جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » ثقافات


لشبونة المتغربة لا تخشى المحيط


ملهم الملائكة
لشبونة مدينة من مرتفعات وتلول، تواجه النهر ثم البحر ثم المحيط، وأحلى ما فيها أنّها عاصمة البرتغال البلد النائي الصغير في أقصى غربي أوروبا وتضم ثلثي سكانه.
ما إن تحط بك الطائرة في مطار لشبونة، حتى ينتابك شعور بأنّ المطار شاسع المساحة بل هو يذكّر بمطار هيثرو في لندن بحجمه. وحين غادرتُ بوابته، أدركت أنّه حقاً بالغ السعة بوجود ترمينالين فيه، ما يتناقض مع فكرة أنني في بلد عدد نفوسه 5 ملايين نسمة، ولكن، أليس مطار الدوحة شاسع المساحة في بلد لا يتجاوز عدد نفوسه 600 ألف نسمة؟
لشبونة تضم ثلثي سكان البرتغال، وهكذا فأنّها بثلاثة ملايين نسمة تتسق ضمن العواصم المليونية (المعروفة اختصارا ب MEGA ).  وتفترش المدينة الهادئة الحالمة، ضفة شمالية لنهر يدعى تاغوس، تجري مياهه بهدوء قادمة من إسبانيا عبر البرتغال غرباً باتجاه المحيط الأطلسي، ليصب في مسطح مائي كبير يسميه البرتغاليون "بحر" فيما يبدو أقرب لخليج يحمي لشبونة والمدن القريبة عليها من صخب المحيط الأطلسي العاصف. ولولا هذا المسطح المائي الكبير، لمزقت مياه الاطلنطي العنيفة مدن البرتغال الصغيرة وسحقت ميناء لشبونة ومرافئه القريبة. يقطع نهر تاغوس جسر يبلغ طوله 17 كيلومتراً، واسموه جسر "فاشكو دي غاما" كما يلفظه البرتغاليون، على اسم الرحالة البرتغالي الشهير الذي اكتشف رأس الرجاء الصالح.
في شوارع لشبونة لا يسعُ المسافر إلا أن يستوحي اسبانيا وشواطئ البحر الأبيض المتوسط، الشمالية والجنوبية. كل شيء له نكهة ايطالية اسبانية شمال افريقية لبنانية سورية. رغم كل هذا فلشبونة مدينة غير متساحلة على الأبيض المتوسط
رائحة الزيتون وزيته، والجبن وعطنه المميز، والنبيذ ومذاقه الفردوسي والتبغ الغليظ القادم من مزارع غربية تفوح في ثنايا المحلات المطلة على أرصفة مرصوفة بالحجر، ومنقوش عليها، بطريقة الآرابسك الأيبيري لما يمكن أن نسميه "سيراميك"، وقد تكون بداية السيراميك من أرصفة شوارع لشبونة، المفروشة بالحجر.
لكنّ لشبونة الدافئة الجميلة، مدينة وعرة صعبة التضاريس، فالعثور على مساحة مستوية فيها يتطلب جهد البحث، ولكي تكمل شوارعها على قدميك، يلزمك عصاً تتوكأ عليها كلما غدرت بك التضاريس، فتحوّل المسطح إلى منخفض حاد، أو مرتفع عنيف مستمر بلا هوادة، وأنت تلهث محاولاً أن توحي لنفسك، إنها بضعة أمتار، وتأتي المساحة المسطحة، فلا تأتي، ويستمر الجهد، حتى تصطدم بالمصعد، وهو ليس مصعداً كهربائيا، بل عجلة ترولي عتيقة غريبة الشكل تتسلق على سكة، لتخلصك من أشد منحدرات المدينة وعورة، لكن عليك أن تدفع نحو 5 دولارات لرحلة طولها دقيقتان.
المباني قديمة في أغلب أنحاء المدينة القديمة القريبة من النهر، وهنا تتركز أغلب الصوامع والكاتدرائيات والمحلات بوجهات ونوافذ وأبواب خشبية، طليت بألوان لها مذاق الماضي الرمادي، فيما يزّين الزجاج الملون شبابيكها.
أحلى الرحلات تأخذك مع شواطئ نهر تاغوس، فمن شماله تبدأ المدينة الجديدة التي انشئت عام 1998 لاستضافة المعرض الدولي المعروف ب Expo '98 والذي استمر ستة أشهر، مما شكل طفرة في تاريخ المعارض التجارية والتقنية الدولية. المعرض جاء مثل عتبة عبرها العالم ليصل إلى الألفية الثالثة. موضوع المعرض كان: "المحيطات كموروث للمستقبل" لكن المحيطات اليوم تختنق بالفضلات. هذا الجزء الكبير من المدينة، يمثل نافذة لمستقبل ممكن، لو اتيح للمدينة ما يكفي من الاستثمارات للعبور إلى المستقبل. ولكن جمال الشوارع والمباني وحداثتها يكاد يمثل تحديا لأجواء المدينة القديمة الغارقة في التراث، وكأنهما تتباريان في الحسن. العمارات العملاقة بواجهات الومنيوم وزجاج أسود عملاق لامع ، تؤكد للمرء أنه في عاصمة غنية حديثة، وتنسيه نكهة المتوسط الغالبة على مناخ المدينة.
بالنسبة لسكان لشبونة، يمثل زلزال  نوفمبر/تشرين الثاني عام 1755، فيصلاً بين عصرين وبين مدينتين، ففي لحظات قتل نحو 100 ألف انسان، واختفت أجزاء كاملة من المدينة، فيما خُربت مساحات شاسعة منها، لدرجة أنّ كثيرين يعتبرون المدينة قد ولدت عام 1756 بعد الزلزال، وهذا مبالغ فيه، لأنّ ملامح ما زالت باقية في المدينة ترجع حتى لعصور الغزو العربي التي بدأت في عام 711 واستمرت حتى عام 1249 حيث انجز استقلال اسبانيا والبرتغال من سلطة الدولة الأموية. البرتغال عرفت آنذاك بتعبير "غرب الأندلس"، وما زالت آثار قليلة شاخصة من تلك المرحلة، خاصة في مدينة ميرتولا، التي ما زالت قائمة فيها مسجد، جرى تحويله إلى كنيسة، بعد عصر الروكوكو.
رغم هذا الموروث العربي الاسلامي القديم، تتميز لشبونة بخلوها شبه التام من أي حضور مهاجر عربي أو اسلامي. فالزائر لا يرى ولا يسمع عرباً، وخاصة من عرب شمالي أفريقيا الذين تعج بهم مدن أسبانيا وفرنسا. أما هنا في لشبونة، فالحجاب والملابس العربية والمساجد والمطاعم والمقاهي ظاهرة متوارية، بشكل ملفت للنظر، وحين تسأل عن الأسباب، تعرف أن الاقتصاد وراء ذلك، فالبرتغال ليست وجهة للمهاجرين واللاجئين، لأنها لا تملك شواطئ على البحر الأبيض المتوسط (حوض الهجرة الأكبر باتجاه القارة العجوز)، ولا تملك فرص عمل واعدة، وليس فيها تشريعات وقوانين تدعم المهاجرين واللاجئين، لذا تبدو نائية تماماً عن مشكلات القارة العجوز المستعصية في الألفية الثالثة.
ويأخذك شارع المدينة المتساحل مع النهر إلى نصب  Padrao dos Descobrimentos المعروف بالعربية بنصب المكتشفات، ضمن الصحن المقدس للقديسة ماريا دي بيليم. النصب يبدو مكرسا لعصر الرحلات في القرن الرابع عشر الميلادي حيث وصل الرحالة البرتغاليون إلى أقاصي العالم.
أغرب ما في المدينة، هو ميدان مصارعة الثيران التاريخي المعروف ب Campo Pequeno Bullring ، والذي لم يبق منه سوى بناية تعود للقرن التاسع عشر وجرى تحديثها عام 2006 لتعرض بضع آثار لتلك الرياضة المقيتة، وتحتها علوة سمك عصرية غريبة، وأسفلهما مول كبير، يضم قطاعا لدور العرض السينمائي وبوتيكات كبيرة تبيع الملابس وكل ما لا يحتاجه الانسان ! البناية تحمل ملامح عربية بأقواسها وقببها الفيروزية، لكن الغريب هو الخلط بين كل هذه الأشياء، متحف وعلوة سمك ومول! والغريب أن التصوير متاح في المتحف، لكنه ممنوع في المول، واخبرني حارس أمن في المول، أن التصوير ممنوع في كل مولات البرتغال؟! وهذا يدفع للسؤال إن كانت المولات مؤسسات عسكرية غامضة يجب حجبها عن عدسات الكاميرات !؟
زرت متحفا للعربات يسجل تاريخ أوروبا لخمسة قرون بعربات ملكية وأميرية خلدها القشتاليون في متاحف فسيحة أنيقة.
ثم جلست أمام برج بيليم Torre Belem وهو أهم ملامح المدينة التاريخية، ومرة أخرى يرتبط بالبحر والمحيط، فهو قلعة استقرت على شاطي نهر تاغوس، لتمثل آخر مبنى حصين يحرس النهر، قبل أن ينتقل الى المسطح المائي لينفتح بلا خوف بعدها على المحيط.
طيلة تجوالي في المدينة العبقة برائحة التاريخ، ما برحت مشاهد من رواية "ليلة لشبونة" للكاتب الألماني إريك ماريا ريماركو تتوارد إلى مخيلتي وتأخذني بعيدا عن تفاصيل الزمكان كما هي، في الحقيقة إن تصوراتنا عن الأشياء تصنعها دائما أخيلة راودتنا عنها، ولو لم أكن قد قرات ما وصفه همنغواي في مطعم ميرامار، بمدينة سليمه، لما تحرك وجداني صوب أميرة الحسن الجالسة على شواطئ المحيط الاطلسي.
وجلست إلى المحيط، طلبت سمكا وجعة وسلطة، فجاءوني بصحن سردين مشوي، لا شميم فيه لرائحة المحيط أو البحر بل رائحة سمك بات في ثلاجة كبيرة! ورافقه صحن طماطم، وكاسة زيتون خرافية المذاق.
الشمس لا تطاق، فتراجعت اتخفى تحت شمسية ملونة، وأرقب المساحة المائية المنفتحة على المحيط والماء يصعد فيها مدّاً تحرّكه ظهيرة برتغالية ربيعية، تخوف أهل المنطقة من دفئها !
النقل والقهوة الغليظة خرافية المذاق أرخص ما في هذه المدينة. وهكذا فقد بقيت اتنقل بالحافلة الصفراء مكشوفة السقف، واقيس أيامي بفناجين قهوة رائعة المذاق رخيصة الثمن. أما الوسيلة الأغرب والأغلى للنقل فهي التوك توك، المزين، الهجين أو الكهربائي أو الذي يشتغل بالبنزين. التنقل فيه جميل وينعش النفس، لكنه مضرّ بالجيب، باهظ الكلفة. أهم ما لفت نظري في خصوصيات التوك توك البرتغالي، إنّ الشبان حين يستأجرون توك توك للحركة، يطلبون أن تكون سائقته امرأة، أما النساء السائحات، فيشترطن أن يكون السائق شابا وسيماً.
فجر اليوم، أغلقتُ لآخر مرة باب البيت الخشبي العتيق زيتوني اللون، في Traveessa da Palmeira No. 7 لأستقل الطائرة عائدا إلى بيتي ببلاد الجرمان، وكل ما في البرتغال قد تخلل مساماتي، وبات خيوطاً في نسيج ذاكرتي التي أترعها السفر.
لشبونة- ربيع 2019



المشاركة السابقة : المشاركة التالية