جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » زمان ومكان


أساطير ستينيات القرن الماضي.. شعراء وفلاسفة ورواة وممثلة شقراء


نعيم عبد مهلهل
أظهرت الصورة المتخيلة المرسومة والمحكي عنها لأبوي البشر آدم وحواء ( ع ) وخصوصاً في رسومات رسامي عصر النهضة، أظهرتهما عاريين وليس لهما من ستر العورة سوى ورقة التوت.
وتلك الصورة هي في طبيعتها حالة إنسانية توازي تماما الولادة البشرية في عبارة “ربي كما خلقتني” وهي تصاحب النظرة الأولى للطفل الوليد من قبل القابلة المأذونة وأمه لحظة إبصاره لنور الحياة مغادراً عتمة رحم أمه.
الصورة ذاتها أسست مشاركة مع الكثير من الهواجس والأحاسيس الأولى التي لازمت محطات اليوم الانساني من الصباح الى فجر اليوم التالي. وهي نفسها ما ظلت ملازمة للملامح الأبدية لصورة آدم كما نراها في متخيل الأساطير وأغلفة الأناجيل أو لوحات فناني عصر النهضة لتكون تلك الصورة حاملة الايماءة الاولى بكل تفاصيل ما نحس به اليوم من صور الحزن الى ضوء الشهية والدمعة والإغراء الذي يصيب العيون ليحدث ما يبرر الفعل البشري في القصيدة او المناجاة او اي نشاط حياتي آخر بدءاً من سلطة الملك الى توسلات وادعية الفقراء.
عبر هذه المسيرة الارضية من الميتافيزيقيا الى سريالية أندريه بريتون عشنا ابدية الحياة العاقلة والوحيدة في منظومتنا الشمسية والمجرات التي اكتشفها تلسكوب هايل، ولا احد غيرنا سوى افتراضات ونبوءات وقصص من الخيال العلمي وغير هذا فالإنسان وحده في ساحة الضوء يسجل تفاصيل الحركة المقترنة بحس وعقل وتبشير نبي وقصيدة شاعر، ليسجل اللوح في تلك المسيرة ما كان يسكن رؤوس الحالمين وصناع الحلم وليرينا طوابير الحالمين وهم ينتظرون من صاحب الموهبة ليسجد ما يجيئهم في أطيافهم.
يوم وطأت قدماي ارصفة باريس لأول مرة حملت شجن كل أحلامي القديمة وأنا استعيد مشاهد كل الافلام الفرنسية التي منحت اكتافنا رعشة الصبا الغريبة التي تقودك الى شعور خفي أنك ستصل لمرحلة البلوغ غدا .
وأظن أن بريجيت باردو هي واحدة من صناع تلك الرغبة وذلك الاحساس.
لقد كانت حبة الفياغرا الانثوية قبل ان يصنع علماء الطب هذه الحبة ويحدثوا التحولات في تجديد الطاقة الذكورية والانتصاب للرجل .
إنها أشهى من الكاتوه بألف عطر. هكذا تخيلت مراهقتي الممثلة الفرنسية برجيت باردو، أكثر فاتنات السينما إغراء في ستينيات القرن الماضي والتي اكتشفها المخرج روجيه فأديم ثم تزوجها ليقول: “إن الدمى لن تصل في يومٍ ما لما تمنح هذه القطة من إغراء الفراش والصوت والنعاس في الفراش الدافئ”.
هذه النجمة التي شاخت الآن في سبعينيات عمرها قال لها شارل ديغول مرة: “إنك مدللة ووحدكِ من يشعرني برغبة كامنة تجعلني أرفع برج إيفل على أكتافي”.
لا أدري وأنا أعوم تحت أجفان باردو إن كانت هذه القطة الباريسية البيضاء قد قرأت آرثور رامبو فهو مثل نعومة خديها يمرر شهية الشعر بأنوثة نظرته الذكورية فأشعر أنها قرأته جيدا وربما قصيدته الشهيرة “المركب السكران” منحتها صورة للاشتياق والإغراء فتمنتها مشهدا لواحد من افلامها التي سجل فيه جسدها الشهوة الكبيرة لثلاثة ارباع ذكور الكرة الارضية.
أترك الشاعر الفرنسي وادير له ظهري وانا احصي في ملامح وجهه في تمثاله وسط مدينته شارلفيل وأذهب الى ملهمة شبابنا البعيد التي تعيش اليوم في خريف عزلة تعتني بالحيوانات الأليفة فقط “القطط، الكلاب، الفقمة” وهي تترك إلى الذكريات كل مشاويرها مع زمن الإغراء والأفلام الساخنة وشفاه ألن ديلون وجارلس برونسن وجان بول بلوموندو الذي لم يُخفِ رغبته بها ليكمل معها قبلته الطويلة حتى بعد انتهاء مشهدها السينمائي.
وربما جان بول سارتر ذاته كان يعنيها عندما كتب ان الوجود مع ناعمة مثل هذه يجعل سماء السرير بسعة نزواتنا والشهوة المنفلتة .
لهذا كانت سيمون دي بوفوار تنظر إليها من طرف الجفن وتقول: “هي مؤدية وأنا صانعة فلسفة. والفرق كبير بين هذا وذاك..!”.
انكفأت باردو في مكان منعزل تعيش عالم الوحدة وربما لا تريد أن تستعيد ما موجود في أرشيفها من أشرطة سينمائية للفتاة التي كانت في يوم ما توقظ في باريس ذكورتها وتؤثر على نفسية جيل بأكمله ليتمنى واحدة مثلها اكثر مما كانت رواية البؤساء تؤثر في الذاكرة الفرنسية بعدما قال جاك لانغ وزير الثقافة: “كان على فرنسا أن لا تضع رواية البؤساء في منهاجها الدراسي للمرحلة الثانوية إذا كانت برجيت باردو موجودة، فهذا الغزال الناعم يلهينا عن ألف رواية مثل بؤساء فكتور هيجو…!”.
لم تعد تذكر أحدا، لم تُعرِّف الصحافة عن حياتها الخاصة كثيراً.
أصدقاؤها المقربون سريون ولا يُعرف عنهم شيء،وكلما أرادت عدسة مصور الاقتراب من تجاعيد وجهها هددته باللجوء إلى القضاء والتعويض بملايين اليوروات..!
في آخر مدونات هذه القطة كتبت: “كنت أعطي لأشعر أني لذيذة بما فيه الكفاية!”.
علق آلن ديلون على تلك العبارة: “بل وتزيد على ذلك!”.
ربما رامبو في مقاس جمال الوجه أكثر جمالا من آلن ديلون ولكنه حتما لم يجد في زمنه قطة ساحرة له كإغراء انوثة برجيت باردو وهي تدون بسيرتها ولمعان صدرها الابيض شيئا من تأريخ فرنسا الثقافي في ستينات وسبعينات القرن الماضي .
وبين ديلون وباردو أتخيل وجه آرثر رامبو في زحمة مركب يعج بالبحارة الفاسدين في بحر يحتاج فيه البشر في ظل دوار البحر الى انثى وعصير برتقال كي لا يمنعه ضجر البحر ليمزق ملابسه فكان أن حصلوا على نظرة الشاعر وفتنته الموسيقية وشجاعته في الانتقال بين عيونهم دون ان ينالوا منه شيئا وهو في حالة الصحو والتحضير لكتابة قصيدة.
لهذا جعلتهما متقابلين “الشاعر والممثلة” في مواجهة اباحية القصيدة ” المركب السكران” وتخيّلت رامبو يلقي القصيدة وهو في حالة ثمالتها ونشوتها المفزعة بين وجوه البحارة القذرة فيما تتدرب برجيت باردو على حفظها بهدوء وعلى الرصيف تحت نافذة شقتها مغن اسباني اتى بشيء بعيد عن طقس الشاعر وممثلته عندما كان يغني اغنية اسبانية كتب كلماتها الشاعر القتيل غارسيا لوركا.
منذ التوليفة الاولى لأجواء النص أشعر بأن خدود باردو رسمت غيوما وردية بين اوردة الدم، سكنتها لذة خفية تمنت فيه أن تمتد عارية مع الشاعر وتعوضه عن كل الألم الذي حدث له في ضوضاء المركب وصخب البحارة. لم تصغِ الى الغجري الذي ينشد حلم لوركا وتركته وحيدا تحت مطر باريس وحملت صبي شارلفيل الى الفراش.. ومسحت قميصه بشهية شفتيها وكأنها تكويه بغرام لحظتها معه حتى تنسيه ما حدث هناك .



المشاركة السابقة : المشاركة التالية