جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » زمان ومكان


ذات "سيارة مسرعة" في بغداد


علي عبد الأمير عجام
في خريف العام 1990، كانت بغداد تطوي المسافات سريعاً نحو الخوف التام، فقد كشّر العالم عن أنيابه، متوعداً كل شيء في العراق بالمحو والتدمير عقاباً لجريمة غزو الكويت واحتلالها، وكنت شخصياً، كما كثيرين من جيلي، أطوي المسافات سريعاً نحو قدري. سيارة مسرعة تأخذني من بيتي الشخصي المبدد إلى الثكنة العسكرية، ومن هذه إلى بيت أخي قاسم، ومنه إلى بيت صديقي إبراهيم الموسوي حيث البحث عن فرصة ما تبدو أخيرة، لسماع ما اعتدناه من أغنيات وألحان.
وفي سيارة الموسوي السريعة كنا نستمع، والأسى المبكر يغمرنا، لشريط نقلت إليه أسطوانة المغنية الأميركية السمراء، تريسي تشابمان، وحملت اسم المغنية عنواناً لها، وكانت الأولى في سيرتها الفنية. في أغنيات تلك الإسطوانة لا تتردد تشابمان عن الإقتراب من المضمون الاجتماعي الذي اعتبره الكثيرون ما يثقل الأغنية أو يعطيها صفة التبشير بقضية سياسية. إنها كانت تزيد من ذلك الإقتراب فتغني "الحديث عن الثورة"، وتقدم لنا إيقاعات لاذعة أخرى في تلك الأغنية ونجد صفة (الاختلاف) لا في المفردات حسب، بل في إيقاع آخر تماماً غير ما اعتدنا الإستماع إليه من موجات الموسيقى الغربية المعاصرة، وحين تحاول هذه الفتاة الشريدة والحالمة الركون إلى ذاتها عبر صورة شخصية ترسمها للقاء رجل تحبه، تثير شجبنا بضربات على الغيتار وبكلام قد لا نعثر عليه في أغنيات من قبل:                                                                           
"لديك سيارة سريعة / ولدي بطاقة للذهاب لأي مكان/ قد نعمل اتفاقا/ ومعا نصل لمكان ما/ الذي يبدأ من نقطة الصفر لا شيء لديه كي يخسره/ قد لا يعني ذلك لك شيئا/ وأنا لا شيء عندي أكثر من هذا يستحق البرهنة عليه/ لديك سيارة سريعة/ وحين تأخذني من مكان عملي/ حيث آلة حساب النقود في متجر/ ستطير بي ...     
خذني بعيداً ولنخلف أضواء المدينة/ ذراعاك ستكون حنونة حين تضم أكتافي/ فيما ستسرع سيارتك أكثر حد انها تطير بنا/ فأما نموت أو نحيا بسماجة هكذا".
كانت أغنية "فاست كار/ سيارة مسرعة" مناسبة لحالنا، أغنية عن الإغتراب الانساني، كالمضمون العميق الذي جاءت عليه كلمات أغنية أخرى ضمتها الإسطوانة ذاتها:
"لماذا يجوع الأطفال/ فيما يتوفر من الغذاء ما يكفي لإطعام العالم
لماذا الكثير منا/ يعانون من الوحدة
لماذا تسمى الصواريخ بأنها حامية السلام/ فيما هدفها الوحيد هو القتل
لماذا الكثير من نسائنا/ لايشعرن بالأمان في البيوت ..."
هذا نموذج من الكلام الذي تختاره تريسي تشابمان، وتضع له من موهبتها ما يناسبه من اللحن، وترسله الينا في أغنياتها، وبصوتها المتهدج الذي يفيض بالشجن نتعرف على أسلوب من الغناء الآخر، الغناء الذي يعتمد موضوعة التعبير عن الإغتراب الانساني وبشتى صوره: الألم، كبت الحريات، الكوارث، التفرقة العنصرية. وذلك المزيج من المشاعر، لا تنسى المغنية ان تدركه بفسحة خاصة للحب، على الرغم من ندرته، هذا هو عالم تريسي تشابمان، التي عرفت في أكثر من مناسبة خلال الأعوام الثلاثة ما بين 1988-1991، كالإحتفال الخاص بالمناضل الأفريقي نيلسون مانديلا وبمناسبة عيد ميلاده، أو أغنيتها عن ضحايا (الأيدز)، وغالبا ما تظهر هذه المغنية على قارعة الطرق الأميركية وعند مداخل المدن، تحمل غيتارها لتوقّع إيقاعاتها ألحانها اللاذعة.
أغنياتها شهدت إقبالاً من الناس أينما حلت، وتعرفوا من خلالها على وقائع مدهشة حاولت (الصرعات) الموسيقية والثقافية السائدة تغييبها في هالات من أنوار صناعة النجم الموسيقي، كذلك فإن هذه المغنية بسحنتها الدكناء لم تقترب من أحلام الشهرة عبر تغييرات المظهر والإثارة، بل احتفظت بملامح المغني الشريد، وعلى شفتيه تتألق كلمات تظهر الحقيقة ... وإذ تضع المغنية تلك الأسئلة – التي اخترنا منها المقطع أعلاه – وعبر أغنيتها "لماذا"، تقول لاحقا تصورها المدهش عن الكيفية التي يسجل فيها شهود العصر على وقائعه العنيفة طريقتهم في الإجابة على تلك الأسئلة:   

"سيأتي الوقت الذي يزيل فيه العميان
من تسبب في عماهم
والذين لم ينطقوا
سينطقون بالحقيقة"
وحين نواصل الاستماع إلى أغنيات تريسي تشابمان، سنتوقف بالتأكيد عند أغنية هي بالأحرى ترنيمة صوت شجية حملت عنوان "خلف الجدار"، حيث تتداعى مخاوف امرأة لوحدها، تسمع ليلاً وقع أقدام زاحفة خلف جدار بيتها، فتحاول الاتصال بالشرطة لكنها تتراجع حين سيتكرر ذات المشهد، فالشرطة تصل دائما متأخرة إن حضرت، والاحتمال الأكبر هو عدم حضورها!!                                                                                           

أرى روحي .... فأرى ذاتي
وحين تودعنا هذه المغنية مع آخر أغنيات مجموعتها الأولى بأغنية عنوانها "جبال الأشياء"، فيها مقطع عن الحلم وما يمنحه من قوة روحية لمواجهة الوقائع القاسية، فهي تكاد تضعنا في مدخل مناسب لأجواء مجموعتها الغنائية الثانية "طرق متقاطعة" التي أصدرتها العام 1989، وفي الأغنية التي أعارت المجموعة عنوانها، تردد تريسي تشابمان، مقطعاً فيه معنى للتضحية لأجل جوهر نظيف في الروح كي تبقى بعيدة عن الجحيم، وهي بذلك تكون قد "رأت روحها ورأت ذاتها".
كما تظل تردد وتردد، يظهر شريط الأغنية المصور على الفيديو، مجموعة لقطات تعزز المشاهد التي حاولت المغنية التركيز عليها، فهناك طرقات ترتسم عليها آثار عجلات، بينما على قارعته يجلس إنسان نحيل علًق على صدره يافطة حملت الاشارة لكونه أحد ضحايا (الأيدز)، فيما يتحرك بهدوء رجل أسود في مواجهة درجات تصعد نحو بناية عالية. هي أيضاً "مصائر متقاطعة "، ونقاط مكثفة لمشهد يفيض بالاغتراب، وكل ذلك في بقعة (الحلم الأميركي). وأغنياتها التالية مثل "الحرية الآن" و "عالم مادي" لا تبتعد عن موضوعتها الأثيرة، الإنسان الممزق بين وقائع مضطربة ولكنها تظل بعيدة عن ملل التكرار اعتماداً على تنوع الألحان التي تستطيع صياغتها موهبة هذه المغنية.                                                                       
وتظل هذه الرحلة مع عالم (تريسي تشابمان) ناقصة دون العودة الى الأغنيات واقتنائها وقضاء وقت شيق معها.                                                                             
وهي قبل أن تودعنا في آخر اغنيات مجموعتها الثانية تقدم لنا صورة عن مصير لا يزال يندفع إليه الشاب الزنجي وبنسبة عالية ألا وهي "ولد كي يقاتل"، فثمة جبروت عليه أن يجتازه يتمثل في قوة النظام الذي يحاول أن يدفع بالانسان نحو هامش يراه محدداً له. 
                                                                             
شؤون القلب المتعب وشجونه
مجموعة أغنياتها لعام 1992، لا يمكن وصفها بأنها تشبه ما سبق ولا يمكن كذلك اعتبارها مختلفة تمام الاختلاف. إن ألحانها في العمل الجديد حينها، تشبه الإيقاعات الشعبية الموقعة على الغيتار، والتي عرف بها مثلا (روي بيتان) الذي يعزف مع فرقة (بروس سبرنجستين) المغني المعروف، وقد احتاجت تريسي ثلاث سنوات منذ مجموعتها الثانية لتنتج مجموعة الأغنيات الجديدة، وتضمنت ما يمكن اعتباره أغنيات تهتم بقضايا شخصية واخرى تهتم بالوعي والقضايا الاجتماعية، فأغنية (بانغ، بانغ، بانغ) تعنى بموضوعة زيادة حالات العنف بين الشباب، إذ تقول:         
فيما لو وجد نفسه
انعكاساً مباشراً لما نحن عليه
بانغ.. بانغ.. بانغ (انفجار)
فسيطلق النار علينا أيضاً
فيما النهايات حزينة حتى في أغنياتها الشخصية العاطفية، فهي تقول في الأغنية التي حملت عنوان المجموعة (ماترس أوف ذا هيرت/ شؤون القلب):                                         
"حماقاتي.. هذا ما أصنعه
في كل ما يتعلق بشؤون قلبي"
وفي مداعبة لوعيها الشخصي والإجتماعي معا، تغني في مجموعتها الجديدة، أغنية بعنوان (فيما لو كانت هذه هي الأشياء):                                                       
"لا أملك سوى الكوابيس
أستيقظ على أرديتي الباردة
هل فسدت حياتي؟
كل شيء أصبح مقيتاً بالنسبة لي واشمئز منه
لماذا لم أعد أحلم مرة أخرى"



المشاركة السابقة : المشاركة التالية