جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » مراجعات


تاتو ماركيز


محمد رشيد السعيدي
ثمة صور، أو أنماط متعددة، للعلاقة الحميمة، تمّ تقديمها في الرواية العالمية، منها ما يدور في فلك الإثارة، ومنها ما يتعلق بالماسوشية أو السادية في رواية (إحدى عشرة دقيقة) لكويلو مثلاً، ومنها تنويعات على معزوفة الحب، وثمة صور وألوان أخرى.
قدم أميل زولا الجنس طبيعيا، على أنه الحب مكشوفا،
في روايته (الأرض) وفي غيرها، وكولن ولسون تعامل معه بنوع من الاستكشاف العلمي في روايته (إله المتاهة)، أما مورافيا فقد اقترب من التفسير الفرويدي للتاريخ، في روايتيه (السأم) و (الانتباه)، وكانت هذه العلاقة وتبعاتها محوراً وموضوعاً متكرراً في كثير من أعماله السردية، وانوجد هذا الموضوع في عدد من الروايات العربية والعراقية، منها الصورة العنيفة في رواية (موسم الهجرة الى الشمال) للطيب صالح، والمؤسِّسة لرمزية العلاقة بين المستعمر (بكسر الميم) والمستعمر (بفتح الميم)، وتشبهها تلك التي وردت في رواية (عندما تستيقظ الرائحة) لدنى غالي، في صورة نمطية للعلاقة بين الشرق والغرب، ينتصر فيها المقموع على القامع، من خلال كون الأول ذكراً يمارس العلاقة الحميمة بعنف ومكللة بمشاعر الانتصار مع القامع الذي تمثله الأنثى في الرواية، وما ورد من صورة مكثفة للجنس في رواية (الياطر) لحنا مينا كانت أقرب للبدائية، وربما تقترب من الصورة التي وردت في رواية (زوربا) لنيكوس كازانتزاكي، ميزات مختلفة، وصور متعددة، تتعلق برؤى، بعض تلك الروايات احتوت على ألوان جديدة، وأخريات خلت منها، لفعل قديم قدم البشرية، ومكتوب عنه بأشكال وطرق ورؤى كثيرة، وفي مدونات لا تحصى.
    ربما تكون الصور المدهشة والمبتكرة والمتخيلة، هي التي رسمها غابرييل غارسيا ماركيز في عدد من رواياته وقصصه، ومن أهم ما ورد في تلك الصور هو ختمه، أو وسمه، بالتاتو، في روايته مدهشة المعمار (مائة عام من العزلة)، المنشورة بالاسبانية عام 1967، والتي تعرفنا عليها بعد حصول مؤلفها على جائزة نوبل عام 1982، في تلك الرواية ورد مشهد حميمي لا ينسى، لريادته وفرادته وتميزه، ربما كان خيال ماركيز هو الذي ابتدعه، فقد ملَّ بطلا المشهد من التكرار في علاقتهما الحميمة، لم تعد تنوعاتها التي مارساها كافية للإثارة والإشباع، فاحتاجا الى التجديد من خلال البحث عن شيء لم يفعلاه سابقاً، وربما لم يفعله غيرهما، فلم يتعلماه من أحد، بل كان من بنات خيالهما، فطليا جسديهما بالشكولاته، وصارا يلعقانها كلٌّ من على جسد الآخر، التاتو هنا يؤدي وظيفتين، الجمالية والغريزية، نوع من مضاعفة للشهوات!
    وقد احتوت روايته (الحب في زمن الكوليرا)، والتي هي عبارة عن أنشودة في الغرام، على عدد غير قليل من قصص الحب ومشاهده، بما تتميز به من فرادة وسخرية وتناقض، غالبا هي تخص المهووس بالحب فلورنتينو اريثا، وقليل منها يتعلق بالدكتور الملتزم اجتماعيا خوفينال اوربينو، وبزوجته فيرمينا داثا، الأقطاب الثلاثة مثلوا صورا متعددة للحب الحسي، حتى أن مجنون فيرمينا ينتظر حبيبته أكثر من نصف قرن، حتى يتوفى زوجها، يتقدم الى محبوبته، في مشهد صادم، إذ تخدش شيخوخة البطلين صورة الجمال في لقاء العشق، ويصرح لها، أو يعترف، بأنه لم يخنها طيلة الفترة التي عاشت فيها مع زوجها، في مفارقة قائمة على السخرية، والتناقض، والكذب المفضوح، لأنه كانت مشهوراً في مدينته بكثرة العلاقات النسائية في فترة الانتظار عينها، وتجريب أنواع من النساء، وأشكال من الممارسات، المليئة بالغرابة والسحرية والفرادة، من مثل اغتصابه من قبل امرأة! نعم، امرأة أفقدته عذريته، فاجأته، ومارست معه الجنس، في غرفته على ظهر المركب، بدون أن يتعرف عليها، وربما تكون هذه التجربة هي التي أنست البطل وفاءه، فتناساه وعذريته، وتفنن في اختيار خليلاته، وفي ممارساته معهن، منها انه رسم سهماً من أسفل سرة إحداهن باتجاه عضوها، وكتب عليه هذه اليمامة لي، رسم ذلك التاتو بالبويه، الصبغ الذي تطلى به الجدران، والذي لا يزول بالماء، فتنساه الغبية، ليراه زوجها.. فيقتلها.
    التاتو المرسوم بالبويه، في تلك المنطقة الحساسة من جسد المرأة، والذي ربما كان من مخترعات مخيال ماركيز، هو مرحلة وسطى بين الوشم الذي عرفته البشرية منذ أزمان بعيدة، وكانت النسوة يتجملن به في ما يظهر من أجسادهن كالوجه وظاهر الكفين والقدمين والرسغ والساق، أو ما لا يظهر، وكان يرسم بشيء من القسوة والألم، بإدخال الرماد تحت الجلد، وبين الوشم الذي اخترعته فنون الموضة الحديثة، منتشراً بين النساء، وفي مناطق مختلفة من أجسادهن، وبين بعض الرجال أيضاً، وبطرق أقرب لتاتو ماركيز، بالطلي والتلوين.
19/ 3/ 2019



المشاركة السابقة : المشاركة التالية