جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » جماليات


رسائل فان كوخ - الرسالة العشرون


ترجمة: ستار كاووش
نيونن*، منتصف حزيران ١٨٨٤
تَيـَّو العزيز
بعد لوحة المرأة المنشغلة بالغزل التي أرسلتها لك مع رسالتي السابقة، هاأنا أبدأ الآن برسم كبير لهيئة رجل، وأرفق هنا تخطيطاً مصغراً لذلك، ربما تعود بك الذاكرة للدراستين اللتين رسمتهما أيضاً بذات الزاوية والتكوين. قرأت بمتعة فائقة (الأساتذة السابقون) لفرومانتين*،
وهو يعالج في هذا الكتاب الكثير من المواضيع التي تشغلني، مثلما يقترب بشكل ما من الآراء التي نقلها لي بعض الأصدقاء في لاهاي عن إزراييل* حول تناغم الضوء مع الظلام، حيث يقول: عليك أن تبدأ بالدرجات الفاتحة وتصعد سلم الهارموني قليلاً قليلاً نحو التونات الداكنة. أفهم مايقصده هنا، إضافة الى إننا أثناء الرسم علينا أن نحافظ  مثلاً على الأجواء الرمادية المناسبة، وهذه الطريقة في التعامل مع الرسم، تشبه ما يقوم به موف، وذلك مختلف تماماً عما قدمه رويزدال* أو دوبريه في أعمالهما، لكن ماذا عن كورو ودوبنيه*؟؟؟ 
وماينطبق على المنظر الطبيعي ينطبق حتماً على رسم الأشخاص أيضاً، فحين يرسم ازراييل حائطاً أبيض، يكون ذلك الحائط مختلفاً عما يرسمه رينو وفورتوني! وبهذا يظهر الشخص الذي يـُرسَمُ بجانب الجدار مختلفاً أيضاً. بالنسبة لي لا يمكنني تصور ما تقوله عن الأسماء الجديدة* في الفن، أريد أن أرى ذلك بنفسي لأعرف الفرق. وما كتبته لي حول (الانطباعية) شيء مختلف عما تصورته. هناك فكرة تلح عليَّ، وهي إن الفن الجديد يجب أن يأخذ شكلاً آخر، ويمكنني القول أن ما تسمى بالانطباعية ليست واضحة الآن بشكل كامل بالنسبة لي. وبعيداً عن ذلك سـأظل أنظر علـى سبيل المثال لأعمال ازراييل وأرى فيها الكثير من التفاصيل واللون والتقنية التي تغنيني عن الكثير، أرى في أعماله ما هو جديد ويمنحني دافعاً للأمام. يكتب فرومنتين عن رويزدال بأنه أصبح قديماً ولا تصلح تقنياته لهذا الوقت، وإن الفنانين قد تجاوزوه الآن، كذلك هناك الكثير من الرسامين الذين تجاوزوا كابات* وأعماله، ومثال ذلك لوحته التي  في لكسمبورخ. ربما لأن أعمالهما فيها الكثير من البساطة، لكن من ناحية أخرى ألا نحتاج الى هذه البساطة في الفن، أليس بمقدورنا أن نوظفها بشكل صحيح ونضعها في مكانها المناسب؟ وهل بسبب ذلك أصبحت أعمالهما لا تستحق منا التقدير اللائق؟ وهذا ينطبق أيضاً وبكل تأكيد على أعمال ازراييل وديجرو لأنهم أيضاً يعملون على تبسيط المساحات والكتل. إن أعمال هؤلاء تشبه من يقول لك شيئاً بوضوح وبساطة كي يوصل لك الفكرة بدون تزويق وتزيين وزخرفة كلامية، إنهم يقدمون الحقيقة كما هي، ببساطة لكن مليئة بالعمق والتأثير.
أُرفق لك هنا آخر دراسة رسمتها للرجل المسن الذي يغزل، ويمكنك أن تلاحظ كيف يكون اللون الأبيض للخيوط مشعاً حين يكون في الضوء، ومنطفئاً حين يستقر في العتمة. حجم العمل ١٠٥في ٩٥ سم ورسم المرأة التي تغزل ١٠٠ في ٧٥سم، وقد رسمتها بتونات البُني المحروق*، فذلك يمنح الرسم بعض الدفء وكذلك يعطي أحساساً لروح المكان المعتم، سيئ التهوية. لو كان آرتز* هنا لأعتبر المكان قذراً بالتأكيد، وربما الرسم كذلك! لا أفهم يا تيّو كيف أن بعض فناني اليوم ينتقصون أو يشيحوا بوجوههم من استخدام البُني المحروق في الرسم، رغم نتائجه المدهشة. فكم أضفى على الكثير من اللوحات  نعومة وغنى وهيبة. ففي هذا اللون ودرجاته خصوصية وتأثير مذهل، رغم ما يتطلبه من عناء ومشقة في تطويع تناغماته. فهو ببساطة يحتاج لمعالجات مختلفة عن بقية الألوان المتعارف عليها. هناك الكثير من الفنانين يترددون، بل يخشون الدخول في غمار تجارب جديدة، وذلك لأنها لا تحقق النجاح في يومها الأول، وتحتاج الى الصبر وإعادة التجربة. لقد مرَّ على استخدامي لهذا اللون (المادة) سنة واحدة، وقد استخدمته في الرسومات الداخلية في الغالب، ولازلتُ أتذكر كيف جعلني محبطاً في البداية، لكني صرت أنظر مع الوقت لنتائجه الممتعة وتأثيره الجميل.
لديك الآن فرصة كبيرة لتتابع كتب الفن وما يستجد بهذا الخصوص، إن صادفتك كتب جيدة ككتاب فرومنتان مثلاً عن الرسامين الهولنديين أو كتب ومطبوعات أخرى عن الفن وتقنياته، فلا تتردد أرجوك في شرائها وإرسالها لي، وبإمكانك أن تخصم ثمنها مما ترسله لي من نقود. أود حقاً أن اتعلم أكثر فأكثر عن الفن وتقنياته وما يتعلق به من نظريات ومداخلات، فذلك سيسهل عليَّ السير في هذا الطريق، فالفن يحتاج الى أسئلة كثيرة كي يتغير، وحين نكسر اليقين عندها سنصل في الغالب الى الحقيقة والخلاص. ودائماً مانجد ضالتنا هذه في الكتب، لهذا اي كتاب سيكون مهماً، حتى لو اعطاك فكرة أو لمحة سريعة وعابرة عن شيء ما، لكن مع الأسف، فالناس لا تنتبه دائماً للكثير من الاشياء التي تمضي من أمامهم وتبتعد، ففي زمن توريه وبلانك* مثلاً كان هناك الكثير من الكتاب الذين تناولوا أشياء مهمة في كتاباتهم، لكن هذه الأشياء والتفاصيل طواها النسيان الآن.
أردت أن اسألك سؤالاً يتعلق باللون، ماهي درجة اللون السليمة ودرجة اللون المكسورة؟ يمكنك طبعاً أن ترى ذلك في لوحة ما، لكن هل بإستطاعتك أن تشرح لي هنا ماذا يُقصد ب (مكسور)؟ لابد للإنسان أن يعرف هذا الموضوع من الناحية النظرية أو العلمية سواءً كان رساماً أو خبيراً بالفن والالوان. إن القوانين التي تتحكم باللون مدهشة ورائعة بشكل لا يصدق، وتأتي أهمية ذلك لأنه لا يحدث بشكل عشوائي أو بالمصادفة، فالناس لم تعد تهتم او تؤمن بالمعجزات العشوائية، مثلما لم تعد تؤمن بإله خارق يتقافز بنزق من أمر الى آخر. لذلك أرى إن الناس عليهم أو يولوا المزيد من الاحترام والتقدير لمكانة الطبيعة، لا أطالب الناس بتجاهل الثوابت، لكن عليهم أن يتفحصوا الأشياء ويدرسونها جيداً، عليهم أن يتجاوزوا الأفكار البالية بكل شيء بما في ذلك الرسم. سوف لن يتغير الناس ماداموا مواظبين علـى الإنحناء أمام ما يسمونهم بالعباقرة الذين ينتظرون الإلهام لينتجوا أعمالاً عظيمة. ان لا أنكر وجود عباقرة، لكني أرى أن الممارسة والتدريب والمحاولات المستمرة في معرفة تقنيات ونظريات الفن هي التي تؤدي الى الطريق الصحيح. وهذا ما أنشدهُ وأحاول القيام به في لَوحَتَي المرأة الصغيرة اثناء الغزل، والرجل المسن المنشغل بالخيوط البيض، ففي هاتين الدراستين كنت أقرب لنفسي وشخصيتي الفنية من أعمالي السابقة. وبخصوص اللون الأسود، فأنا لم استعمله هنا، لأني حاولت أن اجد تأثيراً أعمق من تأثير الأسود، لهذا لجأت الى درجات اللون الأزرق الغامق مع البني المصفر والأزرق البروسي مع البني المحمر، وهذا بالفعل ما منحني نتائج وتأثيرات أكثر عمقاً وقوة من الأسود الأعتيادي، لذلك حين اسمع البعض يقول إن اللون الاسود غير موجود في الطبيعة، أفكر بأنه يجب أيضاً ان لا يكون موجوداً في الرسم. لكن مع ذلك لا تظن إن المُلَوِّنين الجيدين لا يستخدمون اللون الأسود، فلا حاجة للقول بأنك ما أن تضيف القليل من الأزرق أو الأحمر او الأصفر الى الأسود فأنه يصبح رمادياً. وأظن إن ما كتبه بلانك* في كتابه (فنانو الحاضر) حول معالجات وتقنيات فيلاسكيز كان مهماً جداً ويدعو الى الفضول بهذا الخصوص، وحديثه عن الظل الذي رسمه بدرجات من الرماديات التي لا لون محدد لها، وكيف إنه يمزج الأسود مع الأبيض ليحصل على الرمادي، لكنه يخلط معهما كمية من لون آخر، فينتج لوناً رمادياً جديداً ينسجم مع بقية الوان اللوحة.
يدهشني إنك لا تُقَدِّرَ جول دوبريه* كثيراً كما تمنيت! أقول لك صادقاً بـأني لو شاهدت أعماله من جديد فستبهرني مرة أخرى، وربما أكثر من مشاهدتي الأولى لها، اعتقد أن دوبريه ملوناً أكثر من كورو وزوبيني، رغم أن هذين الأخيرين جريئان جداً في استخدام اللون. أعمال دوبريه تشبه الموسيقى، بل هي سيمفونية مصنوعة من الألوان، إنه يعرف مايريد، يتقن الرسم ويضع كل لمسة في مكانها المناسب، إنه يشبه الى حد بعيد بيتهوفن الذي ينجز موسيقاه بهذه الطريقة البارعة والمحسوبة بعناية فائقة، فهي رغم البساطة التي تغلفها، عميقة بشكل غير محدود، مثل الطبيعة تماماً... وهذا ما اعتقده عنه أيضاً... اقصد عن دوبريه.
أحييك كثيراً وأشد على يدك.
أكتب لي ان كان هناك ما تود قوله.
أخوك المحب فنسنت.

هوامش المترجم:

* نيونن: وهي القرية التي ولد فيها فنسنت وعاش معظم سنوات حياته، وتقع في مقاطعة نورد براباند جنوب هولندا، قرب الحدود البلجيكية، ويتوسطها تمثال برونزي جميل لفنسنت فان غوخ.
* فرومنتان: كاتب ورسام فرنسي (١٨٢٠-١٨٧٦) إهتم برسم الطبيعة، وكان من إوائل الفنانين الذي سافروا الى الجزائر ليصور أجوائها وأهلها في أعماله. تتميز لوحاته بتكوينات مميزة ومهارة كبيرة في إستخدام اللون. كتب حول رحلاته الى الجزائر، ولديه أيضاً مؤلفات حول أساتذة الرسم الهولندي.
* * يوسف ازراييل: رسام هولندي (١٨٢٤-١٩١١) أحد مؤسسي مدرسة لاهاي، تتميز أعماله بمسحة رومانسية، وقد إهتم برسم الاشخاص المنعزلين.
* * ياكوب رويزدال: رسام هولندي (١٦٢٨-١٦٨٢) يعتبر واحداً من أعظم رسامي القرن السابع عشر، ويوضع بمصاف ريمبرانت وفرانس هالس وفيرمير، وقد إهتم برسم المناظر الطبيعية والبحرية.
* * تشارلز دوبنيه: (١٨١٧-١٨٧٨) رسام فرنسي أثر كثيراً على الانطباعيين، حيث كان يرسم أعماله على ضفاف نهر السين. وقد قضى وقتاً طويلاً صحبة الرسام كورو في قارب واحد، وهما يرسمان الطبيعة والتناغمات بين الأشجار والماء.
* * الأسماء الجديدة: يقصد بذلك الانطباعيين أمثال مونية ورينوار وبيسارو وباقي مجموعة الرسامين الذين كانوا وقتها في بداية تحولهم نحو المعالجات الانطباعية وحرية حركة الفرشاة والرقشات السريعة.
* * لويس كابات: رسام فرنسي (١٨١٢-١٨٩٣) سافر الى ايطاليا وتأثر بأجواء الرسم هناك، وعاد الى فرنسا لينتج اعمالاً ألهمت الكثيرين. ورغم المسحة الدينية التي تعلو بعض اعماله إلا انه يعتبر حلقة وصل بين الفن التقليدي والفن الجديد.
* * البُني المحروق: لون بني معتم يقترب من الأسود، مصنوع من مادة القار وبعض المواد الكيميائية العازلة التي تُغطى بها سطوح المنازل.
* * تشارلز بلانك: (١٨١٣-١٨٨٢) أحد نقاد ومنظري ومؤرخي الفن في فرنسا، وقد شغل عدة مناصب رفيعة المستوى، منها مديراً للبوزار ورئيس تحرير الجريدة الرسمية للفنون وأستاذاً لمدرسة العمارة في باريس.
* * أدولف آرتز: رسام هولندي إرتبط بمدرسة لاهاي، رسم حياة صيادي السمك على الساحل الغربي لهولندا، وكانت رسوماته مشرقة ووسط أجواء مشمسة. إهتم بالتفاصيل بما في ذلك حركة الشخصيات والملابس. وقد إقتنى تَيّو شقيق فنسنت بعض أعماله. تلاقي لوحاته إقبالاً وشعبية خاصة في مزادات أمريكا.
* * جوليس دوبريه: رسام فرنسي (١٨١١-١٨٨٩) واحد من أعضاء مدرسة الباربيزون الشهيرة التي اهتمت برسم الريف المفتوح حول قرية باربيزون جنوب باريس، والتي جاء منها إسم المجموعة. إبتدأ بعمله كرسام على البورسلين، ثم تحول الى الرسم الزيتي. تتميز اعماله بالغنائية، ولوحته (الخريف) معروضة الآن في متحف فان غوخ ذاته.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية