جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » جماليات


رسائل فان كوخ - الرسالة الثانية والعشرون


ترجمة: ستار كاووش
أنتفيربن، ٢٨ تشرين الثاني ١٨٨٥
تَيـّو العزيز
أردتُ أن اكتب لك إنطباعاتي عن معالم وأجواء مدينة أنتفيربن* حيث بدأتُ بترتيب أوضاعي هنا. في هذا الصباح قمتُ بجولة كاملة في المدينة للتعرف على تفاصيلها ومحاولة الانسجام معها. كذلك مرّرت على مكتب الجمارك لإستلام حاجياتي التي شحنتها قبل مجيئي. مرّرتُ بالكثير من المخازن والمستودعات التي إصطفت بجانب بعضها على هيئة خط طويل، أسير وأتأمل ذلك على مهل،
فيبدو كل شيء يثير الفضول. تجولتُ بإتجاهات متعددة وأنا أتنفس رائحة المكان وأتحسس ألوانه وتفاصيل موجوداته، أتوقفُ هنا عند حوض تصليح السفن، وأتكئ هناك على حافات الأرصفة التي إبتلَّت بماء البحر. ياله من تباين غريب تشعر به هنا وأنت تتجول وسط كل هذا، وخاصة لشخص مثلي قضى فترته الأخيرة بين خضرة الريف وهدوء الفلاحين وسكينة الحقول التي تغفو بوجه السماء المفتوحة. ومع هذا التباين أشعر بالحيرة والتشويش أزاء الامكنة واختلافاتها. هناك كلمة شهيرة يرددها دي جونكورت* (أشياء يابانية الى الأبد)، نعم هذه المراسي ايضاً تشبه قطع يابانية الـى أبعد درجة، انها غريبة وفريدة ومؤثرة. كم أود أن تتجول معي هنا لترى بنفسك شكل المدينة وتفاصيلها، الناس هنا أكثر تنوعاً مما ظننته، أما الماء والسفن التي تتداخل أشرعتها الضخمة فهي الشيء الأساس هنا والكل يدور حولها، يغطي ذلك سماء رمادية خفيفة وناعمة. لكن يبقى توصيف (الاشياء اليابانية) يشغلني هنا، وأقصد هذه الأشكال التي تتحرك في كل الاتجاهات، وتنعكس عليها تباينات عديدة غير متوقعة ومن تلقاء نفسها، ففجأة يظهر لك وأنت تتجول، حصان أبيض يقف هادئاً على تربة رطبة بمحاذاة جدران أحالها سخام السفن الى لون أسود، وفي الزاوية المقابلة رُصَّتْ مجموعة من صناديق البضائع الداكنة، وقد غُطي قسم منها بمشمع لامع. في هذه الإنعطافة لا ترى سوى تأثير الأسود والأبيض وما بينهما من تدرجات رمادية.
في نهاية الشارع إستقريتُ بعض الوقت في مشرب انجليزي قديم بهيئته التقليدية الأنيقة، وعبر النافذة رأيت سفينة ترسو وهي محملة بسلع تبدو نادرة، من ضمنها جلود مختلفة وقرون جواميس برية، يقوم بتفريغها عتالي الميناء ذوي القامات الضخمة، يساعدهم الكثير من البحارة الأجانب. وبينما أنا منهمك بالنظر الى هذه التفاصيل، لمحتُ أمام زجاج النافذة فتاة إنجليزية شقراء في غاية الرقة والأناقة، كأنها تبحث عن شيء أو شخص ما، وقد انسجمت هيئتها في الخارج وتناغمت مع تصميم وأثاث البار، وبين كل هذا لمحتُ إنعكاس السماء الفضية اللامعة فوق قرون الجواميس المعتمة. وكي تعرف التضاد الذي حدثتك عنه، فمقابل هذه الفتاة الناعمة يقفُ مجموعة من البحارة الفلامنكيون* بوجوههم الحمراء الداكنة التي لوحتها الشمس، وسواعدهم المفتولة ومناكبهم العريضة (أنتفيربيون حد النخاع) يتمايلون وهم يأكلون المحار ويشربون البيرة، ويصدرون جلبة وضجيجاً يملأ المكان، وفجأة تخطر إمرأة ضئيلة الحجم، بشعرها الأسود ويديها الناعمتين الملتصقتين على جسدها ووجهها البيضوي الصغير بلونه الأسمر المصفر، تنسل بهدوء ورويّة بين الجدران الكالحة، وعند وصولها الى مكان الجلبة، ترفع طرف عينيها الفاحمتين بخفة وتسترق النظر بطريقة مائلة نحو هؤلاء العمالقة الأفظاظ، إنها فتاة صينية صغيرة وغامضة، يالها من مسكينة هذه الفأرة الصغيرة وسط هؤلاء الفلامنكيين الوحوش آكلي المحار. هنا تبدو أشكال الناس أصغر حجماً وهم يمرون عبر شوارع ضيقة محاطة ببنايات شاهقة، فضلاً عن المستودعات والمتاجر الكبيرة، وترى من خلال الشارع كيف إصطفت مشارب البيرة بكل تنوعها وتباين مصادرها واختلاف اصناف الناس فيها. والمكان لا يخلو طبعاً من المطاعم التي انتشرت على طاولاتها الأكلات البحرية، ومن خلال هذه التفاصيل تلوح ملابس البحارة وهي ترفرف على واجهات بعض المحال بـألوانها الصاخبة وكأنها ترحب بالزبائن.
الشارع الرئيس هنا طويل ومليء بالتفاصيل والأحداث الأصيلة، فبين لحظة وأخرى يتناهى الى السمع بعض العويل، لتعرف ان هناك شجاراً بين البحارة، أحاول ان أمضي في طريقي قدماً فيزداد صراخ مشجعي العراك وبطرق تتناغم وتتقاطع مع بعضها. أتجاوز هذه الجلبة قليلاً، ليداهمني كتف بحار صغير السن دفعته إمرأة تواً وهي تطرده من باب المبغى، ليلحق به رجل بدين غاضب يحاول إستعادة بعض النقود منه، الرجل البدين يسير مترنحاً وهو يتلفت يميناً ويساراً، وقد إلتحق خلفه طابور من الفتيات يحاولن معرفة مجريات الامور، بينما حاول البحار الشاب التخلص منهم، فتعثَّرَ بكومة من أكياس البضائع قبل ان يقفز من خلال نافذة أحد المتاجر ويختفي.
وبعد أن أصبحت هذه الضوضاء خلف ظهري، بانت لي المراسي من جديد، حيث ترسوا سفن الهارفيتش والهافر، ليصبح مركز المدينة ورائي تماماً، وتظهر لي مراعٍ مفتوحة ومترامية الأطراف، كانت كئيبة ويعلو الماء مساحات واسعة منها، وهناك ظهر زورق صغير وحيد، تحتضنه المياه الرمادية وتغطيه السماء الضبابية الباردة، المكان صامتٌ وفيه الكثير من الغياب مثل الصحراء. في الميناء عادة ما يجد المرء تفاصيل وألوان وحركة أكثر من أي مكان آخر، وهناك تفاصيل تفوق في تأثيرها جمال أسيجة الريف التي يصنعها الفلاحون من الشجيرات الصغيرة. هنا لا يكف المرء عن النظر ولا يجد الراحة ولا التوقف من متابعة التفاصيل. في كل الأحوال أرى لكل مكان  خصوصيته، فحتى الأماكن الخالية بإمكانها أن تمنحنا الكثير من الخيال والحكمة والتفكير بالتفاصيل كما فعل ذلك مولز* على سبيل المثال. التنوع مهم، وهو الذي يرينا التضاد بين الأشياء والناس ومن خلال ذلك تمنحنا التفاصيل تأثيرها، فحين ترى فتاة جميلة وجذابة وموفورة الصحة تنعكس لديك صورة للبراءة والإخلاص، بينما حين تظهر لك هيئة مخيفة وتبدو خبيثة مثل ضبع، فإن هذا سيعكس لك صورة غير مريحة ومن الصعب التوافق معها، ومثال ذلك أيضاً الوجوه التي رأيتها وقد غزاها الجدري وأصبح لونها كلون (الجمبري) المسلوق، عيون رمادية شاحبة وحواجب لم يتبق منها شيء وشعر زيتي يتساقط بلونه الباهت الذي يشبه إصفرار شعر الخنازير في اسكندنافيا.
سيكون رائعاً أن أعمل هنا، لكن كيف، وفي أي مكان بالضبط؟ فالمرء ربما يواجه الكثير من المشاكل وسط هذا الزحام. عموماً لقد تجولت في أغلب الشوارع والأزقة والممرات دون أية صعوبة تذكر، وفوق هذا جالستُ بسهولة بعض الفتيات وتحدثتُ معهن، حتى خلنَني بحاراً، لذا ليس من الصعب العثور هنا على موديلات للرسم، سواء هذه الفتيات أو غيرهن. إستلمتُ اليوم أغراضي وأدوات الرسم التي إنتظرتها بشغف كبير، وبهذا أصبح المرسم جاهزاً، فقط احتاج الى موديلات غير مكلفة مادياً لأبدأ العمل. ولن أتردد بجعل الأمور الباقية تسير على مايرام. ربما هناك حسنة واحدة لعدم توفر نقود كافية، وهي أن أُجبر نفسي للبحث عن حلول مناسبة بدلاً من دفع ثمن الموديل. الأمر هنا يختلف عن الريف، والمبالغ التي تدفع للموديل في هذه المدينة ووسط هذه المناخات ينتج عنها أعمالاً جيدة، أي إنها لا تذهب هكذا دون قيمة. والشيء الأكيد والواضح هنا هو أن أنتفيربن مكان مذهل ومثالي لأي رسام. مرسمي الصغير هنا صار بمرور الساعات أكثر أُلفة، وخاصة بعد أن ثبَّتُ على الجدران مجموعة من المطبوعات اليابانية، إنها ممتعة فعلاً، هل تتذكرها؟ تلك النساء الناعمات الجميلات، لقد حدثتك سابقاً عنهن وعن الحدائق وضفاف الانهار والزهور والأغصان الشوكية المتعرجة*.
أحاول الاسترخاء هنا والانسجام مع فكرة السفر، وارجو أن أجد ما يمكن أن أقوم به هذا الشتاء، وما يطمئنني أكثر هو حصولي على هذه الزاوية، أنا الذي أستطيع التلاؤم والعيش حتى مع أسـوأ الظروف، وسـأحسب حسابي الى أن الترف لن يفتح لي ذراعيه في القريب العاجل. حاول أن ترسل رسالتك في بداية الشهر، لأن الخبز الذي بحوزتي سيكفيني لذلك الوقت. والآن بعد أن استلمتُ رسوماتي الثلاثة، فسأحملها وأذهب الى تجار اللوحات الذي عرفتُ بأنهم يقومون بذلك في بيوتهم وليس من خلال متاجر فنية تطل واجهاتها على الشوارع. حسناً ياتيو، لم امر بصعوبات حتى هذه اللحظة، أنا ومكان سكني بخير بعد أن حصلتُ على مدفئة قديمة ومصباح مقابل بضعة فرنكات، سأجد ما يناسبني ولن أضجر بسهولة، تأكد من ذلك. لقد عثرت على عدد اكتوبر من مجلة ليرميت وفيها لوحة لنساء في حقل البطاطس مساءً، يالها من مدهشة. لم احصل بعد على عدد نوفمبر، لقد إطلعتُ ايضاً على مجلة فيغارو، وفيها تخطيطاً رائعاً لروفائيلي. يبدو غريباً أن أرى رسوماتي الملونة أكثر عتمة هنا مما هي عليه في الريف، ربما جاء هذا بسبب ضوء المدينة غير النقي، عموماً أرى الأختلاف واضحاً وقد ادهشني هذا الامر! ومن هذا إستنتجت أن الرسومات التي لديك ربما تظهر لك أكثر قتامة مما بدت لي حين رسمتها في الريف، عموماً سأتفحص الرسومات الباقية التي تمثل الطاحونة وأشجار الشارع في الخريف والحياة الصامتة وبعض الدراسات الأخرى. تعرف أن عنواني هو: ١٩٤ شارع ديس إيماج، أرسل رسائلك عليه، كذلك لا تنسى الجزء الثاني من كتاب دي جونكورد عندما تنتهي من قراءته.
أشد على يدك مع كل محبتي
أخوك المحب
فنسنت

هوامش المترجم:

* أنتفيربن: مدينة بلجيكية  قريبة من جنوب هولندا، عاش فيها فنسنت بعض الوقت قبل إكمال طريقه الى باريس. وتعتبر أنتفيربن إحدى المدن الثقافية المهمة، وهي ثاني أهم مدينة في بلجيكا بعد العاصمة بروكسل، ويتحدث سكانها اللغة الهولندية.
* * دي جونكورت: أدموند دي جونكورت (١٨٢٢-١٨٩٦) كاتب وناقد فرنسي، وهو مؤسس أكاديمية جونكورت، وهناك جائزة أدبية مرموقة بإسمه منحت لشخصيات عديدة منها مارسيل بروست وسيمون دي بوفوار وغيرهما. سيرة حياته هو وشقيقه جول جونكورت تكشف الكثير من جوانب الحياة الاجتماعية والثقافية في باريس القرن التاسع عشر.
* *الفلامنكيون: هم سكان النصف الشمالي من بلجيكا والمحاذي لهولندا، ولغتهم الرسمية هي الهولندية ويسمى هذا الجزء من بلجيكا احياناً بلجيكا الهولندية، في حين يتحدث الجزء الجنوبي المحاذي لفرنسا اللغة الفرنسية (بلجيكا ليس لديها لغة بلجيكية).
* * روبرت مولز: رسام بلجيكي ولد في انتفيربن (١٨٤٨-١٩٠٣) ساهم برسم بانوراما كبيرة هناك، واهتم برسم المناظر البحرية وبشاعرية كبيرة، وقد حصل على الكثير من التقدير والجوائز لما قدمه من فن رفيع المستوى.
* * المطبوعات اليابانية تعتبر من أكثر مصادر إلهام فنسنت، لقد أحبها وتعلق بها كثيراً، وظهر تأثيرها في كل أعماله تقريباً.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية