جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » مراجعات


جنود فات المعاد وغداً ألقاك


( صوت أم كلثوم كان حدائق الحرب والمورفين الذي يقلل من تأثير تأخر الإجازات )
نعيم عبد مهلهل
متى سمع الجنود صوت كوكب الشرق قفزت ظلال حواء الى أجفانهم وكأن الرجل لا يستطيع استحضار ظل أنثى أي كانت الظروف إلا عندما تكون هناك أغنية . وقتها يتحول الجميع حتى الذي لا يقرأ ويكتب الى شعراء بفطرة غريبة تصنعها ملامح الوجوه التي نسيت أن الحرب قد تستطيع في أي لحظة بواسطة شظايا أن تقلب تماماً معادلة الانسجام مع أغنية المذياع ، وبالرغم من هذا كان الجنود يصرون على سماع ما يريدون ويشتهون.
كان الوقت في شتاء عام 1983 . والمكان حوض بنجوين حيث تقع مدينة بنجوين والتي تبعد 96 كم عن مدينة السليمانية .
يعرف جنود ألوية المشاة جيداً جغرافية هذا المكان حيث تبدأ مداخله الشاهقة من جبل هرزلة المطل على مدينة نال باريز وجبل حديد وقمة جبل قاية المقابل تماما لجبال سورين في الجانب الإيراني فيما تمتد رواقم غير بعيدة عن اكتاف الحوض أو غربه وهي تاريار ولاله حمران ومرتفعات كاني بنكه وكاني سبيكه نزولاً الى حوض شاندري وسهل شهرزور الخصب وسيد صادق وحتى السليمانية .
يتموضع جنود الفوج الثالث ــ السرية الأولى ــ لواء المشاة 36 على حواف جبل حديد وهرزلة عندما بدأت بوادر الهجوم الايراني في ذلك الشتاء حين بدأ جنود البسيج يعبرون حقول الألغام سيراً على الأقدام والمراصد الليلية ــ الليزرية شاهدت بعضاً من سيقانهم تتطاير في الهواء.
في هذه الجغرافية صعبة التضاريس والحنين تشتد مواويل الحرب ويطرب الحديد صدى انفلاق القنابل وأزير الرصاص والشظايا ، وحين تهدأ المناوشات أو فورة الهجوم ويهجع الجميع الى هدنة غير معلنة أو متفق عليها يأوي الجنود الى أمكنة أخرى غير الخنادق الشقية وزواغير الرمي ، فأغلبهم يتجه جنوباً ، وحتى يصلوا إليه يهرعون الى المذياع ويتفقدون البطاريات قبل تحريك مؤشره ، ومتى أحسوا إنها مازالت نشطة يشعرون بسعادة وراحة إنهم حتماً سيجدون الصوت الذي يبحثون عنه لتكون أم كلثوم الجسر الذي يوصلهم الى مدن تهتز أسس جدرانها الطينية بسبب تساقط دموع الأمهات في أزمنة انتظارهم وهلعهم من خوف أن يجيء ابنائهم بنعوش وليس بحافلات الريم التي تخصصت بنقل الجنود في الإجازات طوال أيام الحرب.
كل واحد منهم يمتلك شهية سماع الأغنية التي يشعر إنها قريبة الى روحه وذكرياته وغرامه .
يشعر العريف مطر ناصر حبتر من أهالي مدينة العمارة الواقعة في الجنوب السومري وهو أحد أعداد فصيل مدفع الاس بي ج 9. المضاد للدروع ، يشعر أن أغنية ( أنا في انتظارك  ) تفقده توازنه لحظة السماع فهي مثل دجلة يهز موجه كما خصر الراقصات الغجريات اللائي يجلبوهن في مواسم أعراس الصيف ، وكما خصر بائعة القيمر التي كانت تمر بشارعهم راجعة الى قريتها في عمق الأهوار والقريبة من مدينة الكحلاء .
ومتى مرت المعيدية حمدية يكون هو متربصاً من وراء شباك غرفته بيتهم التي تطل على الرصيف وقد شغل لمشيتها الموسيقية اغنية أم كلثوم أنا في انتظارك ، فتسمع ضاحكة ، ولكن الأغنية لا تطربها فهي تريد أن تسمع وحيدة خليل وأغنيتها ( حزنك حزن معدان ).
فيحتج مطر ويقول : حمدية الذي بين أنا في انتظارك وحزن المعدان ، مثل الذي بين كوكب الأرض وزحل؟؟!
تسمع كلمة زحل فتخيلتها زعل فترد عليه : لا تزعل يا مطر ، لم أتعود سوى على صوت وحيدة خليل لأنها تغني لنا وحدنا.
يرد مطر : ولكن أم كلثوم تغني للجميع ؟
ترد : ترد بلسان حال نظرات عينيها وتقول : صوتها حلو ، لكني لا أفهم كلامها مرات .
ــ والموسيقى ؟
ــ نعم موسيقى أغانيها ترد الروح.
الجنود أيضا ارواحهم تعود اليهم في استراحة الليل وكأن كوكب الشرق هي المسافة بين رحمة السماء والملاجئ الضيقة التي يحشرون فيها تعب نهار كامل من التعامل مع النيران والرد عليها ، وانحاء الرؤوس تحاشيا لشظايا مداف الهاون ورصاصات القنص.
ذات ليلة كان في مودة مطر  أن يغفو لما بعد الظهيرة ومعه أمنية أن تكون أغنية السهرة للسيدة هي فات المعاد ، بعد يومين متعبين من المرابضة والحراسة في نقطة الترصد في الحجاب الأيمن للسرية لأن حقل الألغام الذي أمامها داستها أقدام بغلين هربا مذعورين من مقر السرية لأن قنبرة هاون انفجرت قريبة منهما ومزقت فك بغل الذكر واخترقت شظايا بطن البغل الاخر وكان انثى وعلى موعد من انجاب بغل وليد يسكن احشائه.
اتجها بذكر واندفعا الى الأم صوب الحجاب حيث حقل الألغام ثم هويا سوية في الوادي العميقين ليموتا هناك ، وحتى مجيء مفرزة الهندسة لزراعة ألغام بديلة عن الألغام المتفجرة كان على مطر وأربعة جنود حراسة تلك الفتحة خوفاً من ولوج البسيج عبرها مرة أخرى.
ومتى جاءت مفرزة الهندسة وزرعت الألغام سمح لمطر ورفاقه بالعودة الى ملاجئهم ليستريحوا وقد خدمته الصدفة أن الاغنية التي تمنى سماعها كانت هي فات المعاد.
ولكنه بسبب التعب والنعاس ينام في أول دقائق مقتها الموسيقية ، فيما الآخرون غيره من الجنود في الملاجئ القريبة من الذين جزعوا الحرب ويشعرون إنها لا تنتمي إليهم ولاهم ينتمون اليها يفضلون سماع أغنية (( للصبر حدود )) ومثل سير النملة يحركون المؤشر الأحمر للبحث عنها بين المحطات الإذاعية ، فمعها يعيشون لحظة الأمنية للنجاة من محنة هذا الهجوم الذي أبطأ اندفاعه بسبب تساقط كميات كبيرة غير متوقعة من الثلج ، ومتى اطلقوا الاجازات سيعودون الى بيوتهم ،ولكنهم يقررون عدم الالتحاق الى وحداتهم في نهاية الاجازات والهروب من الجيش.
العريف مطر ناصر يحاول دوما الهروب من الأثر الساحر لأغنية السيدة ( للصبر حدود ) كي لا يقع تحت تأثير ما وقع فيه رفاقه الذين بدأوا الهروب من الجيش واحداً بعد الآخر ، ولكنه عندما يحصي الباقي من الجنود يجدهم مثله يؤمنون بقدرية هذه الحرب وشعوره بالعار عند الهروب منها ، ومنهم الجندي الأول ( مارد عايش محميد ) من أهالي قضاء البعاج في بادية الموصل.
يستغرب مطر من أن رفيقه في الفصيل الجندي الأول مارد عايش والذي يعيش في مدينة تنأى في البادية القريبة من الحدود العراقية ــ السورية يهوى سماع أم كلثوم وهو الذي لم تتثقف ذائقة السماع لديه سوى على الأغنيات البدوية والعتابة ؟
فيرد مارد : إن العسكرية جعلته ينتبه لتأثير أم كلثوم على أرواحنا ، وإنه في بيتهم لا يمتلك مذياعاً ولكنه اقتناه هنا ، وطالما كان يبحث فيه عن ربابة المطرب البدوي جبار عكار فلا يجده ، فاضطر يجاري رفاقه في البحث عن أغاني السيدة وبمرور الأيام تولع بصوتها وشعر أن أغاني ام كلثوم مادامت أغاني صاحب الربابة مفقودة هي وحدها من تعيد إليه الحنين الى تلك البادية المفتوحة الاذرع والتي لا تغطيها سوى حقول القمح.
وحين يسأله مطر : كان يعود الى العتابة وليس الى صوت السيدة عندما تنتهي الحرب ويعود الى بيته ؟
يرد مارد : إن أغاني سيرة الحب وفتات الميعاد وأنت عمري التصقن في طبلتي أذنيه وشغاف القلب.

يضحك مطر ويسأل مارد : من أين سمعت بكلمة شغاف القلب؟
يرد : شاعر من أهل الناصرية تعرفت عليه في السرية الثانية أثناء دورية مشتركة أمام الحجابات .
آخر من الجنود سكنته نشوى العشق لأغاني السيدة هو نائب العريف الكردي سواش قادر علي من أهالي مدينة كفري ، وقد طور شغف السماع للأغنيات لغته العربية كثيرا ، وصار في مزاحه إذا أراد أن يرضي جندياً خاصمه لأمر ما يقال له : تعال يا صديقي لا تزعل ، أنت عمري كما تقول السيدة أم ( كلسوم ). فيضحك الجميع حين يسمعوه يقلب الثاء سينا.ً
نشوة سواش وانسجامه مع الأغاني تجعلني اعتقد إنه نسيّ لغته الأصلية ، وعندما يقرأ شعوري يرد :
نحن لا نملك مثلها في تراثنا الكردي ، وربما أغنيات حسن زيرك تصنع نشوتها في أرواحنا ولكنها يغنيها بسرعة كبيرة ، أما السيدة فأنها تعتني بلحظتك تماماً ، تمنحك بمقدار ما تتمنى وتريد من اللحظات التي تعيشها.
أشعر بسعادة إن (أنت عمري) طوّرت من علاقة سواش ببقية الجنود وجعلته يناقشهم ويقلل من انكسار الحروف في لهجته ، الى اليوم الذي صار فيه يلفظ اسم السيدة دون أن تكون الثاء سيناً.
ذات اليوم سكنت الرغبة قلب هذا الكردي الطيب ليسمع ملهمته الجديدة بالرغم من إنه في ساعة الواجب التي كلفه فيها رئيس عرفاء السرية ليترصد جنوداً في التلة البعيدة عبر الوادي وقد انزلتهم عجلات كبيرة وبدأوا يبنون استحكامات ويضعون أسلاكاً شائكة أمام خندق شقيّ حفروه ، وربما يكون هذا نقطة إدامة وشروع لتعرض جديد الذي توقف بسبب هطول الثلج الذي بدأت تذيبه الشمس الدافئة والتي بدأت تنشر مساحات ضوء ساطع على كل القمم والسفوح والأودية .
في تلك الظهيرة الباردة مثل مرايا بدون قبلات تتبادل أمامها بلحظات غرام أزرق ، وعندما كانت إذاعة الإمارات تبث أغنية السيدة ( شمس الأصيل ) .
كنت في باب الملجأ اشاهد نشوة سواش مع أول عزف كما في مقدمة هذه الأغنية ، وقبل أن يصل الى نقطة الرصد ناديت عليه :الى أين ياسواش .هل بطنك توجعك.
رد ضاحكاً : بطني لا ..بس شوقي لسماع السيدة من يؤلمني . ومن يؤلمه شوقه ، حتماً روحه تؤلمه. لهذا سارع لأجلب المذياع معي الى نقطة الرصد . أعرف أن رئيس عرفاء السرية لن يقبل بهذا . لأن الأغنية ستبعدني عن التركيز في الترصد.ولكن هذه الأغنية العقاب من أجلها هين.
دخل سواش ملجئه بلحظة ومعه المذياع وفي تلك اللحظة سقطت قذيفة هاون ومزقت بعض شظاياها أمكنة متعددة في جسده ، والمميتة منها كانت في رأسه وأسكتته الى الابد.
لم يعد سواش يسمع الآن ، لقد حملناه بنعش الى مدينته كفري زكم تمنيت ان اكون انا المأمور الذي يوصله الى بيته وفي الطريق سأتدبر (كاسيتاً) لأغنية شمس الأصيل ليسمعها براحته طوال المسافة بين بيته ومقر سريتنا حيث شيعته دموعنا وصدى موسيقى تلك الأغنية.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية