جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » تحقيق


نعمة و نقمة التصوير الرقمي


فاضل عباس هادي
عن كتاب  (السيدة لايكا
تنتظرك في البيت) المعد للطبع
«من يستحوذ على الصور، يسيطر على الأرواح » تحت هذا الشعار افتتح الملياردير الأمريكي بيل جيتس معرضا واسعا لمنتجات الصور الرقمية والانترنت في مدينة بون الالمانية.
ورغم ان المعرض يركز على الصور المزيفة أو الصور المتلاعب بها لإعطاء صور مغايرة تماما لما حدث فعلا في التاريخ، الا انه، وبسبب هذا بالذات، يثير جملة من الإشكالات في عصرنا الحالي عصر انهيار الركائز التقليدية المعروفة في مجال التصوير الضوئي بصورة عامة والتصوير الصحفي بصورة خاصة، حيث اصبح بالامكان، بواسطة الكمبيوتر وما يتيحه التصوير الرقمي، من إمكانيات لا نهائية، التلاعب بالصور إضافة وحذفا. أن الأمر أكثر من انقلاب أو حركة تصحيحية، انه ثورة عارمة وليس بالضرورة ثورة حقيقية.
وظهور «بنوك الصورة » بواسطة الانترنت يتيح للجميع أشخاصا ومؤسسات وصحفا شراء الصور، حسب الحاجة والطلب.
ويقود بيل جيتس حملة الاستحواذ على الصور في نطاق عالمي، وقد اشترى عن طريق شركته «كوربيس » وكالة سيجما الفرنسية للتصوير الصحفي وهي من اكبر الوكالات المعنية بأحداث الواقع اليومية، بينما اشترت شركة »جيتي اميجز « مقتنيات شركة «كوداك » من الصور بمبلغ لا يقل عن 183 مليون دولار.
والشركة الثانية اشترت أخيرا أيضا مقتنيات وكالة صحفية ذات أهمية تاريخية وفنية كبرى وهي وكالة «ماغنوم » التي أسسها أربعة من اشهرالمصورين العالميين.
«جيتي اميجز » معنية بالصور ذات القيمة الفنية، صور تجمع بين التوثيق والقيمة الجمالية. أما «كوربيس » بيل جيتس فهي تجمع الصور العامة من دون الاهتمام كثيرا بالقيمة الفنية أو التاريخية لها والى وقت قريب كان سوق الصحافة المصورة يعتمد على ثلاث وكالات فرنسية هي «جاما » و «سيجما » و «سيبا » الا ان الهجمة الأطلسية قلبت الموازين رأسا على عقب ومن جديد تجد فرنسا نفسها محاصرة بالهجمة الأمريكية. هذه المرة نجدها أمام معضلة تتلخص ولا تتقلص في الحماس الأمريكي للصورة الرقمية ونشرها بواسطة الانترنت، بينما تريد فرنسا ان تحافظ على أسسها التقليدية الراسخة: نشر الصورة عن طريق الوكالات الصحفية والمصورين أنفسهم.
أسس بيل جيتس شركة «كوربيس » في العام 1989 سنة انهيار المعسكر الاشتراكي بينما أسس مارك جيتي شركة «جيتي اميجز » في العام 1994. وما هي الا سنوات قليلة حتى افلح الاثنان في تنويع ثروتهما الخيالية من الصور بشراء عدد من الوكالات الصحفية والأرشيفات العالمية. وكالة «سيجما » وقعت في «الفخ » الأمريكي بينما يقترح رئيس وكالة «جاما » تشكيل قطب أوروبي للوكالات الصحفية لمقاومة القطب الأمريكي المستفحل.
ان الثورة الرقمية اتجاه من الصعب مقاومته ومن مزاياها ان أي شخص سواء كان في الصين أو في تاهيتي يستطيع عن طريق الكمبيوتر والشبكة العنكبوتية والانترنت ان يحصل على أي صورة يريد خلال دقائق معدودة وما عليه الا ان يطلب الصورة ثم يدفع ثمنها بواسطة بطاقة البلاستيكية وتشير الإحصائيات إلى أن شركة «جيتي » باعت بما يعادل 24 مليون دولار بالطريقة الالكترونية.
وبالإضافة إلى ضياع حقوق المؤلف أي صاحب الصورة الأصلية بسبب سهولة طبع الصور ونشرها وبيعها عن طريق القنوات الالكترونية هناك هبوط أسعار الصور إلى ثلاثة دولارات للصورة وعين القلق العصبية لجميع محبي الصورة والرافضين لاسترخاصها والتلاعب بها بأصابع الكمبيوتر الشيطانية.
ثم ما هو مصير الوكالات الصحفية العالمية التي احتكرت إلى وقت قريب مجال تسويق الصور الصحفية ونشرها وهل ستصمد أمام الهجمة الأمريكية أم تتوصل إلى طريقة للتعايش معها عن طريق سن قوانين صارمة تحفظ للمؤلف حقوقه وفي الوقت نفسه تفسح المجال واسعا جدا لانتشارها.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية