساً وايماناً بأن الذي يشعره مع أطياف ذلك الماضي ستُستعاد بشكل أجمل وأكثر،وسرى خيول اسبارطة في مراعي الحلم تبحث عن حلمة ثدي لملكة هربت مع عشيقها،وسيفهم جيداً ماذا تعنيه اللحظة الاغريقية عندما زيوس يتقدم بخطواته المدوية الى الأرض ليضاجع واحدة اغرته مشيتها الانثوية في شوارع الاسكندرية.
كانت قدرة القلم الاسطنبولي كتابة قصيدة واحدة عندما يغطسه بالمحبرة، الآن بمقدور الباركر أن يكتب أكثر من عشر قصائد كلما يمتلئ الانبوب المطاطي بالحبر.
الليلة سيجرب ذلك، سيتخيل أن الريشة الذهبية للقلم تمشي بخوات موسيقية على طرقات خدود الجنود الحمر والقادمين من معاركهم الاسطورية وقد منحهم النصر شهية امتلاك فحولة صبيانية حتى لو حدث الأمر فيما بينهم فثمة ما يجعل القلم يرقص فرحا وهو يدنو من خلال كلمات الشاعر الى الحديث عن فضيحة اللذة والشهوة بين فتوة الجنود الاغريقية.
لقد بدأ الآن بطقوس توديع قلمه القديم،وعليه أن يركنه في زاوية مرئية مع انتيكات البيت لأنه يدرك بحس ما تتفرد روحه الشعرية أن المكان سيتحول في يوم ما الى متحف وسيجيء أناس من أمكنة شتى وسينظرون بحب الى القلمين وربما سيتحدث كل قلم عن منجزه الروحي مع الشاعر.
يتذكر سعادة القلم الاسطنبولي، ويصدق حكاية من والدته تقول إن بدن القلم الخشبي مأخوذ من قطعة خشبية لسارية واحدة من السفن التي دك بها السلطان العثماني محمد الفاتح أسوار الاسكندرية، فكان يشعره هذا بشي من الحزن والفرح معا، فقدان امبراطورية وكنيسة الدين الذي ينتمي اليه كمسيحي أرثدوكسي غير متدين،وسعيد لأن التأريخ يمشي مع الريشة الناعمة للقلم التركي ولكن ما أن قرأ اعلان الصحيفة عن وصول شحنة القلم الباركر بتصميمه الجديد وقدرته على استيعاب الكثير من الحبر حتى اغراه هذا برغبة أن يحمل الجنيهين في جيبه ويذهب الى المكتبة ويلحق على آخر قلم موجود عند المكتبي فقد تقاطر مثقفو الاسكندرية منذ الصباح الباكر لشراء القلم،فحتى رسامو المدينة فضلوا شراءه ليرسموا به عشيقاتهم وسفن البحر والحياة في الاسكندرية.
قال له المكتبي : لو تأخرت دقيقة واحدة أيها اليوناني لأتى غيرك واقتنى القلم.
ابتسم وهو يرد على الرجل : اسمي كافافيس ياسيدي.قسطنطين كافافيس.
ــ عندما أنطق اسمك يا سيد كافافيس اجد فيه موسيقى شعرية كبيرة، أتمنى أن تكتبه كأول كلمة يدونها هذا القلم.
ــ سأفعل، بالرغم من اني لا أكتب اسمي قبل كتابة عنوان القصيدة، ولكن بناء على رغبتك سأفعل.
ومتى انتهى من وجبته البحرية ذهب الى اريكة الكتابة، وقد حضّر مستلزمات الليلة مع دورة اسطوانة وهي تهمس بلحن يوناني قديم عن قصة بحار من جزيرة كريت عقد غراما ليلا مع واحدة من الحواري البحر عندما انقذها من قراصنة قساة أتين من جهة افريقيا.
قرب شفتيه من حافة الكأس، ففي كل مساء يشعره ملامسة النبيذ أن عالماً بعيداً يدخل الى روحه عن طريق فمه وعليه الليلة أن يعبر عنه بهواجس ما كان يحدث في المكان الذي لا يفصله عنه سوى البحر.
ينظف مائدته، وربما هو الوحيد بين شعراء العالم من يطيق رائحة السمك مع طقس كتابة بشكلها الهيليني، وتمنى أن يكون عنوان نصه هو (كافافيس وذكور القلم الباركر).
وجده عنواناً مثيراً فتشجع ليدخل الجرعة النبيذ الاولى الى جوفه بسرعة وليس كما تعود ان يرتشفها بهدوء، فربما يريد ان يلتقي مع كتابته الجديدة بسرعة أكبر فذهب مسرعاً لتحضير كأسه الثاني. ثم يذهب الى قلمه الجديد ليتأمله بشيء من عاطفة غريبة وهو يدرك أن بعض الذين يسكنهم الهام الكلمات تتحول الأقلام لديهم الى ما يشبه عاطفة الانوثة، وبالرغم من أنه غادر الشوق الى ما يحسه أن الجمال المسكون بلطافة الفتيان يمنحه طاقة لاستعادة صور ذكريات لذيذة يوم سكن هذه المدينة لأول مرة، عندما كانت راقصة الملهى فريدة تمنحه مشاعر الرغبة قبل أن يغير مساره الروحي في الاشتهاء ويعود الى تواريخ أزمنة بلاده القديمة وافترضها كافية لإشباع ما يتمنى الحصول عليه كما يتخيل الأمر غراماً صوفياً ولكنه يجلبه بطريقته اللاتينية التي يتصاعد فيها حماس تخيله أن الليل والخدود والكؤوس وصوت موسيقى غريبة تستطيع أن توفر لقلمه الجديد اجواء جديد من البوح.
كان يذهب من أجل فريدة كلما استلم معاشه،يخزن في عينيه ما كان جسدها يمنحه من إثارة،وعندما شعر النادل عاطف إن الرجل اليوناني يأتي يوماً واحداً من أجل فريدة همس له: هي من دون رجل وتبحث عن واحد ترقص له في الليل وحده.
ابتسم كافافيس وقال : ولكنها ربما لا تقبل أن تقترن بيوناني.
قال النادل :أنا أعرفها جيداً،حتى تتخلص من خشونة مشاعر البحارة الثملين معها ترضى حتى بيهودي بالرغم من إنها مسلمة.
قال كافافيس :سأفكر بالأمر...
بعد شهر عاد الشاعر مع قناعة إنه يريدها،فكان رد النادل :لقد تأخرت أيها اليوناني،لقد رضيت بتاجر خردوات يهودي وهاجرت معه الى حيفا.
ومن يومها لم يعد كافافيس يذهب الى الملهى حتى عندما أبدلوا فريدة براقصة أجمل منها،ولكنها لا تعرف أن تهز خصرها كما كانت فريدة تفعل. فقد كان يشعر ويتمنى إنه لو كان رساماً لأبقى جسد فريده مع في غرفة نومه لوحة على الجدار، ولكنه يستطيع أن يتخيلها تعوم مثل حورية في بحر سرير البارد وستجلب إليه الدف. وبمرور الايام والسنوات نسي فريدة لينغمس في شهوته اليونانية المثيرة.
هو الآن يشعر أن قلمه بمقدوره أن يتحول الى آلة موسيقية وهو يتذكر فريدة بعد مرور كل هذه السنوات،وإنه يستطيع أن يدون كلمات موسيقية تغري فريدة لتعود من حيفا لترقص أمامه الآن وهي تصعد فوق طريبزة منتشية بهاجسه الذي يأتي هامساً من لمعان الحبر،وما أن تنتهي القصيدة حتى يتعلى تصفيق الجنود وهم يعلنون إعجابهم كما قيصر بهذا الجمال الشرقي.
يهمس لهم :لا تتركوني من أجل راقصة فأنا أحبكم أكثر منها.وحتى يبعدهم عن جسد الراقصة يرغمهم العودة الى عناوين رغبته الدفينة فيفضل كتابة قصيدة أخرى عن ايثاكا ليرسم لهم يولسيس راقصاً في عودته الى وطنه.
يهمس مع نفسه :الكل يعود إلا أنت، فيكرر آخر بيت من قصيدة المدينة  المحبوبة الى قلبه :
((ليس ثمة سفينة لأجلك، ليس ثمة طريق.
بينما كنت تبدد حياتك هنا،
في هذا الركن الصغير،
دمرتها في كل مكان آخر من العالم.))

وبالرغم من هذا هو يشعر إنه يعود الى ايثاكا كل ليلة، لأنها الغياب الذي يشتاق اليه في صورة مدينة،وربما سيدرك مع الحبر الاحمر لقلمه الجديد بمقدوره أن يصنع به مركباً قوياً يصارع به موج البحر في عودته الثانية الى المكان الذي جعله هاجساً للذة والتخيل والاستذكار وسوف يبقى حتى مماته في المكان ذاته وما يأخذه اليها سوى سفن الخال وهو يتمتع برشفة أخرى من نبيذه المفضل ومتى يعيد الكأس ترتعش أصابعه ثانية وهي تمسك القلم لتكتب هاجسها الجديد بعيدا عن ما ظل يعتقد إن من الخيانة أن تهدي الجنود العائدين من حروبهم الاغريقية المنتصرة قصائد مكتوبة بقلم بدنه مصنوعاً من خشب سفينة عثمانية انتصرت على بيزنطة ذات يوم وسرقت منها أكبر كنائس الشرق المسيحي.
ولكنه عاد الى قناعة اخرى ليبرر للقلم القديم شهوة كل تلك القصائد القديمة التي كتبها لهم به بأن اؤلئك الجنود كانوا وثنيين وليسوا مسيحيين ولا يربطهم مع السماء سوى أناشيد الآلهة الاغريقية التي يحسبها في كل ليلة مع تعداد أصابعه ليتخيل سحر كل واحد منهم على ابدان وارواح الفتيان الذي يهدي إليهم قصائده (ابولو إله الفنون، بما فيها الموسيقى والشعر، وآثينا إلهة الحكمة، الحرب، آرتميس إلهة الصيد، الرماية، والعذرية،  أريس إله الحرب والانتقام، افروديت إلهة الحب والجمال، بوسايدون إله المحيطات، ديونيسيوس إله الخمر.)
لقد كان مثلهم يعيش فتنة تبادل الانخاب وقراءة الغيب والمصائر قبل ان يركبوا جيادهم ذاهبين الى الشرق ليقاتلوا، وكل احلامهم تتمنى ان تقف عند أسوار  برسيبولس عاصمة بلاد فارس وبابل مدينة ميزوبوتاميا المهيبة والساحرة وقلاع النمرود الآشورية والرض ارتيريا وأسوار صور ومدن اخرى لا يعرفون عنها شيئاً سوى حكايات الرحالة والبحارة المغامرين، وربما هذا القلم الجديد يبحث مثل رحالة عن أمكنة أخرى وصلت اليها حوافر جنود فتيان أثينا ومنهم من رافق الاسكندر في ذهابه الى بابل وعرج بمراكبه صوب جنوبها ليدخل في أكمة القصب ومياه الأهوار ويغيب هناك.

دوسلدورف في 30 اكتوبر 2018



المشاركة السابقة : المشاركة التالية