جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » جماليات


شيرين نشأت وأزمة الجسد الإيراني


محمود عوّاد
إن استدعاء كاميرا شيرين نشأت إلى طاولة السؤال سوف يُشرع لنـا أبواباً عديدة، تسهل بفتحها محاكاة الآخر، والاطلاع على خفاياه الملتبسة وفق ما شُرع له من قِبل السلطة، ولكونها محــاصرة جسدياً بحكم ما تفترضه سياسة بلدها؛ فقد سعت إلى تحطيم سلاسل الانعزال عن العالم بواسطة جسدها المصوّر؛ ليفصح بما خُبئ فيه من عُقد مُستحدثة،
فما عرفناه عن إيران ما قبل الثورة إنها كانت جسدية بامتياز، وما دمنا بصدد رصد التحول الزمني،  يبدو لي أنها أرادت غسل الجسد الإيراني واستعراضه على حبل غسيل عالمي، وهـذا لا يتحقق إلّا بالفن وحده.. فنزوعها نحو الكاميرا في تشخيصها للمحنة انطلق من رغبتها في إذابة جليد اللغة، وضرورة اعتماد لغة عالمية يَقصص من خلالها الجسد حكايته المُرّة، وأحلامه المُكبلة بتعنت  يُمارس تحت عباءة الشريعة، ههنا يحضر الهاجس الهويّاتي بكل تناقضاته: فإيران بما تحمل مــن ثقافات متنوعة أُجبرت في الآونة الأخيرة على إقصاء جسدها، وتسفيره خارج حدود وظيفته؛ ففرض الشادور ومنع لبس غير المحتشم إعلان صريح باستهداف الجسد،إذ أن حرية اختيار الملبس هي الواصل بين الإنسان و جسده، وفي الوقت عينه يمثل إنتاجًا ثقافيًا بصرياً يضمن للذات استقطاب الشريك الكوني، فكل ثقافة هي خطاب جسـدي صريح، بل إن الثقافة بمجمــلها هي تخطيب للجسد، وهو ما بيّنته الدراسات الإنثربولوجية.
في ضوء هذا  يمكننا القول  بأن كل خـطاب ثقافي هو اجتراح جسد مغاير، همه الوحيد كيفية انفتاح كينونته المعزولة، وهدم شمولية التحقير المستمر المراد منها عزل الإنسان عن مجتمعه، والجسد كلما قُيِّد أكثر فقَد مشروعه الاجتماعي؛ فحتى المواطَنة لا تتحقق من دون جسد، فالمجتمع ينـبثق من الجسد، ومقيد بالجــسد الذي يتشكل بـــدوره بــواقعيات الطبيعة الثانية بحسب كرس شلنج، وأيّ اشتغال على الجسد هو تحريك راكد اجــتماعي بحد ذاته، لكن في ذلك يلزمنا مخيال قادر على أن يُشرع أبوابه على العالم، هذا ما أشار إليه الباحث إبراهيم محمود من أن" صـــوغ الجسد يحتاج إلى جهود تتجاوز صائغه، أو المتـحدث باسمه، إنه الدخول في جسد الآخر".

إن الصعود اللافت الذي حققه الجسد حــــرّض الأنظمة البوليسية على ضرورة الحـدّ من ثقافته، ذلك لإيمانهم بشحناته السحرية وقدرتها على زعزعة الجسدية السياسـية، وهنا نشأت علاقة مباشـرة معه، إما ضمان حميميته أو تحقيره وإذلاله في الحجز والتعذيب، هذا ما استقرأه مشيل فوكو في كتابه" المراقبة والعقاب"، وفي إمعاننا النظر في الطرح الفوكوي نتوصل إلى أن السجـــن هو مكان تمحيصي، الغاية مـن وجوده في حياتنا فلْتَرة الجسد وتخليـصه من طاقته الثورية.وبلـد مثل إيران يُقارب هذه النتيجة تمامًا؛ فحرمان المواطن من حـق التظــاهـر يُجمّد الجسد ويجعله مكبّلاً بخيبة طموحاته المهمشة، وهـذا يشـي بحقيقة مواجهة ما بين الجسد الشعبي وبين جسد المقـدّس الحـكومي، وأقـصى ما تبتغيه سلطات القهر هو تأسيس جسد قطيعيّ تُحفظ بخنوعه هيـبة الجسد السياسي، الذي يسعى دائمًا إلى التعتيم على النشاطات الجسدية المناهضة، من جراء استبعاد الإعلام الخارجي ومنعه من دخول البلد، إنه دليلٌ على خطورة الكاميرا وصدقها في تعاطيها وقضايا الجسد.
ما قدمته الباحثة المصرية مريم وحيد، في كتابها الموسوم "الجسد والسياسة" من قراءة مستفيضة في رصدها للثورة المصرية، يُعضّد هذه الرؤية في تحليلنا للدور الذي لعبته أجـساد" نشأت"، والمــتلقي الفطِن سيجد أنها سعت إلى حل عقدة لسان جسدها المُغــــيّب بالكاميرا، ليُجاهر بمصائبه بحرية تامة، وبذا تكون قد استهدفت يوتوبيا التشريع، ما يجعلها شريكة لفـرنشيسكا وودمان في وقوفها بين حديّن خطيرين هما الجسد والكاميرا، وقفت نشأت متفحصة زوايا المأزق، ومكثــفة من احتكاك جسدها في الكاميرا؛ لرغبتها في استماع العالم لرأيه، وليقـول كلمته الراهنة، وكيف تسير الحياة معه، ربما كان طموحها يكمن في المطالبة بعودة جسدها الحضاري، لكـن بحلّة جديدة هذه المرة، فـكل شيء في الوجود ينطلق من تراث ما يُرى، إلا الجسد؛ إذ يسـعى قدر التمكن إلى الانطلاق مما يعرف، وهــذه مـزية فنية خالصة، يدفعنا نحوها" ايكو" في تناوله لمهمة الفنان المعاصر، وإن وسّعنا النظر بعـين جمالية فاحـصة سنجد أن أهم فنان يملك ديمومة خلود هو الجسد، وأن ما دأب عليه شعب الفراعنة مـن تحنيط للأجساد يؤكد عجز الموت عن تغييب قدرته، بل إن الموت نفسه حاز على رمزية عالية بفضله؛ فمن دون الجسـد يفقد الموت بعده الفني ويُحال إلى اللاشيء.
إن للجسد طاقة فريدة في تأسيس حضـوره على المسـتويات كافة، وفضل هذا يعود لما يمتلك من مؤهلات تضــعه على المحك دومًا، وإن أكثر ما يُدهش في الجسد هو امتلاكه حميمـــية جـمالية، وهي بمثابة لا سلكي يضمن له الاتـصال والتواصل حتى مع المتنافر، فالقــطيعة دلالة عـلى خـرس الجسد، إذ أن الإنسان حتى في موته يبقى متواصلاً مع الآخرين بجسـده، فزيارة قبور الأولياء تأكيد على شحنة الجسد وتأثيره في الموت، أما من يقول بطاقة روح الميت في إدامة التـواصل إنما يسعى إلى تأميم الفكر الافلاطوني بفكرة تلحيد الجسد على أنه قبر للروح. كل هذه دلائل تُشير إلى أهمية دور الجسد في تشكيل وعي الإنسان،حيث إن عملية تنظيم المجتمع ما هي إلا تنظيم للأجسـاد بحسب أحمد زايد.
في الانتقال إلى غاية السلطة من ترويض الجسد واكتساب تأيـيده تتبدى أمامنا حقيقة لابد منها، وهي أن شيرين نشأت عمدت إلى الـتركـيز على الحضوري الأنوثي في أغلب أعمالها، ربما هي تقرّ في دخيلتها بطاقة الجسد الحـوّائي.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية