جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » نصوص


قصة قصيرة: باص بوجه قطٍ سمين


سعد هادي
لا أدري هل نجوتُ أم لا؟ ها أنا أجلس الى جانب رجل عجوز فيما يشبه موقف باص، سألني عن اسمي فاخترعت اسماً، قلت له: جئتُ من مكانٍ وزمانٍ بعيدين، لا يهمني إن اقتنع أم لا، همهم بسؤالٍ آخرٍ فقاطعته:
- انتظر، أريدُ التقاط أنفاسي، ما زلتُ خائفاً، ربما هناك من يطاردني أو يترصد خطاي، سأروي لك كل شيء، لم يعد مهماً إن صدقتني أم لا.
قبل وصولي الى هنا سرتُ لوقتٍ طويلٍ في شوارع لا أعرف الى أين تؤدي، رأيت بشراً لا يشبهون من عشتُ معهم، ولكني حين رأيت النهر ثم رأيتُ الجسر القديم أدركتُ إنني وصلت، بعض البنايات القديمة ما زالت تتراءى قرب الجسر، أُحيطت بجدرانٍ وقباب زجاجية، أم لعلها مرايا؟ لعلّي أسير في مدينة المرايا الأسطورية التي قرأتُ عنها، رأيتُ بناياتٍ لم أرها من قبل، هل هي حقيقية أم مجرد رسوم تتراءى من بعيد؟ كان المساء قد حلَّ ثم رأيتك تجلس هنا، قلتُ لنفسي آن لي أن أتحدث الى شخصٍ ما، ربما سيؤويني أو يساعدني في حلّ مشاكلي، لا يمكنني أن أظلَّ هارباً الى ما لا نهاية.
- قل ما تريد، مهنتي هي الاصغاء، أجلسُ كل يوم هنا، في هذا الركن الصغير، هو بعض ما تبقى من الماضي، كانت الباصات تتوقف أمامه، حمراء بطابقٍ واحدٍ أو بطابقين، لم يعد هناك سوى باص واحد يأتي في آخر الليل يحمل الرقم صفر، لعلك ستراه فيما بعد، أروِ لي حكايتك الآن، ليكن ذلك من البداية، لن أملُّ من سماع التفاصيل.
لم أكن أعرف من أين أبدأ، كيف سأفصل بين ما عشته حقاً وما تخيّلته؟ ما الذي تعنيه وقائع حياتي لهذا الرجل؟ هل سيصغي لما سأرويه أم سيتظاهر بذلك؟ قلت أخيراً:
- أنا حامل الصورة يا سيدي، هل سمعت عنه من قبل؟
أومأ الرجل برأسه كأنه يقول نعم فاستطردت:
- أنا هو ذلك التعيس الذي ظلَّ يحمل صورة الرئيس لسنوات، ويسعى بها من شارعٍ لشارعٍ ومن مدينةٍ لأخرى. أُعطيت لي حين شاركتُ في مسيرة لتأييد إحدى قراراته، لا أتذكر أي قرار بل لا أتذكر أي رئيس، ما أتذكره الآن هو أنني كنت موظفاً حكومياً وقد حشرت في يومٍ ما مع موظفين آخرين في سيارة قديمة، دون أن نعرف الى أين سيأخذوننا، بقينا صامتين طوال الطريق نمسح العرق ودخان المحرك الأسود عن وجوهنا حتى وصلنا الى ساحة كبيرة فيها أمواج متلاطمة من البشر، ترجلتُ من السيارة قبل الآخرين فأعطاني رجل متجهم صورة للرئيس وصرخ بي: اركض الى هناك،  ركضتُ وأنا أتعثر وأحاولُ بكل ما لدي من قوة رفع الصورة الى أعلى، كانت كبيرة وثقيلة وكان الرئيس يضحك فيها، واصلت الدوران حول الساحة وترديد الهتافات، بحَّ صوتي وبدأت أترنَّح ثم بحثت عمَّن يأخذ الصورة مني، توسلت بمن هم حولي فلم يلتفت إليَّ أحد، قلت بوهن: ساعدوني، أنا على وشك السقوط، ولكنهم كانوا ينظرون إليَّ بلا مبالاة ويبتعدون، جلستُ للحظة على الرصيف لكي أرتاح فجاء رجلان وانتزعاني من مكاني وصرخا بي مثل وحشين مسعورين: عُد الى الحشد، لا أتذكر ما حدث بعد ذلك، تركَّزت حواسي كلها في تفادي سقوط الصورة، لم أعد أفكر بالاتجاهات ولا بالأمكنة ولا بالزمن، سرتُ دون أن أنظر الى ما حولي ثم اختلط كل شيء في رأسي، ذكرياتي وأحلامي وأفكاري، صار عقلي مثل بركةٍ آسنةٍ، تسقط الأحداث فيها فتتحول الى أحجار سود.
لم أتوقف عندما حلَّ الظلام وواصلت طريقي حين أشرقت شمس اليوم التالي والأيام الأخرى، بدأت الصورةُ تتآكل وشحبت ألوانها وتحوَّل الرئيس فيها الى كائنٍ شبحي. تساقطتْ أجزاءٌ من وجهه ثم من جسده ثم اختفى تماماً، ولكنني بقيتُ أحمل العمود الذي أُلصقت عليه صورته وأواصل السير. رأيت في طريقي أشخاصاً مثلي يحملون صوراً كبيرة، لا أدري إن كانت لرؤساء أم لسواهم، كانت اتجاهاتهم تتقاطع أو تتوازى وكانوا يترنحون ويتعثرون ولكن كل ما كان يهمهم هو إبقاء تلك الصور فوق رؤوسهم.
ثم حدثت المعجزة، استيقظت، نعم استيقظت من كابوسي، لا أدري كيف أو متى، وجدت نفسي قرب قريةٍ لا أتذكر اسمها، ثيابي مهلهلة ولحيتي كثة وشعر رأسي يتدلى على كتفي. اغتسلت وقدَّم لي رجل عجوز يشبهك طعاماً وأخبرني إن كل شيء تغيَّر، حتى الرئيس الذي كنت أحمل صورته مات منذ زمنٍ بعيدٍ، ثم أرشدني الى الطريق الذي أوصلني الى هنا. لا أدري هل نجوتُ، أم لا؟ ها أنا أجلسُ معك بجسدٍ متهالكٍ، وذاكرةٍ مشوشة، ما رأيك بحكايتي؟ هل تبدو متماسكة؟ هل يمكن تصديقها؟ قيل لي من قبل إنني قادر على تأليف أغرب الحكايات، ما أرويه هو خيال واقعي أو واقع خيالي، أنا ضائع دائماً بين عالمين: عالمي الداخلي المتآكل والعالم الحقيقي، عالمكم المليء بالمخاوف والغرائب، ما يهمني هو أنني وجدتُ من أحكي له، وجدتُ من يصغي إليَّ.
ظلَّ الرجلُ صامتاً ينظر الي وجهي بعينين غائمتين، سألته:
- كم هي الساعة الآن؟ هل نحن في النهار أم الليل؟
قال وهو يرفع رأسه الى أعلى:
- عشر دقائق قبل منتصف الليل، ألا ترى ظلمة السماء؟
- لم أعد قادراً على التمييز بين الظلام الحقيقي والظلام الذي كنت أعيش فيه، أنا تائه في العتمة، ضعتُ طويلاً في المنطقة الرمادية، لا أدري هل عليَّ العودة ثانية الى العالم الذي جئت منه أم بمقدوري أن أعيش هنا؟
- سيأتي الباص رقم صفر بعد قليل، سيأخذك من هنا ويخلّصك من مشاكلك، ستجد من يصغي لك حيث تذهب، أنظر الى نهاية الشارع، ألا ترى باصاً؟ انه يتقدم نحونا ببطء، سأساعدك على ركوبه.
أمسك بيدي وسرنا نحو حافة الرصيف، توقّف أمامنا باص كبير، أكبر من أي باص رأيته من قبل، بطابقين أو ربما بثلاثة، تشبه مقدمته وجه قط ٍسمين وخلف كل نافذة من نوافذه بصيص ضوء وظلال إنسان، ظهر سائقٌ كهلٌ حين فُتح بابه، كان يرتدي ملابس رمادية ويعتمر قبعةً عريضةً، ردَّ على تحيتي بإيماءةٍ من رأسه، وجهه مجعد كأنه اقتطع من جريدة.
قال لي الرجل العجوز وهو يدفعني برفقٍ الى الداخل:
- هذا الباص يأتي كل ليلة في الموعد نفسه، يتوقف هنا فقط، هو بوابة متحركة لإعادة الضالّين الى الأمكنة والأزمنة التي جاؤوا منها، وضعنا عليه الرقم صفر لأنه لا يذهب الى أي مكان، يشبه آلة تنظيف تخرج في الليلِ فقط، آلة لمسح أخطاء الماضي.
حين أُغلق باب الباص انطفأتْ الأضواء من حولي، كان الهواءُ ثقيلاً في الداخل يعبق برائحةِ مطهرٍ طبي، رأيتُ نفسي بعد لحظات أدورُ وسط اسطوانة مسننة، تتلاحق فيها وجوه أشخاص آخرين، ربما كانوا صوراً أو خيالات مجردة أو لعلهم كانوا من التائهين بين الأزمنة والأمكنة مثلي.
إسبو- فنلندا 2017



المشاركة السابقة : المشاركة التالية