جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » جماليات


فيلم اشتراكية /جان لوك جودار.. الأفكارُ تفصلنا، الأحلام تُقرّبنا


صلاح سرميني
أشياءَ مثلَ
في البحر الأبيض المتوسط، رحلةٌ بحرية.
محادثاتٌ متعددة، لغاتٌ مختلفة بين ركابٍ جميعهم تقريباً في عطلة.
رجلٌ مسنٌّ مجرم حربٍ سابق برفقة حفيدته (هو ألمانيّ، فرنسيّ،
أمريكيّ،..لا نعرف).
فيلسوفٌ فرنسيٌّ شهير (آلان باديّو).
ممثلٌ عن الشرطة القضائية في موسكو.
مغنيةٌ أميركية (باتي سميث).
شرطيٌّ فرنسيٌّ عجوز.
مسئولٌ سابقٌ في الأمم المُتحدة.
عميلٌ مزدوجٌ سابق.
سفير فلسطين.
...
سؤالٌ من ذهب كما في الماضي مع المُغامرين القدامى، ولكن ما نُشاهده (الصورة) يختلف تماماً عن ما يُقال (الكلمة).

أوروبا التي تخصّنا

في ليلةٍ واحدة، الأخت الكبيرة، وشقيقها الأصغر يستدعيّان والديهما إلى محكمة طفولتهما.
في الواقع، يتوّجب على أحد الأبوين الذهاب كي يظهر على شاشات التلفزيون لإعلان نفسه مرشحاً في الانتخابات المحلية.
يطلب الأخ، وأخته توضيحاتٍ جادة حول مواضيع عن الحرية، المُساواة، والإخاء.

إنسانياتنا

زيارة ستة أماكن من أساطير حقيقية/مُزيفة، مصر، فلسطين، أوديسة، هيلاس، نابولي، وبرشلونة.
(المُلخص كما ظهر في الموقع الرسميّ لـ "فيلم اشتراكية" جان لوك جودار).

***
عبقريٌّ، أم حفارُ قبر السينما، مُكتشفُ أشكالٍ، أم مُدعيّ مُتعجرف ؟.
لقد قيل عن "جان لوك جودار" كلّ شيء، ونقيضه، ما هو مؤكدٌ، بأنه أخرج 80 فيلماً في خمسين عاماً قبل أن يصبح أيقونة،....
(من الكتيّب المُصاحب للقرص المُدمج لفيلم "عشّ حياتك"/1962).

***

"جان لوك جودار" يقتبسُ بحريةٍ كاملة من الكتب، الروايات، الأشعار، اللوحات، المُوسيقى، والسينما،.. وتُعتبر، بالآن ذاته، مصادر إلهامه.
في "فيلم اشتراكية"، كان الاقتباس الأكثر حضوراً من الفيلم السوفييتيّ "المُدرعة بوتمكين"(1925) لمُخرجه "سيرغي إيزنشتين" الذي تدور أحداثه فترة الثورة الروسية عام 1905 حول تمرد البحارة ضدّ المُعاملة الفظة، والقاسية من قِبل الضباط الساخرين، واُعتبرت بمثابة الشرارة التمهيدية الأولى لثورة أكتوبر عام 1917، وتجسيداً مُصغراً للفوارق الطبقية في المجتمع الروسيّ وقتذاك (هل زالت بعد انهيار النظام الاشتراكيّ ؟).
في مطبخ السفينة، يغسل بعض البحارة أطباق الطعام، ونقرأ على الشاشة عبارةً دالة:
يا الله، أعطنا خبزنا اليومي.
تعبيرٌ لغويٌّ مُكثفٌ عن الألم الذي يعتصرهم.
يستعيدُ "جودار" لقطاتٍ من المشهد الأكثر شهرة في تاريخ السينما، مذبحة سلالم الأوديسة، عندما كان الجنود يهبطون بطريقةٍ إيقاعية، ويطلقون النار على الحشود الغاضبة للأهالي سكان المدينة.
في "فيلم اشتراكية"(2010)، يستسلمُ ركاب السفينة السياحية لمظاهر المُتعة التي يمنحها لهم مجتمع المُمتلكات العائم مُتنقلاً بين موانئ مختلفة (أماكن من أساطير حقيقية/مُزيفة كما يصفها "جودار").
استعارةٌ قاسيةٌ، أو رحيمة، صريحةٌ، أو مُبطنة من ذكرى الباخرة المنكوبة "تيتانيك" التي اصطدمت بجبلٍ جليديّ خلال رحلتها من "ساوثامبتون" إلى "نيويورك" في 14 أبريل عام 1914، وغرقت في اليوم التالي ومعها حوالي 1500 ضحية.
واسترجاعٌ مقصودٌ، أو صدفة لفيلم "وتُشرع السفينة..."(1983) للإيطالي "فيديريكو فلليني"، الذي تجري أحداثه عام 1914، حيث يتمّ تنظيم رحلة بحرية بمُناسبة تشيّيع مغنية مشهورة، يتوّجب وضع رمادها في إحدى الجزر، وتحمل السفينة أيضاً حيوان وحيد القرن الذي يُجسّد بشاعة العالم، وعدداً من أفراد الطبقة البورجوازية المُنحطة، والمُجسّدة لتلك الفترة، يغنون في الوقت الذي تنهار سيطرتها.
وكما التصنّع الواضح في أداء المُمثلين، تتنوعُ اللهجات، واللكنات في أفلام "جودار"، باتريسيا (Jean Seberg) تتحدثُ الفرنسية بلكنةٍ أمريكية واضحة في فيلم "على آخر نفس"(1960)، وأنجيلا (Anna Karina) تلدغُ الحروف في فيلم "المرأة هي المرأة"(1961)، ويتطلبُ الانتباه، والتركيز من أجل فهمٍ أفضل للتعليق الذي يُلقيه "جودار" بصوته في الجزء الثالث "موجة جديدة" من سلسلته التجريبية المُعنونة بصيغتيّ المُفرد، والجمع "تاريخ/تواريخ السينما"(1998)، وفي "موسيقانا"(2004) تُجري الصحفية الإسرائيلية جوديت لينير(Sarah Adler) حواراً باللغة العبرية مع الشاعر الفلسطينيّ الراحل "محمود درويش" الذي يردّ على أسئلتها باللغة العربية، وفي الفيلم القصير "شارلوت، وصاحبها"(1958) يحاول جان "Jean-Paul Belmondo" استرجاع صديقته شارلوت "Anne Colette" التي هجرته، ويتحدثُ معها حواراً منفرداً يستغرق مدة الفيلم بكاملها ـ 13 دقيقة ـ مُدبلجاً بصوت "جودار" نفسه الذي يعشق التلاعب بالحوارات، ويريدها أحياناً غير مفهومة، وحتى غير مسموعة، يطغى عليها مُؤثرٌ صوتيّ، موسيقى، أو جملة حوارية أخرى.
وتطمحُ هذه الاختطافات بأن تتخطى (الكلمة) دورها الدرامي، وتصبح ثرثرةً، وضجةً غير مُحتملة لا تنفصل عن الأجواء المُحيطة بالشخصيات، أو في أفضل الأحوال (موسيقى لفظية) مستوحاة من الحركة الدادائية التي ظهرت في بدايات القرن العشرين، ودعت إلى مُمارساتٍ تهرب من الكتابة، وتُطالب شكلاً سماعياً، ونصوصاً صوتية تخلو من المعنى، والبناء.
في "فيلم اشتراكية" يسمعُ المتفرج حواراتٍ بلغاتٍ متعددة على لسان الشخصيات التمثيلية المزروعة بين السائحين الحقيقييّن في السفينة، يُترجمها "جودار" على الشريط باقتضابٍ ـ رُبما ـ يُؤثر على استيعابها، وفهم الفيلم بشكلٍ عام.
اختيارٌ مقصودٌ يطبعُ أسلوب "جودار" في كلّ أفلامه التي لا تمنح نفسها للمتفرج الكسول العاجز عن التفكير.
يتدخلُ "جودار" في صياغة الترجمة على الشريط، يُترجم جملةً، ويهملُ أخرى، أو يُلخص معناها، ويضخمُ من معاناة المُتفرج الذي لا يُتقن الفرنسية .
في فيلمه "موسيقانا"(2004) يُترجم "جودار" خلاصة حواراتٍ باللغة الإنكليزية تتحدثها الشخصيات من سكان أمريكا الأصليين، والمثال الأكثر وضوحاً للمُتفرج العربيّ، تلك الترجمة الفرنسية النحيفة المُصاحبة لمشهد اللقاء بين الصحفية الإسرائيلية، والشاعر الفلسطينيّ الراحل "محمود درويش".
إذا أراد "جودار" أن نفهم كلّ شيء، لماذا لا يُريحنا بترجمةٍ دقيقة للحوارات؟
ولكنه، ببساطة/أو تعقيد، يرغبُ بأن يتحول الفيلم إلى لوحةٍ سينمائية تمتلكُ خاصيةً موسيقية نُشاهدها، ونسمعها، ونُشارك في التفسير، التحليل، والجدل، وليست صدفة اقتران "فيلم اشتراكية" بعنوانٍ فرعيّ (سيمفونية في ثلاث حركات)، والإشارة إلى "عشّ حياتك" بأنه (فيلمٌ في 12 لوحة).
وكما يحوًل "جودار" اللغة المنطوقة إلى مفردةٍ جمالية صوتية، يستخدمها أيضاً صورة/لقطة قائمةً بذاتها، أو منطبعةً على صورة/لقطة أخرى.
في "فيلم اشتراكية" تظهر على الشاشة كلمات يتعيّن تجميعها، ومنحها معنى.
أشياءَ مثلَ/ Des choses comme ça
أوروبا التي تخصنا/ Notre Europe
إنسانياتنا/ Nos humanités
حتى عنوان الفيلم نفسه يتحوّل إلى صورة/لقطة، حيث تتداخلُ كلمة "فيلم" مع "اشتراكية"، ويصبح من العسير الاختيار بين "فيلم اشتراكية"، أو "اشتراكية فيلم".
في سلسلته التجريبية عن "تاريخ/تواريخ السينما"، يغوصُ المتفرج، بمتعةٍ قاسية، في دوامةٍ من اللقطات المُتداخلة، المُتراكبة، والمُتلاحقة، وتعليقاً بصوت "جودار"، وكتابات على الشاشة بلغاتٍ مختلفة أصبحت جزءاً من الصورة/اللقطة نفسها .
(كيف بالإمكان عملياً ترجمة التعليق، الكتابات، والحوارات الخاصة باللقطات المُقتبسة من أفلام أخرى؟).
في زمن السينما الصامتة، امتلكت الكتابة على الشاشة دوراً وظيفياً للتعويض عن فقدان الحوار المسموع، وأظهرت اللوحات الاعتراضية بين اللقطات توضيحات المخرج، وتعليقاته، وحواراتٍ مُوجزة لا يستغرق ظهورها وقتاً طويلاً كي لا تُرهق المتفرج بقراءتها، وتفصله عن الأحداث.
باعتقادي، لم تحتوي سيناريوهات أفلام تلك الفترة على حواراتٍ مكتوبة، وكان الممثلون يتصنعون الكلام، ولهذا، يكشفُ الأداء عن مبالغاتٍ في إيماءات الوجه، وحركات الجسد، والأطراف، ويبدو التمثيل مفتعلاً، وأحياناً مضحكاً.
لماذا يُنهكُ المخرج نفسه في كتابة حوارٍ لن يسمعه أحد؟
ومع ذلك، كان متفرج الأمس يفهم حكاية الفيلم بدون انزعاجٍ، أو تأفف، ولم يطالب بمزيدٍ من الشرح، والتفسير.
بدوره، يخلو "فيلم اشتراكية" من حكايةٍ تتطلبُ فهم تفاصيل أحداثها، وينضحُ بالأحاسيس، والمشاعر، ويزخرُ بالأفكار، والتساؤلات، ويتضمنُ كلّ شيء ماعدا الحكاية التقليدية التي ينفرُ منها "جودار".
لماذا ارتضيّنا، بدون نقاشٍ، أن يكون الشعر شعراً، واللوحة لوحة، والموسيقى موسيقى، والرواية رواية،.. ولم نقتنع بعد بأن تكون السينما سينما، وليست حكاية مُصوّرة؟

***
السينما، مثل الرسم، تُظهر ما هو خفيّ (جودار).
هناك الظاهر، والخفيّ، إن اكتفيتم بتصوير الظاهر، فإنكم تنجزون فيلماً تلفزيونياً (جودار).
التلفزيون يصنع النسيان، السينما تصنع الذكريات (جودار).
عندما تنتهي الأشياء، فإنها تكتسب معنى (من فيلم احتفاء بالحب، إنتاج عام2001)
الصورة الفوتوغرافية هي الحقيقة، والسينما 24 حقيقة في الثانية (من فيلم الجندي الصغير، إنتاج عام 1960).
الخ، الخ، الخ،..(من "موجة جديدة" الجزء الثالث من السلسلة التجريبية "تاريخ/تواريخ السينما" إنتاج عام 1998).



المشاركة السابقة : المشاركة التالية