جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » مراجعات


الصيدليات الخافرة وسلة الدواء


د. علاء مشذوب
أنا أوسط أخوتي كما تتوسط الأصبع الوسطى كف اليد، أنيطت بي مهمتين، الأولى جلب أرغفة الخبز الطازج من المخابز، بعد أن تركت أمي خبز التنور لكبر عائلتنا وضيق وقتها، ولانشغال الحكومة بالحرب فألغت توزيع الصمون الكهربائي على الأكشاك الصفراء التي بنيت على الأرصفة، وبدأت تجهز المخابز والأفران بالنفط من أجل تقديم خدماتها للناس.
والمهمة الثانية هي جلب الدواء للعائلة بالعموم ووالدي الذي يضع قربه سلة من الخشب الصاج الأصفر مملوءة بأنواع الأدوية، فيها أشرطة الكبسول واقراص الحب بمختلف الألوان والأنواع، فيها علب زجاجية صغيرة وقد علَّم عليها الطبيب بخطين دلالة على استعمالها مرتين كما الشمس في مشرقها ومغربها، وبعضها بثلاث خطوط كما الصلاة، وكذلك قارضة الأظافر لأن أبي يستاء كثيرا من الزوائد الجلدية (الشعافير) التي تنبت حول الأظافر مثل كثير من الأشياء الفائضة عن الحاجة، إضافة الى صيدلية البيت التي تحتوي على لفافة شاش ومعقم (إستبرتو) ومرهم دهنه أصفر ومقص، وخبرة أمي في طب العرب أو الأعشاب التي تعلمتها من جدتي الجميلة التي كثيراً ما كانت تواددنا، لأن أمي أبنتها الكبرى وهناك أسرار تجمعهما عن حياة جدي لأمي الذي لم أره وانما سمعت بعض القصص الغامضة عن حياته.
يرسلني أبي إذا أراد تجديد وصفة الطبيب فأدور حول الصيدليات الاعتيادية وبعض الأحيان يتفقد أبي دواؤه فيجد أن بعضه قد نفد فيطلب مني جلبه، أركب دراجتي الهوائية التي اشتريتها من سوق هرج وكانت خاصة بالمسابقات، مقودها معكوف للداخل وسرجها صغير الذي يمتد الى الأمام مثل وجه الكلب، أدور على الصيدليات الخافرة، وأولها صيدلية القباني لصاحبها محمود القباني، في شارع قبلة العباس، يلبس نظارات كبيرة الحجم تشبه نظارة عزيزة جلال ويربي شاربه الأسود الكث كأنه شيخ عشيرة، وصيدلية الديار الإسلامية عند رأس العلاوي وصيدلية الشهيد عند شارع قبلة الحسين، كان حليق الشارب فروة رأسه بيضاء خفيفة، مرتبة الى الخلف تشي بخبرة كبيرة في عالم الأفعى التي تتلوى حول دورق الدواء، يلبس نظارات طبية تضفي وقار وهيبة، كانت أسعاره مناسبة، قربه فندق يحمل عنوان (فندق الرضا)، ولكن عندما تسلل حزب البعث الى السلطة بليل حالك طلبت منه تغيير مثل هذه الأسماء، لكن صاحبه ولاعتزازه بالاسم أضافة الهمزة لآخره مثل الضرورة الشعرية ليصبح أسمه (فندق الرضاء)، فاستوقفني هذا الاسم وأنا أركن دراجتي لشراء الدواء من صيدليته.
ربما ذاكرتي مثقوبة مثل حقيبة مسافر هارب من خيباته لا تحفظ أشياءه، كنت حريصا أن أجلب الدواء وأحفظ أوقات تناوله رغم الخطوط التي يخطها الصيدلاني على شريط الكبسولات أو علبة الدواء، فأبي كان حاد المزاج يستاء سريعاً ان جئته دون معرفة أوقات تناول الدواء، الصيدليات الخافرة كانت جزءاً من نشرة الأخبار عند رأس الساعة التاسعة صيفاً، والسابعة شتاء، كنا نلعب فيما بيننا حزورة معرفة الصيدليات الخافرة، ومن يحزر الصيدلية الخافرة لهذه الليلة، فهو الفائز.
توفى الله أبي، وأضاعت الفوضى نشرة أخبار الصيدليات الخافرة، كما أضاعت الحكومة الرقابة على الأدوية الخاضعة للتقييس والسيطرة النوعية، فبعد أن كان دواء سامراء، من الأدوية الفاخرة، اصبحت صيدلياتنا التي تملئ الشوارع والأزقة تملء رفوفها بأدوية من كل بقاع العالم، وأغلبها غير خاضع لرقابة الحكومة، ويستورد من مناشئ رديئة.
لكن الذي بقي عالقاً في ذهني، هو رمز الأفعى الذي تلتف حول الكأس، من دون معرفة معنى هذا الرمز، حتى سكنا في قسم داخلي مع بعض طلبة كلية الصيدلية، وأفصح لي أحدهم عن معناه حينما سألته عنه فقال: يرجع أصل رمز الحية والكاس الى القرن السابع قبل الميلاد، حيث كان الاغريق يعتقدون في السحر والشعوذة لعلاج الأمراض.. وكان من بين هؤلاء الذين يمارسون هذه الوسيلة الحكيم الاغريقي (اسكيلابيوس)، الذي كان يعالج المرضى بلمسة من يده أو عصاه او بلمسة من لسان افعاه التي ترافقه دائماً.
ولقد عثر على تماثيل كثيرة لهذا الحكيم يظهر فيها ممسكاً بعصاه الملتفة حولها الحية، كما تظهر ابنته وقد التفت الأفعى حول ذراعها وفي يدها كأس.. يبدو أن به جرعة دواء، ولقد اتخذت العصا الملتفة حولها الأفعى رمزاً للطب والصيدلة على مستوى العالم لسنوات طويلة؛ وحينما استقلت الصيدلة عن الطب واصبحت تخصصاً قائما بذاته.. بقيت الأفعى والعصا رمزاً للطب فقط.. بينما استحدث للصيدلة رمز آخر هو الأفعى والكأس باعتبار أن هذا الكأس هو الذي كانت تحمله ابنة الحكيم، وبه جرعة دواء.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية