جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » متابعات


salt عودة مفبركة إلى أفلام الجاسوسية


أحمد ثامر جهاد
يقول الكاتب فيدال جوديس”كلما ذهبت أمريكا تفتش وحيدة في العالم عن وحوش يجب قتلها،وكلما غامرت في مناطق سبق أن قامت بغزوها
قوى إمبراطورية،فإنها تغامر في أن تصبح هي نفسها الوحش..” وعلى ما يبدو فان السينما الأمريكية مصرة من جهتها على استعادة ستراتيجية نمطية طواها الزمن عبر التذكير من حين إلى آخر بخصوم الأمس الذين  –وفقا لمنطق هوليود- لم يفلح مناخ الوفاق العالمي مع الغرب الرأسمالي في انتزاع جذوة أحقادهم على أمريكا وحلفائها.
إلا ان ما يجب ملاحظته باهتمام في هذه الأفلام التي تستمد إثارتها من قصص الجاسوسية والمخابرات والبطولات الخارقة هو ان (الأعداء الجدد) هم ذاتهم أعداء الاستقرار العالمي بغض النظر عن هويتهم.
في فيلم ( salt ) الذي يشير اسمه إلى(معاهدة وقف سباق التسلح) يكون الأعداء خصوم روسيا الحالية وأمريكا في وقت واحد،كونهم جزء من ارث الكتلة الشيوعية،التي وقفت بوجه النفوذ الأمريكي طوال عقود من النزاع العقائدي بين المعسكرين.وحتى لو لم يكن هناك أي أساس واقعي لهذا التفكير،إلا ان أمريكا تهدف من خلال الصورة التي تنتجها عن نفسها (ليس في السينما فقط) إلى إرغام الآخرين على التوقف عن التفكير بأمور مماثلة،اختبرت في الماضي واثبت فشلها في النيل من مكانة الولايات المتحدة وسطوتها على العالم.وعليه فان الاعتقاد بفرادة الهيمنة الأمريكية سيعفي الأمريكيين أنفسهم من تطوير معرفة معمقة بالمجتمعات الأخرى،غير الغربية،بتعبير خبير الاستخبارات ريتشارد بيتس.
ربما من الضروري القول هنا،ان أفلاما مدموغة بالطيش الهوليودي ستبقى تتفنن في تعمية ضرورات تغذية الصراع الدرامي بين الخصمين التقليديين(الأمريكان والروس)،لان المهم هو شد العزم لمواجهة الأخطار الراهنة،وعلى رأسها الإرهاب الدولي.ولم تكن تنقصها الجرأة حينما قالت (آن ارمستونغ) مستشارة شؤون الاستخبارات في عهدي الرئيسين ريغان وبوش الأب “انه لا يجدر بمحلل الإرهاب تركيز جهوده على ما يسبب الإرهاب،بقدر تعيين وسائل محاربته..”
ولكن إلى أي حد ستبدو مقدمات ومسوغات من هذا النوع مقنعة وكافية لصناعة فيلم هوليودي جديد يرتكز بالأساس على الحركة والتشويق والحلول المفبركة ؟

الروس ثانية وأبدا
استغرق نص فيلم ( salt ) الذي كتبه (كورت ويمر) وقتا طويلا لكي تتم معالجته سينمائيا على يد المخرج الاسترالي فيليب نويس،واقتضى ذلك إجراء بعض التغييرات المطلوبة على بناء الشخصيات وأسمائها،فضلا عن انتقال أداء دور البطولة من النجم توم كروز إلى انجلينا جولي بحسب ما صرح به منتج الفيلم لورنزو دي بونافنتورا.
رغم ذلك لا تبدو النسخة النهائية للفيلم موفقة من الناحية الفنية،سواء في حبكتها أو معالجتها السينمائية النمطية التي جعلت من الفيلم مجرد فيلم اكشن مشوق تعكز بدرجة كبيرة على براعة الممثلة انجلينا جولي في تأدية مشاهد الحركة والمغامرات العنيفة.
لكن الأمر الذي جاء لصالح الفيلم هو إطلاقه للعرض بعد فترة وجيزة من حادثة إلقاء القبض على عدد من الجواسيس الروس في الولايات المتحدة مؤخرا.تلك الواقعة المفاجئة التي أعادت إلى أذهان الأمريكيين المخاطر الكامنة داخل بلادهم أو ما يسمى في دوائر الاستخبارات بالخلايا النائمة.
يضعنا المشهد الأول من الفيلم في أجواء تلمح إلى التحديات الراهنة،حيث تجري عملية تبادل معتقلين على درجة من الأهمية بين كوريا الشمالية وأمريكا. فتعود عميلة الاستخبارات ايفلين سالت(الممثلة انجلينا جولي) إلى أمريكا بعد ان ذاقت شتى أنواع التعذيب على أيدي الكوريين الشماليين.
في الغضون يعرض مواطن روسي يدعى (اورلوف)على ضباط السي آي اي معلومات خطيرة حول عملية يجري الإعداد لها تهدف إلى قتل الرئيس الروسي الحالي لدى حضوره مراسم تأبين نائب الرئيس الأمريكي.
خلال التحقيق معه يقدم اورلوف معلومة مفاجئة تكون بداية لانطلاق أحداث الفيلم اللاحقة وهي ان من سيقوم بتنفيذ عملية قتل الرئيس الروسي هي عميلة روسية متخفية تدعى ايفلين سالت،الأمر الذي يضطر الأخيرة إلى الهرب بطريقة عجيبة لا يمكن حدوثها حتى في أفلام جاكي شان.كما يهرب الروسي الغامض اورلوف.وفي سياق السرد اللاحق نعرف ان سالت حينما كانت طفلة صغيرة فقدت والديها في حادث سيارة مدبر،واقتيدت من قبل جماعة روسية متطرفة إلى معهد خاص لتلقي فنون العمل الاستخباري والخضوع لغسيل دماغ وتربية نفسية وبدنية قاسية على أيدي خبراء يتزعمهم اورلوف نفسه.
في لاحق الأحداث تنجح سالت في الهرب من قبضة عناصر المخابرات وتكتشف ان زوجها عالم الحشرات الألماني(مارك) قد قتل بشكل غامض. وتبقى متخفية إلى أن يحين موعد تنفيذ المهمة الأكبر.وبحلول درامية لا تترك مجالا للسؤال عن الكيفية التي تجري بها الأمور،تقوم سالت بمحاولة اغتيال الرئيس الروسي خلال مراسم دفن نائب الرئيس الأمريكي،وتسهل للسلطات إلقاء القبض عليها.فيما يبدو زميلها ضابط الاستخبارات تيد وينتر(الممثل ليف شيسربر) عاجزا عن مساعدتها هذه المرة.
وبمهارتها المعتادة تهرب ثانية وتقوم بتصفية العملاء الروس بما فيهم اورلوف بعد ان تتيقن من أنهم وراء حادث مقتل زوجها،الشخص الوحيد الذي أحبها وساعدها في عملية إطلاق سراحها من سجون كوريا الشمالية. خلال ذلك تتأزم العلاقات بين روسيا وأمريكا وكأننا نستعيد أجواء الحرب الباردة ابان أزمة الصواريخ الشهيرة في الستينات.
إلى ذلك يتواصل الإيقاع السريع للأحداث من دون ان يترك للمشاهد فرصة جمع التفاصيل وترتيبها بشكل منطقي.ذلك ان لا منطق صالح للاستيعاب والتصديق في هذا الفيلم إلا منطق سالت ذاتها،الفتاة الجميلة التي أحبت أمريكا في سريرتها مثلما أحبت نشأتها الروسية وبات يصعب عليها جراء تشابك الأحداث إقناع الآخرين بتلك الحقيقة.
ولغرض تحقيق أقصى تشويق ممكن لفيلمه،يحشرنا المخرج فيليب نويس في أروقة البيت الأبيض،وتاليا في الغرفة المحصنة للرئيس الأمريكي التي تشهد هي الأخرى مجزرة دامية تنهي جميع الحراس الشخصيين للرئيس على يد ضابط الاستخبارات تيد الذي يسعى بهوس إلى دفع الرئيس الأمريكي إلى اتخاذ قرار إطلاق الأسلحة النووية الأمريكية لضرب كل من إيران والسعودية وروسيا ومن ثم التسبب باندلاع أزمة عالمية.
وبعد ان يكون على المشاهد تقبل حقيقة ان الرئيس الروسي لم يمت في تلك المحاولة بتدبير من سالت،وان ضابط الاستخبارات النافذ (تيد) كان عميلا روسيا متخفيا هو الآخر يسعى لتخريب البيت الأمريكي من الداخل،تكون اللحظة مناسبة لاندلاع المواجهة الحاسمة بين تيد وسالت التي تمنعه ببراعتها القتالية من قتل الرئيس الأمريكي وإطلاق الرؤوس النووية.
وكما جرت العادة في التقاليد الهوليودية المعهودة يدخر بطل الفيلم الأمريكي حلولا استثنائية حتى وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة،لذا تنجح سالت في تنفيذ كل ما أرادته وتنقذ العالم من كارثة محتمة.الا ان الأطرف في الحكاية كلها،ان ضابط الاستخبارات(بودي)الذي يطارد سالت طوال أحداث الفيلم يقتنع بصواب حججها في حوار لا يستغرق سوى لحظات قصيرة،فيقوم بمساعدتها أخيرا في الهرب من الطائرة التي تقلهما لتواصل مهمتها النبيلة.
يبدو ان المخرج فيليب نويس الذي سبق له ان قدم أفلاما جميلة منها(الأمريكي الهادئ،القديس، الهدوء المميت،جامع العظام) لم يفلح في تقديم معالجة مقنعة رغم الإمكانات والاستعدادات التي استغرقها إنتاج هذا الفيلم.كما ان سفيرة النوايا الحسنة لمفوضية شؤون اللاجئين(انجلينا جولي) في هذا الفيلم لم تضف شيئا مميزا لرصيدها السينمائي أكثر من علامة هوليودية أخرى من علامات سوء النية تجاه الآخر.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية