جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » جماليات


الأصول الشعبية للسينما الطليعية


ترجمة صلاح سرميني
الأرض مرئية من السماء
في الفيلم التسجيلي القصير "مانهاتن"، المُنجز في عام 1921، يسعى الرسام "تشارلز شيلر"، والمُصور "بول ستراند" إلى نزع طبيعة التجربة البصرية للفيلم من خلال استغلال عمودية المدينة الحديثة، ومنها نيويورك التي تظهر كنموذجٍ نمطيّ.
تمّ تصوير الفيلم في لقطاتٍ ثابتة، وفي الغالب، من زوايا علوية،
وتسمح معمارية ناطحات السحاب بالتساؤل عن الأسبقية البصرية للجانب الأفقيّ في معالجة المشهد الحضري، وفي نفس حالة اضطراب محور التكوين الذي يعمل عليه "لازلو موهولي ناجي" في أوروبا، وذلك باقتراح استخدام الكاميرا الفوتوغرافية، أو السينمائية ليس من أجل أن تحلّ مكان النظرة البشرية، ولكن بهدف إنتاج "رؤية جديدة" من خلال ربط الكاميرا بالطائرة، وقريباً بالصاروخ، وهكذا تصبح النظرة البشرية غير محدودة، تلتقط كلّ الاتجاهات، وتجربة غير مسبوقة للفضاء المُتحرر من الجاذبية، وفكرة الحجم.
"مانهاتن" هو اقتباس ترنيمة لمدينة حديثة لـ "والت ويتمان" من مجموعة "أوراق العشب"، تمّ عرضه في باريس عام 1921 تحت عنوان Fumées de New York (دخان نيويورك) خلال الأمسية الشهيرة Coeur à barbe (قلبٌ بلحية) التي نظمّها "تريستان تزارا"، ويُعتبر أحياناً أول فيلم طليعيّ في الولايات المتحدة.
وفي نفست الفكرة، "إيرني جير" مخرجٌ أمريكيّ طليعيّ مؤثرٌ، ومجدد، بدأ بإنجاز الأفلام في الستينيّات، وكرسّه عمله بسرعةٍ كواحدٍ من الشخصيات الرئيسية في تطوير السينما الجديدة.
في نوفمبر من عام 2011 نُشر مقالٌ عن عمله في صحيفة نيويورك تايم بعنوان
No Blockbusters, just Mind Expanders
ويبدو بأنه ينطبق على أفلامه الأولى مثل فيلمه الأيقوني Serene Velocity (سرعة هادئة) عام 1970، و Side/Walk/Shuttle (جانب/مشي/مكوك) عام 1991
ولكن أيضاً أعماله الرقمية الأخيرة، وفيها تُعتبر الشخصية المهووسة بالصور الفوتوغرافية، والسياحة الحضرية جوانب من بيئتنا المُعاصرة.

الأرض مسطّحة

في وقتٍ مبكرٍّ من عام 1896، عندما سمح التقدم التقنيّ باستخدام المُعدات المحمولة، غادر المصورون المساحات الضيقة للاستوديوهات، وتحت تأثير تلك الحالة الطارئة، تعهدوا بوضع قائمة جرد مصورة للكوكب، وجلبوا معهم "لقطاتٍ" من جميع أنحاء العالم.
في الأفلام الأولى المُتعلقة بتيمة السفر، ومع اكتشاف الآخر، تعلّمت السينما التعرّف على قوتها، وتأثيراتها، واكتشفت نفسها بنفسها، في شكلٍ انعكاسيّ، كما الحال في المرآة، ولكن، إذا كانت حركة الكاميرا المُسمّاة "ترافلينغ" هي الشكل الأسلوبيّ الأصليّ للسفر، فهي أيضاً فكرة تناظرية لتدفق الشريط نفسه في الكاميرا، ومن ثمّ جهاز العرض، حيث تستدير، وتُعيد نشر نفسها في شكل رؤية.
مع تعدد الرحلات، وتسريع الانتقالات التي أنتجتها التكنولوجيا الحديثة، وجد الانتقال في الفضاء بشكل تلقائي في العملية الفيلمية نوعاً من الأسطورة الأصلية، بحيث أنه من خلال إنتاج صور للبعيد، لم يفعل المخرجون في وصف ما رأوه، إلاّ العودة باستمرار إلى نظرتهم الخاصة.
يتكوّن فيلم (Opening the Nineteenth Century : 1896) إنتاج عام 1990 وإخراج "كين جاكوبس" من ثلاث حركات كاميرا أنجزت  في أواخر القرن التاسع عشر في باريس، والقاهرة، والبندقية بالقطار، وقارب شراعيّ، وجندول عن طريق ثلاثة من مصوري "الأخوين لوميير".
يبدو الفيلم مثل مرآة، حيث يعود إلى الوراء بدءاً من منتصفه، وفي مكانٍ محدد يُشار إليه بواسطة صورة فوتوغرافية حمراء، وهي تشير أيضاً إلى اللحظة التي يجب على المتفرج أن يضع أمام عينه اليمنى  مرشحاً بلاستيكياً يمسك به أمام عينه اليسرى (أو العكس)، وذلك بهدف إنتاج إحساس بالعمق، وصورةً مُجسّمة (تأثير Pulfrich).

المدينة الحديثة

في نهاية القرن التاسع عشر، أدى افتتاح خطوط الترام، والمترو الأولى إلى تسريع وتيرة الانتقالات، بينما حوّل تركيب شبكة الإنارة الليل إلى نهار ثاني متناقض.
في المدينة الحديثة، أيّ المدينة التي وصلتها الكهرباء، ظهرت السينما في نفس الفترة، وعلى الفور عكست خصائصها كما في مرآة.
إن السرعة التي يتحرك بها المٌتجول العصريّ في الفضاء الحضريّ، ويمنحه نوعاً من الوجود في كل مكان، يجد معادلاً له في التسلسل السريع للصور التي يخلقها المونتاج، ومثلما قضبان المترو، أو الترام التي تُرّكب عليها الكاميرا تظهر بمثابة استعارة بصرية للتدفق الميكانيكي، والمُنتظم لشريط الفيلم، وتصبح الإضاءة الكهربائية بمثابة استعاراتٍ للعرض: في الليل، تتقلص المباني، والشوارع إلى نقاطٍ مضيئة، وتندمج الهياكل المعمارية، والأشكال، والنقوش في نفس نظام العلامات المُشّعة التي تتألق في الليل الحضريّ كما تُومض الصور على الشاشة في ظلام الصالة.
الفيلم التجريبي القصير "ألعاب الانعكاسات، والسرعة"(6 دقائق) الذي أنجزه "هنري شوميت" خلال الأعوام 1923-1925، يُحوّل باريس العشرينيّات إلى سيمفونيةٍ ديناميكية عن طريق مضاعفة آثار الانعكاسات، والإيقاعات، والتأطير غير المُنتظم للصورة، هنا تضاعف سينما/عين الكاميرا من إمكانيات العين البشرية.
بدوره، "يوجن ديسلو"، مخرجٌ تجريبيٌّ من أصلٍ أوكرانيّ، مع فيلمه Nuits électriques (ليالي كهربائية) أنجز قصيدة سينمائية.
على خلفية سماء الليل، يُثبّت على الشريط أضواء باريس، وبراغ، ولندن، وبرلين، ويصوّر العلامات التجارية البراقة، وواجهات المحلات المُضيئة، ويلعب بالأنوار، يجعلها تُومض، ويعكسها، ويطبع صورة فوق صورة قبل التسجيل، مثل دقة الأضواء الكهربائية للمدينة التي تتحول إلى ألعابٍ نارية مذهلة.

تحوّلات المظاهر، والأشكال

قبل أن تصبح، في العقد الأول من القرن العشرين، انعكاساً، أو ازدواجاً للعالم، ظهرت السينما، بشكلٍ سريع، كأداةٍ تمنح القدرة على تجاوز الواقع.
كانت أول التأثيرات المُستخدمة، والأكثر شيوعاً، ما سوف نُسمّيها "سينما السحرة"، وهي حركة التحريك صورةً صورة، والتي من خلال تداخل صورتين مختلفتين، تُنتج الوهم بتحويل شخصيةٍ إلى أخرى. 
يُقال بأنّ "جورج ميلييس" اكتشف هذا التأثير بفضل حادثة تعرضت لها الكاميرا عندما توقفت عن الدوران للحظة، بينما كان يُصوّر ساحة الكونكورد، وكانت النتيجة عند العرض، سيارة تتحول إلى حافلة.
مع هذا التأثير من التحوّل، سوف يمنح جيلٌ من صُناع السينما/السحرة مسحةً أسطورية: راقصات يتحولن إلى جنيّات، أو حوريات، أو آلهة، وتحدث هذه التحوّلات غالباً في سحابةٍ من الدخان، وهي بالآن ذاته العلامة، ومكان التحوّل.
وهكذا، سوف يرث الفيلم الطليعيّ هذا التساؤل حول حالة الشكل، ويمكن العثور على أصله البعيد في "تحوّلات أوفيد"، حيث بدءاً من سيناريو أسطوريّ، يحمل تاريخاً لا نهاية له لعدم استقرار الحالات، والهيئات.
بالنسبة للسينما التجريبية، كما في الأفلام الأولى من تاريخ السينما، لم يُستخدم الفيلم من أجل إعادة إنتاج الأجسام، ولكن بالأحرى من أجل تحويلها.
كان (TUSALAVA) أول فيلم قصير، 10 دقائق، أنجزه "لين لي" عام 1927، ويُعتبر واحداً من الأفلام الرائدة في الرسوم المتحركة التجريبية.
أراد أن يثير مخلوقاتٍ لم يسبق لها مثيل، وجذبته تقنية الرسوم المتحركة، لأنها تسمح بحرية تامة مع الصور، وهكذا أنتج مع هذا الفيلم مزيجاً رائعاً يجمع ما بين الفن القبلي، والفن الحديث، وجلبت الأشكال البدائية، والعضوية نوعاً جديداً، مما جعله من كلاسيكيات سينما التحريك.
بدوره، يعتبر (A man and his dog out for air) ، فيلم تحريكيّ قصير (3 دقائق)، وإنتاج عام 1957 أحد أفضل أفلام الرسوم المتحركة لـ"روبيرت برير"، واكثرها شهرةً، وسهولةً في التذوق، حيث تتقاطع الخطوط، وتقطع على سطح الشاشة، كما لو أنها تريد أن تصبح أشكالاً، بينما نسمع الأصوات "من خارج إطار الصورة" من خلال شريط الصوت، وفي النهاية، تلتقي الخطوط  أخيراً، لتكوين التوضيح اللحظي لعنوان الفيلم.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية