جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » جماليات


أحداث أيار 1968.. والسينما الفرنسية


ترجمة صلاح سرميني
وُلد مشروع "أحداث أيار 1968، والسينما الفرنسية" من اكتشاف ملف أعمال "الاجتماعات العامة للسينما الفرنسية" التي عُثر عليها في إطار بحثٍ وثائقيّ حول أيار 68، والفنّ السابع، في أرشيفات المركز الوطني للسينما، وهو ملفٌ ضخمٌ يتضمّن ملخصاتٍ مفصلة للمشروعات الـ 19 التي طورتها مجموعات العمل المختلفة.
من هذا الاكتشاف الجميل، انبثقت عدة أسئلة حول أيام النقاش الحادة تلك، كيف حدثت تلك الاجتماعات العامة؟ في أيّ سياق؟ من ماذا بالضبط تكونت؟ في الأجواء الثورية في ذلك الوقت، كيف كان ينظر إلى السينما من قبل؟ من يصنعها؟ وماذا كان تأثير الانعكاسات التي حدثت في السنوات التالية؟
رداً على ذلك، أجرى المركز الوطني للسينما سلسلةً من المقابلات المتقاطعة مع شهود عظماء في ذلك الوقت، ومع الجيل الفرنسي الشاب الذي سأل بعد 50 سنة، ما الذي بقي منها؟

وقائع قضية "هنري لانجلوا"
9 شباط 1968: في ذلك اليوم أرسل "أندريه مالرو"، وزير الشؤون الثقافية، عتاباً لـ"هنري لانجلوا"، أحد أهمّ المُؤسّسين التاريخيّين للسينماتك الفرنسية، بحجة سوء إدارته، وأقاله من منصبه، واستبدله بـ"بيير باربان"، وكان وقتذاك مدير مهرجانيّن سينمائيين في مدينتيّ تور، وآنسي، وفوراً انطلقت احتجاجاتٍ قوية من طرف شخصيات السينما الفرنسية، والأجنبية.
16 شباط 1968: تمّ إنشاء لجنة للدفاع عن السينماتك، ودعم "هنري لانجلوا"، وكان من بين أعضائها: فرانسوا تروفو، جان لوك جودار، وجاك ريفيت.
كما تمّ تنظيم تظاهرة لصالح "هنري لانجلوا في مقرّ السينماتك، شارك فيها السياسيّ "دانيال كون- بينديت".
25 شباط 1968: في الجمعية الوطنية الفرنسية، وصف رئيس الجمهورية "فرانسوا ميتران" عزل "لانجلوا" من منصبه بالصدمة.
22 نيسان 1968: تحت الضغوطات المختلفة، أعاد "أندريه مالرو" تعيين "هنري لانجلوا" الذي تأكدت مهامه كمدير للسينماتك .
قامت الجمعية العمومية للسينماتك الفرنسية بتحريرها من إشراف الدولة، وترتب على ذلك تقليل إعاناتها بشكلٍ كبير.
نيسان 1968: بعد قضية "هنري لانجلوا"، عاد أرشيف الفيلم إلى سيطرة الدولة.

الاجتماعات العامة للسينما الفرنسية
16 أيار 1968 : أضرب طلاب معهد الدراسات السينمائية المتقدمة (IDHEC)، وقرروا احتلال المعهد لدعم الطلاب المتظاهرين في الحيّ اللاتيني.
17 أيار 1968: وحدّت نقابة العاملين في الأفلام (C.G.T) جهودها مع "لجنة العمل الثوريّ للسينما والتلفزيون" (التي أنشأتها مجلة دفاتر السينما) للدعوة إلى إضرابٍ مفتوح في القطاع السمعي/البصري. في ذلك المساء نفسه، نشأت الاجتماعات العامة للسينما الفرنسية في معهد الدراسات السينمائية المتقدمة، حيث انعقد اجتماع من التقنيين، وطلبة المعهد، وشارك فيه طاقم تحرير مجلة دفاتر السينما بالتفكير في طريقة جديدة لإنجاز، وإنتاج، وتوزيع الأفلام، ورغبة منها بتحرير نفسها من الهياكل القديمة، قررت الجمعية فوراً إلغاء المركز الوطني للسينما، وامتيازاته.
17-27 أيار 1968:  خلال المناقشات طُرحت عدة مرات فكرة حرق المركز الوطني للسينما، ولكن لمّ يتمّ تنفيذها أبداً.
28  أيار 1968 : خلال تلك الليلة، تمّ تقديم 19 مشروعاً تلك التي تمّ تطويرها خلال مناقشات الأيام السابقة في المركز الثقافي لباريس الغربية في سورين.
5  حزيران 1968: بتأثير نهاية المفاوضات بين النقابات، وأرباب العمل في صناعة السينما، أنهت الاجتماعات العامة نهاية الحركة.
كانون الأول 1968: قدمت الجمعية المُنبثقة عن الاجتماعات العامة بيان "السينما في خدمة الثورة".

من أجل وجه آخر للفن السابع
كان شهر أيار 1968 لحظة سموّ للشعب الفرنسيّ بأكمله، الفعل، وانفجار الأفكار، والوعيّ، وتحدي نظام اجتماعي فقد صلاحيته مع القيّم التي تدعمه، والإرادة لتدمير الهياكل الاقتصادية المتخلفة، وإتهام النظام، هذا ما حدث بالضبط في ذلك الشهر.
كانت الاجتماعات العامة للسينما في كيانٍ اجتماعيّ مميّز عاش في حالةٍ من عدم اليقين، والوحدة، تعبيراً عن تلك الموجة الهائلة، والنفحة العظيمة من الحرية، والكرم التي انطلقت من الكليات، والمصانع.
في تلك الفترة، كان إنتاج السينما في فرنسا، وعرضها، واستهلاكها يتمّ في ظروفٍ من العبودية الناتجة عن نظام رأسماليّ تحميه هيئات خاضعة لسيطرة الدولة.
وهكذا انطلقت الاجتماعات العامة للسينما الفرنسية من فكرة ضرورة أن يبدأ أيّ تحرير للسينما، وإنشاء هياكل جديدة، بتدمير الهياكل القديمة.
بتوافقها تماماً مع سياق الغليان الفكري، والثوري لشهر أيار عام 68، أظهرت الاجتماعات العامة للسينما طموحاً قوياً، تجسّد بتحويل شكل الفن السابع الفرنسي، ليس فقط ظاهرياً، ولكن من أعلى إلى أسفل.
في الفترة من 17 أيار إلى 5 حزبران 1968، كانت المدرسة الوطنية للتصوير، والسينما، ومن ثمّ مسرح سورين، وأخيراً مدرج جامعة السوربون، أمكنةً لمناقشاتٍ مكثفة، جمعت حوالي 1300 من المحترفين، أصحاب صالاتٍ سينمائية، مخرجون (شابرول، ليلوش، ريفيت، مال، موكي، جيرو، غاريل...)، موزعون، نقاد، منتجون، ممثلون، تقنيون جاؤوا معاً لتشكيل وجه "سينما الغد".
بعد أسابيع قليلة من "قضية هنري لانغلوا"، ومهرجان كان السينمائي على وشك التوقف، وقبل إطلاق الإضراب بفترةٍ وجيزة في الاستوديوهات، والمختبرات، ودور السينما، تحرك الوسط، وفكر، يريد التدمير ثمّ إعادة البناء.
في الخلفية، هدفٌ واضح، وصريح، وبدون استئناف: يجب إصلاح تنظيم السينما الفرنسية جذرياً، سينما الأمس التي تعاملت مع الأفلام على أنها "سلع"، كانت تتميز أساساً بـ "البحث عن الربح"، متجاهلة تماماً "القيمة العميقة" للأعمال.
الإنتاج، التوزيع، البرمجة، الاستثمار، العرض: لا شيء على ما يرام، كلّ شيء يخضع للمنطق الرأسمالي، الفاسد بواسطة الاحتكارات (الدولة ...)، والمنحرفة.
تأكدت بوضوحٍ الرغبة بإلغاء المركز الوطني للسينما، وضرورة أن تظهر هياكل جديدة.

ثلاثة مبادئ رئيسة
بدافعٍ من الرغبة في إضفاء الطابع الديمقراطيّ على السينما في فرنسا، وضعت مجموعات العمل التابعة للاجتماعات العامة للسينما الفرنسية 19 مشروعاً.
تمّ تقديمها في 28 أيار خلال ليلة طويلة من المناقشات الساخنة في بعض الأحيان، وظهرت ثلاثة مبادئ رئيسية:

ـ الإدارة الذاتية، من أجل محاربة نظام كبار الموظفين، وجعل السينما "خدمة عامة يديرها مجتمع صانعي الأفلام" بتمويلٍ من أموال الدعم الحكومي، والتي يمكن أن تسمح بشكلٍ خاص الدخول المجانيّ إلى صالات السينما .
ـ التدريس، عن طريق مضاعفة الدورات التي يجب أن يكون التحدي فيها دائماً في قلب تدريب مُتاح لجميع الطبقات الاجتماعية بإدارة المعلمين، والطلاب أنفسهم.
ـ اللامركزية، وذلك من أجل "السماح لكلّ فرد، في فرنسا، التعبير عن نفسه" عن طريق هياكل إنتاج جديدة، أقلّ "باريسيةً".
كما عبرت بعض الثوابت العظيمة أيضاُ مقترحات الإصلاح، ووجدت نفسها في مقترحات مسرح سورين في الخامس من حزيران، والتي اختتمت فحص المشروعات: إلغاء الرقابة، الاتحاد الوثيق للسينما، والتلفزيون بإدارةٍ ذاتية، ومستقلة عن السلطة، والمال…
أحد تلك المشاريع، رقم 4، الذي قدمه تييري ديروكليه، وميشال ديمول، وماران كارميتز مؤسّس شركة MK2 لاحقاً، حركت بشكل خاص المشاعر بفضل شخصية "كلود شابرول" الذي قدمها، ولكن أيضاً بفكرته الرئيسية: جعل السينما مجانية، وتمويل إنتاجها عن طريق الضرائب.

انفتاح
لم تؤدي الاجتماعات العامة إلى ثورة في السينما الفرنسية، حيث لم يصل المشاركون فيها إلى توليفة قابلة للتطبيق، ومع ذلك، العديد من المبادئ التي تمّت مناقشتها غذّت العقد التالي، مع بعض الإصلاحات، والمبادرات، على سبيل المثال، إنشاء "جمعية مخرجي الأفلام" (SRF) التي أسّست لاحقاً أسبوعا أفلام المخرجين في كان (1969)
كما ساهمت خطوط القوة تلك في هيكلة الحركة انفتاح بعد أيار 68، وتميزت بازدهار جميع المجموعات التي رغبت في تنمية الوظيفة الاجتماعية للسينما، وظهور المزيد من المخرجات، والمنتجات، وانفجار إنتاج أفلام المؤلف.
كما تضمّن المركز الجامعي التجريبي في فانسان الذي أنشئ في خريف عام 1968، قسماً للسينما.
سمحت تلك الساعات من النقاشات النارية، وهذا ما يتذكره باعتزاز بعض الذين شاركوا فيها، بجمع الوسط السينمائي الفرنسي من أجل وقتٍ من النقاشات، وصياغة الطوباوية، وتأكيد المبادئ التي لا يزال يتردد صداها اليوم.

المصدر: المنصة الإلكترونية الرسمية للمركز الوطني للسينما بباريس



المشاركة السابقة : المشاركة التالية