جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » جماليات


ناظم الغزالي: آخر المغنين العباسيين؟


شاكر لعيبي
فجأة نتوقف أمام سرّ الفتنة والفرادة (نقول الفرادة) في تقديم ناظم الغزالي لحنياً أبيات الشعر العربي الفصحى (نقول الفصيح) في مطالع أغانيه الشهيرة:”قل للمليحة في الخمار الأسود”و"عيّرتني بالشيب وهو وقار”و"سمراء من قوم عيسى”و"أقول وقد ناحت بقربي حمامة”و"أي شيء في العيد أهدي إليك”و"رُميتَ بسهمِ اللحظِ أم عَقّك الدهرُ”و"تيهي على أرج الورود”و"يارب إن عظمت ذنوبي كثرة”و"يا حادي العيس"،
و"قائله لما أردت وداعها”وهذه أبيات للبهاء زهير.
هذه المقطعات الشعرية، في البدء، من النمط والأسلوب نفسه الذي يذكر لنا أبو الفرج الأصفهاني في كتابه”الأغاني”أنها كانت من (الأصوات) المُغنّاة (الألحان) في العصر العباسي وما قبله، بل أن أحدها كان مما يُتغنى به يومها دون شك، فقد جاء في كتاب الأصفهاني: قَدِمَ تاجرٌ إلى المدينة يَحمِلُ مِن خُمُرِ العراق  فَباعها كُلَّها إلا السود، فشكا إلى الدارِمي [ربيعة بن عامر التميمي، الشهير بــمسكين الدَّارمي] ذلك وكان الدارِمي قَد نَسكَ وتَعبَّدَ، فَعمل أبيات وأُمِرَ مَن يُغَنِّي بِهما في المدينة :
قُلْ للمَليحَــــةِ في الخِمــــارِ الأســـــودِ – مـــاذا فَعَلـــتِ بِزاهِـــــــدٍ مُتَعبِّــــــــــدِ
قَد كان شَمَّـــــــرَ للصـــــــــلاةِ إزارَهُ – حَتـــــى قَعَــــدتِ لَه بِبابِ المَسجـــــدِ
قيل فشاعَ الخبرُ في المدينة أنَّ الدارِمي رَجعَ عَن زُهدِه وتَعشَّقَ صاحِبةَ الخِمارِ الأسود فَلم يَبقَ في المدينة مَليحةً إلا اشترت لها خماراً أسود فلما أنفذ التاجر ما كان معه رَجعَ الدارمي إلى تَعَبُّدِه وعَمدَ إلى ثِيابِ نُسكِه فَلَبِسَها.
جميع المقاطع المذكورة تَمُتُّ للعصر العباسي بصلة أو ببعض الصلة فأن”عيرتني بالشيب وهو وقار - ليتها عيرت بما هو عار”هو من شعر المستنجد (1124 – 1170م)، و"أقول وقد ناحت بقربي حمامة”و"رُميت بسهمِ اللحظِ أم عقك الدهر”لأبي فراس الحمداني، و"يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة”لأبي نواس وتجد قصتها مذكورة في ملحق كتاب الأغاني (أخبار أبي نواس). ومن”الواحديين”الذين تغنَّى المغنون بشعرهم (ماني الموسْوِس)، ولعل مما كان يُتغنى به من شعره:
لمّا أناخوا قُبيل الصبح عِيسَهُمُ = ورَحَّلُوها وسارتْ بالدجى الإبلُ
وودّعتْ ببَنانٍ عقْدها عَنَمٌ = ناديتُ: لا حملَتْ رجْلاك يا جمَلُ
يا حاديَ العيس عَرّجْ كي أودعَهُمْ = يا حاديَ العيس في ترحالك الأجلُ
وهذا مذكور في كتاب العقد الفريد لابن عبد ربه الذي يضيف أن الشاعر قضى نهاية عمره في دير رهبان، يسمى دير هرقل، بين طريق بغداد وواسط رآه المبرد، صاحب الكامل في اللغة والأدب، مع صحب له مسافرين، فأنشدهم من شعره وطلب رأيهم:”لما أناخوا قبيل الصبح عيسهمو - وحملوها وسارت بالدمى الإبل”الخ. ويقف ابن عبد ربه عند هذا الحد، ولكن التقط مؤلف «ألف ليلة وليلة»، كما يقول أحمد الواصل، هذه الأبيات”فوظفها ضمن القصائد المنشدة في لياليه، ولعلها انتشرت بين مغنيات تلك الفترة، خاصة مؤنسة جارية بنت المهدي التي يذكر أنها شدَت للشاعر قصائده، ويتواتر عند مغني المقام العراقي هذا النص الشعري مضافاً إليه حواراً بين الشاعر وراهب الدير، وهو الجزء الذي سجله مصطفى أمين أحد شيوخ الإنشاد المصريين". وقد غناها ناظم الغزالي أيضاً.
وفي ظني فإن الغزالي يتميز بشكل فائق للعادة من بين من غنّى القصائد المذكورة المعروفين منذ نهاية القرن التاسع عشر، فهو من الفرادة والسيطرة على المخارج الصوتية للحروف وإدغامات بعضها والعمق والمرونة اللحنيّة (لأنه لا”يُرتّلها”وفق قوانين المقام البغدادي فقط بل”يغنّيها”بالأحرى في إطار المقامات المعروفة، استمعْ لأدائه لـ”وقائله لما أردت وداعها”من مقام الحويزاوي الكئيب، وبعدها”فوق النخل”من الحويزاوي نفسه وفق الغزالي). أن أداءه لا يشابه في تقديري إداء مَنْ غنّى المقاطع الشعرية الفصحى تلك نفسها. وقد يكون بذلك يُتابع، بطريقة ما، لحون المغنين العباسيين التي يدوّنها الأصفهاني، ولعلنا، وهذه محض فرضية، نتوصّل عبر الغزالي، إلى فهم بعض مقاصد الأصفهاني في كتابه”الأغاني”وهو يشير إلى لحون مختلفة وأداءات متباينة للشعر نفسه. أي لحون تلك الأشعار التي يُشار لها تحت (صوت)، ويُعطي لكل صوت سمات خاصة كقوله على سبيل المثال:”الغناء لمالك خفيف ثقيل بالبنصر في مجراها”و"الغناء لابن سريج رمل بالسبابة”و"الغناء لابن سريج ثقيل أول بالوسطى في مجراها وفيه لمعبد لحن من خفيف الثقيل الأول بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى". وفي ظني فإن هذه الرموز الأصفهانية التي لم تُحَلّ تماماً، يمكن لغناء الغزالي حلّها بجهد المتخصصين.
هل ناظم الغزالي هو آخر المغنين العباسيين؟



المشاركة السابقة : المشاركة التالية