جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » مراجعات


هل يحتاج الروائي العراقي ورجل الدين إلى الخيال


نوزاد حسن
  اعترف إن عنوان هذا المقال غريب لكنه جوهري ويصف نوعاً محدداً من الكتابة الروائية التي تستند على النزعة العقلية في أقسى صورها وهي نزعة تصنيف الحياة على إنها سطح خارجي على الروائي أن يراقبه جيداً.إذن الكتابة الروائية كما أفهمها لا تخرج عن شعور الكاتب بأنها نوع من السيطرة على كل شيء.
وهذا الشعور يتطور الى مرحلة غير شيقة حين يدخل الوهم كعنصر من عناصر الخلق الفني.ومن المؤسف أن أغلب الكتاب يتّبعون تكنيكاً اسميه بتكنيك "العودة الى الماضي" ومحاولة طرح أفكار عامة يغلفها الروائي بحس فردي غير ناضج وجاف أيضاً. وأنا اعتقد إن أغلب الروائيين العراقيين خانوا روح علي الوردي حين استخدموا العقل كمنظر له القدرة على تشتيت العالم من حوله.ومن هنا أستطيع القول إن عالم الرواية يكشف شيئاً غريباً جداً هو محاولة الروائي إثبات إنه حاضر من خلال كومة أحداث روايته.وهذا التحليل الذي يبدو عاماً يمثل نقطة أولى في فهمنا وتعاملنا مع الرواية التي تستحق هذا الاسم كفن حقيقي قد يعكس سمات أزمة وجودية واضحة.
  لن أقول إن الروائي العراقي يخاف من الخيال.إنه يفضل العودة الى الماضي ويستثمر حدثاً أو مجموعة أحداث يصوغ منها عالماً يسميه رواية تكتشف رمزية ما أو تضفي ضوءاً على الحاضر كما يظن كثير من روائيينا.ومع ذلك فأنا لا أجد مشكلة في تناول الكاتب الروائي أي حدث أو قضية تاريخية في روايته ذلك لأن الهدف من الكتابة ليس تلك الرغبة في تقديم شيء ينشر على إنه رواية بل إن الكتابة تعني كما اعتقد تدريبنا على فهم ذلك الصراع العنيف الذي يحصل في أعماق الروائي,ولا ينتهي إلا بتصفية غامضة يفوز فيها الروائي بخياله على حساب عقله.
  في الواقع لا أود الآن إثارة الحديث عن أهمية الخيال بالنسبة للروائي بوجه خاص,وأهميته للإنسان العادي أيضاً.لقد حاول كولن ولسن أن يعلمنا شيئاً مهماً عن الخيال كممارسة عملية تفيدنا في حياتنا اليومية قال هذا في مقدمة كتابه المعقول واللامعقول في الادب لكن هذا الخيال الذي تحدّث عنه ولسن مهم لكنه ليس درامياً مشتعلاً كحريق غابة.
  لذا لا بد من القول إن العقل ما زال يفرض نفسه على الروائي ويكون الخيال في هذه الحالة تابعاً,وغير فاعل.وعلى هذا الأساس يغوص الروائي العراقي الى الوراء ليكتب عن تفاصيل تعلمنا أن ما حدث سيتكرر وعلينا أن ننتبه.في الواقع هذا ما أفهمه من الرواية التي ترتد الى الوراء في خطوة تراجعية تتطلب خيالاً حقيقياً كي تكون ناجحة.
  أظن إن تلك العودة الى التاريخ قد لا تختلف كثيراً عن طريقة تفكير رجل الذين الذي يستعين بالماضي لأن العقيدة الدينية كانت في يوم من الأيام تقدّم حلولها الأخلاقية للبشر.يحاول رجل الدين أن يفهم الواقع ويكتشفه من خلال التاريخ الإسلامي في عصره الذهبي ويفعل الروائي الشيء ذاته حين يعود الى الوراء لاكتشاف الواقع وفهمه.وفي رأيي الشخصي ، إن كلا الموقفين ليس عيباً او خطأ لكن لا بد أن تكون عودة رجل الدين والروائي عودة تثير أسئلة حقيقية للقارئ.أما إذا كان العقل هو المصفاة التي يخضع لها التاريخ فإن النص سواء أكان بحثاً دينياً أو رواية سيكون مجرد محاولة شخصية تسعى لإقناعنا بما يريده رجل الدين أو الروائي بمعنى لن يكون هناك إثارة تتركنا مندهشين ومدركين لحاجتنا الى معرفة أعمق.
  العودة الى الوراء هي مصدر للدين وللفن لكن هذا المصدر المتنوع أعني التاريخ بكل اتساعه لن يكون مادة حيّة إذا لم يكن الروائي وحتى رجل الدين يعيش أزمة وجودية داخلية.وكما أظن فان رجل الدين يحتاج الى الخيال ليس أقل من احتياج الروائي له ذلك لأن إعادةً أمام اي مثقف مسؤولية أكبر من مجرد تكرار القصص أو إعادة صياغتها سرديا دون إدراك معنى صراع الذات الداخلي.وبلا صراع عميق لا يتوقف لن تجد نصاً له تأثير حقيقي في قارئه.
  الماضي بكل دفئه,بكل تنوعه ليس صفحة نستطيع قراءتها بسرعة دون أن نحسها.ففي الماضي شيء أكبر من الحكاية ومن القصة.في الماضي تكمن روح ساكنة ارشيفية تنتظرنا.نعم في ذلك الماضي الساكن هناك صفحة لكل واحد منا.إنها روح الأرشيف التي لن تتركنا دون أرشفة.وحتى لو نسينا بعد أن نغادر العالم فستظل قوة أرشيف الماضي فاعلة.من هذه النقطة أعني من قوة أرشيف الماضي على الروائي ورجل الدين أن يعيش تجربة وجوده بصدق,وعلى الخيال أن يكون الطاقة البديلة لعمله..الخيال الذي يعطينا تفسيراً لكآبة العقل التي تحاصرنا.
  لكن لماذا لا يعيش الروائي بيننا ويكتب انطلاقا من واقعه المليء بالمحن.أعني لماذا لا  يدرس الكاتب والمثقف كره بورخس للواقع وللعقل.؟لماذا لا يدرس الروائي الجاد العراقي  الفترة الستينية التي كتب فيها نجيب محفوظ أجمل أعماله.؟والأكثر خطورة شعورنا أن هناك معرفة تحاول الذات أن تقول بعض الأشياء دون أن تلتقي بجوهر العالم من حولها.وهذا يعني انعدام الوحدة الخالقة التي تشترك فيها الذات بحفلة العالم القاسية.إنها تجربة الذات التي تواجه مصيرها في كل ثانية فتلمح مصير الأشياء كما هو.هل يعرف العقل أو عقل الرواية العراقية هذا اللقاء بالعالم كما هو.ولعل هذا ما يفسر الهروب الى الماضي سواء في عودة رجل الدين أو الروائي.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية