جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » تقييم


الآلات الجّسديّة بين التّصنيع الشّعري والعبث الحربي في مجموعة بول ايلوار


أحمد ضياء / العراق
صدرت وبترجمة حديثة عن دار أدب فن للثقافة والنّشر الألكتروني المجموعة الشّعريّة لـ(بول إيلوار) عن طريق المترجم العراقي البارع المقيم في باريس (حسين عجّة)، عن دار أدب فن النّسخة الأحدث للشّاعر المذكور سابقاً إذ بلغ إيلوار سن اليأس وهو يرمى بمفاهيم الحرية والحب وبات يلتذ بكثير من الشتائم التي تقتضي إنصافه ومحاولة قلب الطاولة إلى مدى أكثر حنّية عليه،
فلم تعد الرومانسية هي شغله الشاغل بل باتت المفاتيح الفاتنة للحياة هي المحور الرئيس الذي بالإمكان أن نشير إليه عبر ماكنة الخياطة النازية ذات الإبتكار الهمجي للقتل والتأكيد على عدم صحة هذه البوادر الخطابية والتي خطّت بأرجل كسيحة لأجل إثبات القلق القائم والمتضاد مع الإنسان. أجل إنَّ البقاء للأقوى كذا أراد نيتشه غير أن ذلك أسهم في زيادة الإختلاف مع الوعي والذات حتى نجد أن مفهوم الشرعنة أكد رجاحته ضمن الكثير من البنى والأفعال الإخصابية المنتجة والتي من شأنها الحصول على المواد الأشمل لهذه اليراع السوداء. شكلت المرحلة الشعرية الإيلوارية مداً إختلافياً مع الحصيد المتواجد إذ أنها جسدت خطاباً خصوصياً خارج المدى الأحادي وذلك للإعلان عن كافة المرحلة الإنتهاكية وبذلك فتح المجال أمام المعين الفكري التواصلي وهنا بين إنتاج غير وارد داخل ذلك المحور.
ثمة الكثير من الحريات والكثير من التضاريس الخطابية التي حملها (إيلوار) تحت رعونة القصف الدامي إذ يضم متاريس منتفضة على الواقع محاولاً تغيير ما يمكن تغيره وهذه الأفعال الهوجاء المتكالبة على الصدع الحياتي والثقافي تطالبت الإندماج بواقع أكثر حفاوة بالإنسانية واستهتاراً بها في الوقت عينه، وهنا تتجلى المرحلة العيانية / التشويفية للمأسي الحربية وكيف إنها شكلت رعباً على حياة الأفراد ونزولاً عن رغائب غير مكترثة للفرد بل بمصالحها الشخصية، فهو الآخر لم يعد يكتب عن بعد لأنه إلتحف مع الجيش برداء الحرب، وعمل في الطبابة ومن ثم في المشاة وهذا أضاف له سراً في إبادة الأفعال التي تدعوا إلى القتال والعنف وما شاكل ذلك.
لم يكن الفضاء متسعاً ليشمل الأحاديث الكاذبة لأن الإضطراب الصوري / الحياتي القائم أنتج غزارة في نبذ الضبابية المترادفة لكل الأعمال الممارسة لأنَّ العقل الإستعماري الحاصل على كل ما يرمي كون حالة ستراتيجية من أجل متابعة المحصود الإحتلالي لأكثر البقع المتواجدة / الطوبوغرافية من قبل المشكل الأساسي القائم، فبعد أن تكون الحرب أفضات في الحصول على ماترمي تكشف الضوء بشكل أكثر جدية للشاعر (إيلوار) وهذا الإثبات فعّل الجانب الكتابي بشكل كبير كونه بدأ ينظر إلى المشاريع الحياتية بمنظار آخر غير المقروء فمن باب التساوي والنجاحات والدعوة إلى إزاحة كل الممتن والمعمول عليه في ظل الدفاعات الضميرية أشار إلى الحرية كمنفذ للتطلعات الذاتية المتمركزة داخل أي نظرة ثقافية عامة، فمن البديهي أن تكون الإنتفاضة هي تحقيق للتفاوت الشكلي القابع في داخله لأنَّه جرب الفعل القتالي ومن ثم أدانه وكتب بالضد من وعسّر على المفاهيم المألوفة حدوثها وعبر هذا الرتم الموضوعي والمتمشكل بين الشاعر والمقاتل حدثت فروقات متغطية زادة من عمق الحالة بعداً آخر احتضانياً تقلد السلطة الكتابية كحكاية يروم إنتاجها بتحولات الوقود الثقافي الذي يستمد شرعنته من الحياة ومال آلت إليه في ظل الإنحسار الإنساني. شكلت التلويحة الإيلوارية باباً منفتحاً على غرف الكرامة والحرية إذ أخذ الجماهير كمنتج للإنغماس في كل ما هو مضاد وهذه الإنتفاضة الشعرية رغم حضورها الحلمي / السوريالي إستئسدت أمام الإشهار القتلي، بحيث إستطاع المطالبة بالحضور الإنساني فوق كل المبادئ المجاورة الأخرى، وهذا تمثل في الكثير من النصوص الشعرية لأنها تشكل باب الحراك الشعبي وميدان الكلمة الحرة للمضطهد والمقموع مقابل المستبد والقاتل العشوائي.
إنعكست كافة المفاتيح التي دأب عليها في الحرب على الحياة لذا نجده أحد أهم المشاريع التي أسست السوريالية وهذا يشكل محوراً في ظل الإنتاج الأساسي، فمن شأنه أن يكون متواصلاً مع الفعل العام والذي من أجله بدأت ردات الفعل في الظهور ضد الحرب العالمية الأولى، وهنا يجري تسليط الضوء على أكثر الأفعال الماً فهو لم يكن متبني السوريالية كمشروع أدبي فقط لا بل حياتي أيضاً، وهذه الفترة إعتمدت وتمثلت بشكل رئيس في مرحلة زوجته (غالا) هذه المرأة الملهمة لكثير من الشعراء والفنانين، ولعل هذا الجمال الذي كان في زوجته أضاف إلى الأمر بعداً أكثر إنفتاحاً، ومن باب الأمور السوريالية التي مارسها كان (إيلوار) صديقاً للفنان سلفادور دالي وكان الأخير سوريالياً أيضاً، هذا الأمر منحه بعداً تكنيكياً آخر في العمل تحت يافطة المهمل والحلمي واللامتوقع وأعجب الرسام في زوجة الشاعر، غير إنَّه قام بفعل كبير جداً من خلال تجسيده الأفكار والرؤى الإنتاجية ونقلها على الحياة والواقع، وهنا ترك (إيلوار) زوجته غالا إيلوار في منزل دالي وراح بعيداً عنهما، وهذا التجلي في العمل هو مسألة إختياريه ذات حرية فعليه ولأنها وافقت على البقاء لم يفرض أي نوع من عدم الرضا والنفور من المقولات التي نعتاد رؤيتها وسماعها من الإنسان السوي، مما حتم وجود بعداً إختلافياً في ظل الإستشراف الكياني القائم.
شكل النص وجهاً شرساً أمام الواقع والموت والدكتاتوريات، ولعل هذه الحالات حولت المسار العام وتبنت حصوله في البوح المشتعل الضاغط على جغرافيا الإنوجاد الرسمي ذو المداخل المعومه والمحصورة في إعتمادات وإختبارات نصنصية قائمة، وهذه المداليل شكلت رسماً متفردناً عن كافة الشعراء المجايلين له، مما شكل حضوراً مأثوراً متمايزاً في كافة الأبعاد الصورية التي يبني الشاعر بها بيته، وذلك أسهم في صياغة شكله الخطابي / الشعري ذو المعمول المدني بعده خطوة بالإتجاه الحياتي الداعي إلى الأمل والرفاهية ضد الموت والتهكم، وربَّما في الكثير من الأشياء ثمة موت ومطالبة إلّا أنّها كانت إشارة إلى مفتتح آخر من أجل قطف ثمار الإحتفال البلوري بالنص الشعري، و تشكل منعرجاً ذو أمواج غير متكافئة إذ يأخذ من العشب صياغاته ومن الصوت بقاها في الآذن ومن النسيان مكابدته هذه الهذيانات الظاهراتية الغريبة والتي غير مدشنة سابقاً وسط أصوات لاحد لها في المشوار الإبداعي بينت طرحاً لولبياً عبر مغاليق الكتابة وانفتاحاتها بالتالي ولّد ستراتيجية جديدة في المضمون الشعري المتعارف عليه وسلط الضوء على مناطق مهملة في الحياة لتكون هي البداية الحقيقية لمفاتيح شغله وتمظهراته القائمة وهو بذلك الأمر يُنضّج النص على الكثير من الصور التي لا تمثل إلى إيلوار نفسه، وتحقن الواقع بثاني أوكسيد الحياة التي تتدعبل من جوف المنحنيات الرجراجة وتدخل معتركها الشعري حيث يقول:
"أنت وحدك وأنا أسمع أعشاب ضحكك”النص.
وهنا تتجلى بصمة جمالية / استطيقية ضمن أحاسيس الإقتران الموسيقي الوارد والمتشابه بين الضحك وأنغامه الطروبة وبين العشب وهفيف الرياح به، وهذه الحركات المتمواجة شأنها في ذلك شأن الكثير من التضاريس الأخرى التي تعنى في تأكيد مشهدية الأثر والإنبعاث الفكري الوارد ضمن النص الإيلواري.
كيف يمكن للأعشاب أن تسمع؟. إنّها المعجزة الكتابية التي ينطلق منها إيلوار في متون تجلياته الجديدة إذ يخصب هالته الشعر بالمعاش وينسج بذلك إقتراناً خاصاً به يمثله الفضاء الإيلواري فقط وهذا من المعالجات الأولى التي يعنى بها الشاعر حتى لا يكون تابعاً لفرد آخر. إنَّ هفيف الريح بات لا يمكن التخلي عنه في ظل تشغيل منظومة جمالية شبيه بالجحيم الواقعي حتى تؤسس حفنة من الهياكل الفضائية حسب المعالم المبثوثة والحاصلة داخل ذلك الشكل المتعادل.
إن الصبغة الفكرية القائمة هي وليدة الحواضن الإثنوغرافية / البيئية وهي المكان المرجح في شكل مستقبلي قائم كونه يحيلنا إلى الصدمة بكل تطلباتها ومدياتها النقدية والمستمدة من الشكل الطبيعي للحالة المعاشة، وهذا التزحلق الفكري / الشعري القائم تحت أفعال ومديات ورؤى إختلافية لا تعنى بالجانب المتكميج من هذه الوتيرة بل تنصهر عبر داستير يكونها الشاعر في طيات إبداعه الكتابي وفي هذه اللحظة تتجلى الكثير من المهارات والفرادات من أجل توضب الحالات الإنتاحية بكثير من الأفاهيم المطروحة والتي من شأنها الحصول على خلجات مختلفة تسهم في إنتاج معانٍ وبيان خارج المدى الطبيعي لتأخذ الحلم كمعلم بارز في مرحلة الكتابة حتى تحصل على الكثير من الترسيمات المتواصلة بذات الحالة المعالجة، إنَّ بول إيلوار لا يقف عند حد معين ظل معالجة لأبرز الفضاءات المتهيكلة بحيث حصل على نقاط وتضاريس سياحية ناسفة لكل المرحل الشعرية السابقة مجددة في الهيكل العام مما جعل من الشاعر أمام فروع بنائية وتواصلية تسبغ على الراشح المادي كافة تقوقعاته لأجل تسجل حالة تعنى بالفرادة نوعاً ما وهنا يجري فحص المدى البعيد لهذه التهيكلات المستشرفة والمشرقة من جانب العتمة الحربية التي خلفت كثيراً من الرماد ورسمت الخوف على جباه الأشخاص لذا نجد أن الشاعر يمرر كافة بناءاته الخطابية وفق منظور عقلي / آدمي بحت، بحيث يزرع أوصل فكرته داخل الفضاء الواحد.
عقلي الذي كان ما يزال يلمعُ من فوق الأوراق
والورود، عقلي عاريٌ كالعشق،
والفجر الذي ينساه جعله يحني رأسه
ويتأمل جسده الخاضع والعبثي. النص.
إنَّ التتويج الثقافي يكون ذا أثر تواصلي قائم من شأنه خلق كرنفالاً في الشطر الواحد متمماً بنية بأدوات الشعر والكتابة وهذا يتجلى بعباءة جديدة تواصلية تأخذ على عاتقها تطوير المعنى وإحلال شفافية العقل الحميمية المتحولة والتي تتبعها اواصر اجناسية تعنى بإختلاف الطبقة الكتابية السائدة.
نعتاد على كلّ شيء
ما عدا عصافير الرصاص هذه
ما عدا كراهيتهم لكلّ ما يَلمعُ
ما أعاد تسليم المكان لهم.
المستلزمات الشّعرية عبارة عن مسلسل حربي قائم ملئه الدّم والرّصاص والشّاعر ذلك الكائن الذي يصع من خثرة الدّم ثقافة عالمية / جماهيرية تبدأ بالعمل على أغلب الأفعال الهوياتية المؤصلة لجذمورها المعرفي وتكاد لا تكلُّ عند خطٍ معين لأنَّ عافية الحرب لا ترضى الإضمحلال فما أن تنطفأ حرب في بلد ما إلّا وظهرت أبواب أخرى وأبواق تعجن الإنسان من جديد لذا فالعصافير تتكبّدُ أبصارها رؤية هذه (الطقوس) العنيفة ذات الأعمال الهوجاء المتذرعة بأفعال ومكونات لا تمدُّ للواقع بشيء إلّا الخراب والقتل ومزيد من الأرامل والرؤوس المقطوعة في الشوارع. إنَّ الترسيمة العامة ترصف راداراتها بإصطراعات أيديولوجية حيّة تنخلق في كل فترة بمسارح ومراسيم يجمعها همٌّ مركزي يسمّى الــــدم.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية