جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » مراجعات


روايتان لنص واحد


محمد رشيد السعيدي
    تتناول روايتا مهدي عيسى الصقر: امرأة الغائب (دار المدى: 2004)، وبيت على نهر دجلة (دار المدى: 2006)، ظاهرة إنسانية خاصة، من جهة كونها نتيجة الحرب مرة، وتواجدها الفريد في الرواية مرة أخرى، ويمكن اعتبار هاتين الروايتين تطويراً لمشروع المؤلف في التأسيس لرواية مابعد الحرب، منذ (الشاهدة والزنجي: بغداد – 1988)،
وقد أوجد اشتراكهما بالموضوع، وانتماؤهما لجنس سردي واحد، مشتركات أخرى، وربما تؤدي القراءة المتأنية لهما الى إنهما كتابتان لنص واحد، نعم، هما رواية واحدة مكتوبة مرتين، أو هما تناولان فنيان لموضوع واحد، ولم تكن كتابة النص الواحد مرتين استنساخاً، بل – على العكس من ذلك – كانت تطويراً تأليفياً للموضوع، وتسليط الضوء على زواياه الأخرى، بل إن هذه الصفة – كتابة الرواية مرتين – تؤكد القدرة المتميزة للمؤلف، من خلال ملء الفراغات السردية في النص الأول، بالاعتماد على التشابه والتكرار والتناقض، والاستفادة من تعدد الرؤى، بالنسبة لأبطال الرواية، تنويعاً على تعدد الرؤى التأليفية، التي انوجدت بقصدية في الخاتمات الثلاث لـ (إ. غ).
    يبدو أن جنس رواية (أو قصة) مابعد الحرب مشروع رئيس في تأليفات مهدي عيسى الصقر، وقد يكون هو رائد هذا الجنس بالنسبة للسرد العربي، مستفيداً من ثقافته الواسعة، وقراءاته الكثيرة، وإجادته للانكليزية، فضلاً – وهذا هو الأهم – للحساسية الكتابية، أو الموهبة، والانشغال بالهمِّ الفني.
    كانت روايته الأولى (الشاهدة والزنجي) مدخلاً الى هذا الجنس السردي، بغض النظر عن قصصه، ثم تنشر روايتاه (امرأة الغائب) و (بيت على نهر دجلة) في وقت متقارب، وتقومان على موضوع واحد، ومشتركات أخرى رئيسة غير قليلة، أول وأهم تلك المشتركات هي البطولة النسائية، فقد كانت بطلة الشاهدة والزنجي امرأة، أو فتاة، أميّة جاهلة، وفي (إ. غ) و (ب. ع. ن. د) البطولة للنساء أيضاً، وهذا يشير الى قصدية تناول المؤلف للحرب من هذه الزاوية، إذ تكثر الروايات التي تتحدث عن معاناة الرجال في الحرب، الجنود والمقاتلون والمعارك والأسر والتضحية والجبن والشجاعة والخوف وغيرها، لكن تفرد (م. ع. ص) في تناول الموضوع من زاوية تأثير الحرب على المرأة: الزوجة والأم والأخت، قد يبدو انحيازاً الى المرأة!
    هل كان من الأفضل عنونة الرواية الأولى بـ (امرأتي الغائب)؟ لوجود امرأتين للغائب: أمه وزوجته، تجمعهما العلاقة العائلية، القائمة على التعاضد في تحمل أعباء الحياة، والتنافس في إبداء الصبر والوفاء والإيثار، والتذكر الدائم للغائب، بطلة الرواية هي رجاء (ترجو عودة زوجها، فلم تخلُ اختيارات المؤلف لأسماء شخصيات رواياته من قصدية ومن دلالات!) تقضي سنوات الفراق في انتظار عودة زوجها، المفقود في الحرب، وترفض كل ما يمت بصلة الى أي ذَكر آخر، حتى لو كان ابنها، تحافظ على وجود زوجها في كل ما يخصها، فضلا عن سيطرته على مشاعرها، وثمة أم الغائب، تلك التي تنتظر من جهة، ومن جهة أخرى تراقب وفاء زوجة ابنها، ولا تترك شاردة أو واردة بدون التأكيد على أن الغائب حي، وأن انتظاره واجب، وهي تربي حفيدها وتحكي له الحكايات التراثية ذات الدلالات والعلاقات مع حكايتهم، هكذا قدمت الرواية شخصيتين نسائيتين قويتين في الواقع والنص، وفيتين الى درجة إيثار الغائب على الحياة الحاضرة، وثمة على الضفة الأخرى وجدي (الحب أو شدته) الذي يعشق رجاء، وينتظر انتظاراً ايجابياً – اذا كان انتظار رجاء سلبيا – ، مركباً ومناقضاً، فهو ينتظر رجاء، وينتظر عدم عودة زوج رجاء، ينتظر يأسها؛ لتقبل به زوجاً!!
    وفي رواية (ب. ع. ن. د.) ثمة امرأتان للغائب، أيضاً، إحداهما زوجته، التي لا تنتظره، فتتزوج من رجل آخر، هو منصور غانم، الزاخر اسمه برمزية الامتلاك والقوة، ثم تنجب منه، ربما يخدعها وحماتَها، فتتزوج منه، بعد محاولات قليلة تبحث فيها عن زوجها، اشتراك الروايتين بموضوع واحد، ظهر متناقضاً في حالة الزواج من زوج ثانٍ، الرفض في الرواية الأولى والقبول في الثانية، ثم إن الروايتين تهتمان بالمرأة أكثر من اهتمامهما بالرجل، فتمتعت شخصيتا المرأتين في (إ. غ) ببناء متين، وخاصة رجاء، إنها امرأة من طراز خاص، مثلما كانت ساهرة في (ب. ع, ن, د)، البطل امرأة في الروايتين، وهما شخصيتان قويتان، في ذاتهما وفي بنائهما، وعملهما واحد: التدريس، وفي حالة المرأتين ، الزوجة في (ب. ع. ن. د) والأم في (إ. غ)، فإنهما تقومان بدورين مختلفين، لا تبدو الزوجة متفقة مع الحماة غالباً، وصولاً الى زواجها، بينما ثمة تعاضد بين أم الغائب وزوجته.
    في النهايات الثلاث اللاتي وضعهن المؤلف لرواية (إ. غ) ثمة حالة تشترك بها مع الرواية الأخرى، اشتراكاً فنياً، قد يكون تطويراً، أو تنويعاً على لحن أصيل، فغائب (ب. ع. ن. د.) يعود من الأسر في وضع نفسي غير طبيعي، يتفاقم في اعتقاله غير الطبيعي أيضاً من قبل سلطته الوطنية، وفي النهاية الثالثة التي جعلها المؤلف نهايته، تُسرع رجاء باتجاه رجل بقي وحيداً في الساحة، بعد أن ذهبت العوائل بأبنائها العائدين، يبقى هذا وحيداً، لا يعرف شيئاً، ولا يتحدث، فتعتقد رجاء إنه زوجها، وتذهب إليه، ولكن امرأة أخرى تأتي إليه معتقدة أنه زوجها، وزيادة في السخرية ستأتي أخريات للسبب عينه، المشترك في هذا الأمر هو إن العائد في وضع نفسي غير طبيعي، هكذا ستتضاعف المخلفات القاسية للحرب: المنتظرات للوهم، والثمرة غير الشرعية، والفائض عن الحاجة، الحاضر الغائب، المشوه نفسيا!!
    وإذا كانت البطولة في (إ. غ) لزوجة الغائب رجاء، فإنها لأخته ساهرة في (ب. ع. ن. د)، وهي أيضاً مؤمنة بعودة أخيها فانتظرته، في مفارقة قاسية: كانت تنتظر أخاها الآخر، الأسير، ولا تنتظر هذا الذي سُلمت لها شهادة وفاته وما قيل إنها جثته، هي تنتظر سالم الأسير، ويأتيها سعيد المتوفى، في حالة نفسية غير طبيعية، إنه فائض عن الحاجة، لكن الوهم يدفع لانتظاره، مثلما كان الوهم يعمل على الاستفادة من الفائض عن الحاجة في (إ. غ).
    تبدو ظلال الحرب كثيفة على الروايتين، هذا الإحساس العميق بما يحيط بالإنسان من ظروف صعبة، وبالامتحانات القاسية التي يمر بها، فالمؤلف يرى الحرب هي المحنة، والامتحان الأصعب، ويرى في نتائجها خراباً مستشرياً، فهاتان الروايتان مقطوعتان، أي لا حب ولا زواج ولا إنجاب فيهما، ويتضاعف هذا الأمر عندما يكون الزواج في (ب. ع. ن. د) غير شرعي، وله ثمرة: نغل!! هكذا يتلوث الأفق، وتبدو الحياة صعبة التقبل، والمستقبل لاشرعيا!
    هذا الانتباه من المؤلف لمخلفات الحرب يتميز بمنح الدور – في روايتين!! – لامرأة الغائب، كالزوجة المعلقة، التي هي ليست أرملة، فتقرر مستقبلها، أو المتزوجة من الحاضر الغائب، من مخلفات الحروب، إحداهما تزوجت بشكل غير شرعي، وهي لا تعرف إن كانت فعلت الشيء الصحيح أم الخطأ، والثانية لم تتأكد من وفاة زوجها، ولم تتزوج، بل لم تفكر بالزواج لأنها تعتبره خيانة للغائب، وامرأة الغائب يمكن أن تكون أخته وأمه في الوقت عينه، لإضافة أكثر من لون للوحة، ولتبيين أكثر من حالة للمشاعر وللحالات الإنسانية!
    إن (م. ع. ص)، هذا الواقعي جداً، بواقعيته الاجتماعية المتميزة، لا ينسى تخومها، هذه الحالة المستمرة في العراق منذ حوالي ثلاثين عاماً، إذ تتم الإشارة إليها، بل وتتكرر، في الروايتين، ثم توضح باقتضاب، إنه موضوع انقطاع التيار الكهربائي!!
    إن تركيز البطولة على المرأة في الروايتين، تقابله هامشية الرجل، وسلبيته، واعتماده على المرأة، وانهزامه، زوج ساهرة أيضاً كان ضحية حرب، وكان يعاني من عطب نفسي، وأخوها الحاضر الغائب، والطبيب النفساني، وزوج امرأة الغائب، المغتصب، والابن غير الشرعي – في دلالة أن منتجات الحرب هي غير شرعية - في (ب. ع. ن. د)، ووجدي والابن وبائع الشاي والقادم من معسكرات الأسر، المنتظر والمؤمل، على كونه قادما بغيابه! فضلا عن قلة الشخصيات الذكورية، الذي قد يدل على عدم الحاجة!
    تتميز هاتان الروايتان بثلاث ميزات رئيسة: تأسيس جنس رواية مابعد الحرب، والاهتمام بالمرأة، واستثمار متميز لتقنيات الحداثة.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية