جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » جماليات


رسائل فان كوخ - الرسالة السابعة عشرة


ترجمة: ستار كاووش
لاهاي ٧ آب ١٨٨٣
تَيّو العزيز

شوقي كبير اليك، وأنتظر قدومك على أحر من الجمر، فلا تمر لحظة دون أن أفكر بك، وأشغل الساعات أمني نفسي بلقائك من جديد. حاولتُ هذه الأيام أن أقوم بعملي على أفضل وجه، فقد نَفَّذتُ مجموعة من الدراسات، ستراها بالتأكيد وتطلع علـى تقنيتها حين تكون معي. أجاهد هنا لأشغل وقتي بتطوير عملي وإكتشاف بعض التقنيات الجديدة،
ربما لم أقدم أعمالاً مثل أعمال فايسنبروخ*، لكني سأحاول قدر الامكان الأقتراب من مستوى اعماله، لذا سأقضي فترة من الوقت مع الفلاحين، على أمل إكتشاف الالوان بشكل أفضل، كما حدث مع لوحتي الأخيرة، والتي تحسستُ فيها اللون بشكل مختلف، حيث يبدو اكثر ثباتاً وينسجم مع ماتريد ان تقوله الطبيعة. كذلك هناك دراستين نفذتهما في الأيام الأخيرة، يظهر فيهما رجل تحت المطر وهو يسير على طريق موحل وغير معبد، ورغم أن التفاصيل هنا غير واضحة وتظهر علـى شكل بقع من الألوان، لكني أعتقد بـأني قد عكست التعبير بشكل مناسب، وسنتحدث عن هذا أيضاً حين تأتي لزيارتي قريباً. أغلب الدراسات التي رسمتها في الفترة الماضية هي للطبيعة. لا أدعي بأنها جيدة للحد الذي تقترب قيمتها مما ترسله لي من صور لبعض الأعمال، فأنا مازلتُ أعاني من بعض الصعوبات على صعيد التقنية، لكن مع ذلك أرى أن مستواي ليس سيئاً أبداً، وأشعر أن أعمالي تسحب خطواتها شيئاً...فشيئاً لتظفر بالنجاح، ومثال ذلك، اللوحة التي رسمت فيها جانب من المدينة مساءً عند مغيب الشمس، بشكل سلويت، حيث تتماهى الطواحين بشكل شاحب في نهاية الطريق.
أريد أن أكون وسط عملي دائماً، منشغلاً باللوحات، وإلا سيبتعد الرسم عني كثيراً وربما يضيع الى الأبد. أشعر الآن باللون أكثر، واعرفه أشد مما تعرفت عليه سابقاً، لكن رغم ذلك أحتاج الـى استثمار كل طاقتي للأحساس بمزيد من تأثير اللون وقوته. يجب أن أبعد اليأس عني، وأطرد اللاجدوى التي تنتابني أحياناً بسبب التحولات التي تحدث بداخلي تجاه الرسم، فهناك تقلبات كثيرة حيال اللون والشكل والطبيعة، وما وراء كل ذلك من ضوء وظلال وبقع تتوزع هنا وهناك. لقد انشغلت كثيراً بذلك، وفكرت طويلاً بهذا الشأن، كذلك جربتُ أن أرسم أعمالي بألوان أقل كثافة بحثاً عن التأثير المناسب. كيف أمسك بالأشكال وكيف أقبض على اللون والكتل؟ أتعمد أحياناً أن أرخي بصري قليلاً وأنظر من خلال أهداب عيني، فتبدو الأشياء عبارة عن لطخات من اللون وبقع صباغة موزعة هنا وهناك، أمضي بغلق عيني أكثر، فتختفي التفاصيل وترتبط الاشياء اكثر ببعضها وتتداخل، لتنتج مجموعة علاقات بالشكل واللون. وهنا أتسائل، كيف يمكن أن تسير الأمور الى الأمام وكيف تحدث الأنتقالات في الرسم؟ أتساءل لِمَ أبدو ليس مُلَوِّناً بما فيه الكفاية؟ كنت أظن أن الاندفاع الذي ينتابني سيكون كفيلاً بتحقيق ذلك، لكن يبدو أن أمراً كهذا لا يتحقق بتلك السهولة.
مرة أخرى يتملكني احساس بالفضول حول الدراسات الاخيرة التي رسمتها، أقصد تلك التي معك الآن، والتي رسمتُ في إحداها جذوع  بعض الاشجار، انها مختلفة، وهذا واضح. أردت القول إنها ليست سيئة لكنك أيضاً لا تستطيع القول بأني كنت ملوناً جيداً أثناء رسمها. الحق، إن كل الالوان في هذه اللوحة قد وضعت في مكانها المناسب، وربما هنا تكمن المشكلة! فالالوان المحسوبة بعناية لا تنجح دائماً في إعطاء التعبير الجيد، وهنا عليَّ أن أفكر كيف تكون علاقات الألوان مع بعضها، وماذا يحدث حين تكون معاً، كيف تنسجم وكيف تتداخل وتزحف على بعضها مثل غيوم ودودة، أو مثل أوراق عشب يانعة تنبثق من الارض. في الأيام الماضية، شغلتني كثيراً فكرة عدم إستطاعتي الغوص أكثر لمعرفة سر الألوان، لكن مع ذلك، لدي أمل الآن بأن يتحقق شيئاً، وسنرى كيف ستمضي الامور معنا أنا واللون. يمكنك أن تأمل بأنني بعد جهد طويل سأسير على الطريق الصحيح، رغم اني لا اجروء -حين يتعلق الأمر بأعمالي- على إمتلاك الثقة بشكل كامل.
في الأيام الماضية قرأت في مجلة انكليزية حكاية تتعلق بتاريخ الفن، وهي عن رسام محبط ويعيش في ظروف قاسية، لم يجد ما يعينه أو ينتبه لأعماله، فَيَشُدَّ الرحال نحو حقول الخُث* الكئيبة، وهناك في هذا المكان القذر والمنعزل، وجد ظالته في رسم لوحات رائعة في وسطه الجديد، هناك، وسط قبح وتعاسة كل ما يحيط به إكتشف الجمال، انبثقت روحه المتوهجة التي تعتمر بالحساسية، لتضيء ظلمة المكان. وسط عمال الخث استنبط الموضوعات التي تتلاءم مع موهبته ورسم أعمالاً مدهشة. لقد كُتِبَتْ هذه الحكاية بطريقة رائعة ومؤثرة، ولاشك أن كاتبها كان ملماً بالرسم بشكل جيد. لقد خطرت هذه القصة كثيراً على بالي في الايام الاخيرة. حين أراك سنتحدث عن ذلك بالتأكيد، ومن جانبك حاول أن تتواصل بالكتابة لي قبل لقائنا، فهذا أقل ما يمكننا فعله الآن.
فكرتُ أن أتوقف هنا عن الكتابة، لكن بدون سبب واضح أردت أن أضيف بعض الأفكار التي تدور في رأسي الآن، أنت تعرف بأني قد بدأت الرسم متأخراً بعض الشيء، وهذا ليس هو الشيء الوحيد الذي يكدرني، بل يضاف الى ذلك شعوري بأني سوف لن أعيش طويلاً، والسنوات المتبقية لي في هذه الحياة معدودة، وحتى لو فكرت في الموضوع بإسترخاء وبرودة أعصاب، فأنا أعرف بأن جسدي سوف لن يتحمل الكثير ياتيّو. فأنا حين أقارن نفسي بالناس الآخرين الذين أراهم امامي، أشعر بأن ماتبقى لي هو ربما ست أو عشر سنوات، أي سوف لن أتجاوز الاربعين وأنا على هذه الحال، وخاصة أنا لا أجيد الاعتناء بنفسي صحياً، وأن اكتسبت الكثير من القوة والتماسك وربما الحظ، فلعلني سأمضي بحياتي الى ما بين الأربعين والخمسين. عموماً أحاول جاهداً أن أبعد هذه الافكار عن رأسي، وأن أضع خططاً لسنواتي القادمة. عليَّ أن أحدد أهدافي الواضحة للسنوات الخمس أو العشر المقبلة، سوف لن أضيّع الوقت وأحاول أن ابتعد عن ما يعكر صفو نفسي واتجاوز الصعوبات التي تحيطني، والحقيقة ليس مهماً كم من السنوات سأعيش، لكن الثابت بالنسبة لي هو أن أترك شيئاً خلفي قبل أن أموت، عليَّ أن أنجز شيئاً خاصاً بي خلال بضع سنوات، وبالمقابل لا داعي للعجلة التي تؤدي الى التخبط، بل العمل بهدوء وجدية، أريد أن أترك شيئاً نافعاً خلفي، شيئاً أشكرُ من خلاله الحياة التي منحتني ثلاثين سنة عشتها فوق هذه الارض، أريد ان اعيد لها هديتها على شكل لوحات من صنع يدي، ان أُبقي مجموعة من التذكارات وراء ظهري وأنا أغادر، ليس إرضاءً لأحد أو طلباً لإعتراف جهة معينة، لكنها بمثابة تركة من شخص محب ومخلص. نعم هذا هو هدفي الآن، ربما سأسير ببطيء، لكني رغم ذلك لن اتوقف، وسـأتحصن بكل ما لدي من طموح.
لم يكن غيوم ريغَمي معروفاً على نطاق واسع (لا أقصد هنا أف ريجمي صاحب الرسومات اليابانية. بل شقيقه)، هذا الرسام أحمل له الكثير من الأحترام والتقدير. لقد توفي في سن الثامنة والثلاثين، والفترة التي قضاها مع الرسم لم تتعدى ست أو سبع سنوات، لكن رغم قصر تلك الفترة، فقد أنجز أعمالاً مهمة ورائعة، وتعكس إسلوباً شخصياً نادراً، كان يجاهد في التغلب على مرضه لإنجاز أعماله الجميلة، وفوق كل هذا كان انساناً طيباً، محباً ودمث الاخلاق. لا أذكره هنا لأدعي التشابه معه، فلوحاتي لم تصل بعد لما قدمه من أعمال مؤثرة، لكني أذكره فقط ليكون ملهماً ولأعطيك مثلاً حول قوة الارادة والتواصل مع الرسم رغم كل الصعاب. أنظرُ الى نفسي الآن بطريقة مماثلة، كي أنتج في سنواتي القادمة اعمالاً ذات قيمة، انت تفهني بالتأكيد ياصديقي القديم، وربما ان ما ارسله لك من رسومات يفصح عن القليل مما أردت قوله.

أشد على يدك، مع كل محبتي
أخوك فنسنت

هوامش المترجم:
* يان هندريك فايسنبروخ: فنان هولندي (١٨٢٤-١٩٠٣) واحد من اهم اعمدة مدرسة لاهاي. اشتهر بأعمال الليثوغراف والمناظر البحرية والطبيعية المذهلة التي يشع منها الضوء، ومرصعة بغيوم شفافة وفضاء مفتوح.
* * الخُث: طبقة من النباتات والاعشاب والطحالب الجافة والمتفحمة بسبب بعض الظروف البيئية. يقوم الفلاحون بإزالة وحفر هذه الطبقة بطرق شاقة ويقطعونها قطع صغيرة تشبة طابوق البناء لتستعمل كوقود للطبخ والتدفئة في المزارع وبيوت الفلاحين، وهي تستخدم في هولندا منذ قرون طويلة.
* * غيوم ريغَمي: (١٨٣٧-١٨٧٥) الذي إشتهر برسمه للأشخاص بوضعيات مختلفة، وكذلك عُرِفَ بتخطيطاته عن الخيول، والتي يعرض معظمها الآن في متحف اللوفر. حصل على شهرة واسعة بعد ان أقيم له معرضاً استعادياً كبيراً في البوزار سنة ١٨٧٦ تقديراً لمكانته الفنية.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية