جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » جماليات


ستينيو المسرح (يحيى بابان) و(جليل القيسي)


سامي عبد الحميد
في الخمسينيات من القرن العشرين وبطريق الصدفة قرأت في مجلة (الآداب) اللبنانية نصاً مسرحياً لكاتبه (جيان) وهو الأسم المستعار للأديب العراقي المهاجر (يحيى عبد المجيد بابان)
وقد خصصت جريدة (المدى) لأدبه ملحقاً أسبوعياً عرفت القرّاء بذلك الروائي العراقي الطليعي والذي لم نكن نعرف عنه شيئاً  سوى إنه نال عن مسرحيته (المقاتلون) جائزة المجلة اللبنانية، أعجبت بالنص وهو يتعرض إلى الثورة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي وبطلها مناضل جزائري يعيش في باريس مع صديقته الفرنسية التي تشجعه على الالتحاق بالثوار في جبال الأوراس وعرضت فكرة إخراج (المقاتلون) على إدارة فرقة المسرح الحديث فرحبت بالفكرة ولم تستطع أن تعرض المسرحية إلا عند قيام النظام الجمهوري عام 1959 حيث كنا نعتقد أن المسرحية ستمنع أيام العهد الملكي لكونها تتعرض لثورة شعب ضد سلطة حاكمة مستبدة.
وبوقتها أخترت الراحلة (ناهدة الرماح) لتُمثّل أمامي دور الفتاة الفرنسية ومثلت أنا نفسي دور المقاتل الجزائري واخترت الفنان الراحل (إسماعيل الشيخلي) ليصمم لي مناظر المسرحية وتمّ تقديمها على مسرح قاعة الملك فيصل الثاني (قاعة الشعب حالياً) . كان عرض تلك المسرحية أول مساهمة فنية عراقية في دعم الثورة الجزائرية.
قبل ذلك وفي عام 1958 قدم (نادي الاتحاد) في مدينة البصرة مسرحية أخرى لجيان بعنوان (المنتفخون في البيت) أخرجها الراحل (توفيق البصري). كما أن تلفزيون بغداد عرض لجيان مسرحية (الخبز المسموم) وكنا نتمنى أن يستمر (يحيى بابان) في عطائه المسرحي الطليعي ولكنه أضطر إلى مغادرة العراق عند قيام أنقلاب شباط عام 1963 درءاً للمخاطر التي قد تتعرض لها حياته كونه من الأدباء التقدميين.
وعن طريق الصدفة أيضاً وقع بين يدي أحد منشورات (دار العودة) اللبنانية أيضاً . (وكانت تلك المنشورات ممنوعة من الدخول إلى العراق بعد عام 1963) بعنوان (جيفارا عاد أفتحوا الأبواب) وهي مسرحية كتبها الأديب والروائي الراحل (جليل القيسي) مع مجموعة من المسرحيات الأخرى إحتواها ذلك الكتاب وبوقتها لم نعرف شيئاً عن ذلك الأديب الطليعي وتبين بعد حين إنه من رواد كتابة القصة القصيرة والرواية الحديثة . وتبين من قراءتي لنصوصه المسرحية أن أسلوبه البناء الدرامي والحوار لا يقل ابداعاً عن أسلوب أي كاتب مسرحي غربي متقدم وإن موضوعات تلك النصوص كلها تتطرق إلى قضايا الشعوب التي تناضل ضد الاستعمار والاحتلال واستلاب الحقوق ، فبالأضافة إلى مسرحيته عن ذلك الثوري العظيم (جيفارا) احتوى الكتاب المشار إليه نصوصاً مسرحية مثل (غرقوا في رائحة الظلمة) و(التدريب على تحطيم القناني الفارغة) و(ها نحن نتعرى) و(نجنسكي ساعة زواجه بالرب) وأثار هذا النص الأخير استغرابي لكونه يتعرض إلى الأيام الأخيرة من حياة راقص الباليه الروسي الشهير (نجنسكي)الذي تعرض لاضطهاد السلطات النازية وتوفي مقهوراً في أحدى القرى السويسرية فكيف تعرف به (القيسي) ذلك الذي كان منزوياً في كركوك مدينة الذهب الأسود.
قمت بإخراج (جيفارا عاد افتحوا الأبواب) لفرقة المسرح الفني الحديث بداية عام 1970 وفي مسرح بغداد وقام الممثل الراحل (عبد الجبار كاظم) بدور (جيفاراً) وبعد أن شاهد (جليل القيسي) عرض المسرحية عاد إلى كركوك وأرسل لي نصاً مسرحياً من تأليفه لا يحمل عنواناً وترك لي تسمية العنوان فكان (جد عنواناً لهذه التمثيلية) ويتعرض نص المسرحية لأحداث عبور الجيش المصري إلى سيناء منتصراً على الجيش الأسرائيلي عام 1974 حيث تبين أن ذلك العبور مجرد تمثيلية لغرض إقامة الصلح بين مصر وإسرائيل حيث راح الشهداء من المقاتلين المصريين يتساءلون عن جدوى استشهادهم.
بعد ذلك أصبح نتاج (جليل القيسي) المسرحي معروضاً في الوسط المسرحي حيث تصدى مخرجون مختلفون لأخراج نصوصه المسرحية ومنهم كان (عزيز خيون) وصدرت لجليل القيسي مجموعات مسرحية قصيرة في الأعوام (1979 و 1988 و 1990) وكنا نتمنى أن يستمر (القيسي) في عطائه المسرحي إلا أن المنيّة كانت له بالمرصاد وراح تاركاً وراءه حصيلة أدبية فريدة في نوعها .



المشاركة السابقة : المشاركة التالية