جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » جماليات


ضحايا المكان في العرض المسرحي


محمود عواد
تعودُ أهميةُ المكانِ إلى القوةِ الســحريةِ الكامنةِ في جـوْهرِ المُحرّضاتِ المُـرتكِزِ عليهَا مِن قِبلِ المِخيالِ  سواءٌ كانَ ذلكَ في الأدبِ أو الفنونِ الجماليةِ كالمسرحِ،
والتـــشكيل، وعروض الأداء، فالمـكانُ بما يملُكُ من مُهيمناتٍ ثقافيةٍ تؤهله لفرضِ سلطتهِ على المتخيّلِ، إنّ غيابَ الأمكنةِ يُعـطي انطبـاعَا واضحًا عــن الضـعفِ الذي يُعانــيهِ زمنُ الدخولِ فــي المعنى المتولّدِ من ملاحقةِ اللذّةِ الصُوريةِ، إذ كلما حضرُ المكانُ توسعّتْ الـــعينُ الزمانيةِ، ذلك لأنّ المكانَ يُمثّلُ الصــورةَ الحـيةَ التي يتعاملُ من خلالِها الزمنِ مع رسالتِه، وإنّ تلاشِي هذه الصورةِ يَعــني التسليمَ بعدمِ فاعليةِ الزمنِ،خاصــةً إذا كانَ اعتمادُه مُنصّبًا على التواطؤِ مع الحَدَثِ. وهذا الأخيرُ يرتكِزُ على المكانِ أكثرَ من ارتكــــــازِهِ عـلى الزمانِ، ولديه القدرةُ عــــــلى مضايقةِ المخيالِ وإجبارِه أحيانًا على تغيير مساره، إنّ مغازلةَ المكانِ لا تحتاجُ لغــــــوايةٍ معماريةٍ بقدرِ حاجتِها لمـخيالٍ معماري يعملُ على تأثيتِ الفراغِ بثقافةِ المُجرد، فكل مكانٍ عند دخولهِ في المعملِ الإبداعي يغادرُ حيّزَهُ الشكْلي، ويحـوزُ معماريةً مـؤقتةً، ما يمنحه جرأة معارضة إيديولوجية المعمل نفسه، بينما المكان المعمـاري الأصل مثل المـــواقع الأثرية والمزارات تكـون إيديولوجيتها دائمةً وغيرَ قابلة ٍللدحْضِ، كـونَها قائمةً علـــى شيءٍ أسـمُه "تاريخ " فاللجــــوءُ إلــى أمكنة كهذه هـــو تحقيق ليوتوبيا التاريخِ بوصفِها حاضنةً إيديولوجـية، وهـنا يأتي المكان بكامل حمُـولاتِه ليترأَّس َاللُـعبةَ الجـماليّة ِومطالبًا بالبطولة ِالتي لا ينالُها سواه في نهاية ِاللـعبة،إذن المكان التاريخي هو مقبرةٌ كبيرةٌ، ومَن لا يملكُ فِطنةَ أقدام ِالموتى مؤكَّد ٌأنهُ سيكونُ أحدَ قبورِهَا، لِذا فعلى المخرج المسرحي أن يُغازِلَ الأمكنةَ قبل الانــصياعِ لغِوايةِ فتـنتِها، وأنْ يضمنَ خروجَه منها حيًا، فهناك الكثيرُ من العُروضِ المسرحيةِ التي أكلتْها الأمـكنةُ، والسبــبُ يعودُ إلى هيــــمنةِ الشكلِ على فراغِ الرؤى الإخراجيةِ، فكثيرًا ما يقومُ المخرِجُ باستقْدامِ الممثِّلِ على أنهُ رهينةٌ للمكانِ، على عكسِ ما يتــعـاملُ به مدرِّبُ كــــرةِ القدمِ مع لاعبيه، فـفـــي لعبةُ كرةِ القَدمِ يحضرُ اللاعبُ ومعـهُ مكانُه ُالمـــُـــقترَح، وهو بِهذَا يمنعُ تسلُل رهبةَ المكانِ إلى خيالِ الكرةِ، من الأشياءِ الهامةِ التي ينبغي على المُخرجِ الانتباهَ لها ، هي أن المــكانَ لا يُختزَلُ بلحظةِ العَرْض وحســْـب، إنّما هو يمتدُ ليتشظّى إلى أمكنةٍ عديدةِ، منها مكانُ المـخرجِ الذي هو محـْــصورٌ بحـركةِ الممثِّلِ، ومكانِ العرضِ أي المعنِيّ بتشخيِصِ الجانبِ الصُوريِ للحدَثِ، وأخيرًا مكانِ المُتلقِّي وهو من أخطرِ الأمْكنةِ، ففيه يدخلُ العرضُ فـي دوّامـةِ التقبّلِ والرفضِ، في العرض ِالمسرحيّ يضاعفُ المكانُ حضورَه مستعينًا بتفـــعيلِ الحضورِ البصريّ، لأن إنتاجَ الصورةِ ينطلِقُ من تحديدِ مكانيْن أحدِهمَا خاصٍ بالعيْنِ، والآخرِ يخصّ الصورةَ نفسَها، فمكانُ العينِ هـو زمنيٌ مُتحرّكٌ يتأَتَّـى من الإشاراتِ الدِماغيةِ حولَ ما يَعنيِهِ الشكْلُ، أمّا مـكانُ الصــورةِ فهو زمنيّ أيضًا لكنه يتحركُ بطـاقةِ زمنِ المكانِ الذي تسعـَى الصورةُ إلى إعطائه ِطابعَ الحركةِ .
يقول شيكنر إنّ المسارحَ هي خرائطُ للثــقافاتِ أينمَا وُجدَتْ، مـن قولِه هـــــــذا نفهمُ أنَّ المســرحَ هو مكانٌ استِعاريّ في الأصلِ، يستقْـدِمُهُ الجسدُ من أبعدِ نقطةٍ في العالَمِ، وعندما نقولُ استعاريّ أعني بذلك امتـــــــلاكَهُ طاقــةَ جسديةً تُمكّنُهُ من استعراضِ الشكلِ أوْ تحديدِ ملامحِه من قِبَلِ المُتلقّي وهذا قدْ يُكثِّفُ الإشاراتِ ويقوِّي من عضُدِ زمنِ الحادثةِ، شريطةُ توافُر الحذَرِ من الوثُوقِ به كُليًّا، إذْ علـى المخـرجِ أنْ يُناورَ المكانَ بِجســــدٍ مكانيٍّ، أوْ لنقُلْ جسدٌ حاملٌ لبدائلَ مكانيةٍ، لو تشرّبتْ بوعــــْيِ ما بعد الشكلِ قد ْتُزاحِمُ الشكلَ الأيدلوجي، ولا يتوافرُ هذا إلّا بمغادَرةِ الفخامةِ المِعماريةِ، كما تُشير لذلك إيلام بينت، والنزوحِ نحوَ الهامــشيّ مـــن الأمكنةِ مثلِ الأسواقِ، والشوارعِ العامةِ والسجونِ، فأنَّ التركيزَ على جماليّاتِ العِمارةِ هوَ تأسيسٌ لفَهْمٍ خاطئٍ لثقافة ِالمكانِ،إذْ في الـــوعي المعاصرِ لا وجودَ  للمجرّدِ،وهذا عينُه ما أكدَهُ بروك حيث يقولُ في مفتتَحِ كِتابهِ"المساحة الفارغة":" أستطيعُ أنْ أتخذ َأيةَّ مساحةٍ فارِغةٍ وأدعوُهَا بخشبةِ مسرحٍ"
إنّ لهيْمَنةِ المِخيالِ المِعـــماريّ علــَــى المكــانِ طــغــيانٌ سُلــطَويٌ يُمكنُ أنْ يتــسببَ في فُقدانِ براءةِ خــزّانِ الصُوَرِ، أي أنَّهُ يعــملُ على منعِ العينِ من اكتسابِ صــفريتُها كونَ الشكلِ مُتأتيًا من مَرجِـعيـاتٍ قد تسلّلتْ أشكالُهَا  عبْــرَ المُــتخيّلِ، واسـتوْطَنتْ في لا وعي مكانِ العَرضِ الحاضِرِ في ذاكرةِ التلــقِّي، فـما تمثّلُه العينُ في ثقافةِ التصويرِ  يؤكدُ امتـــــلاكَهَا ذاكرةً عجيبةً، إذ في الصــورةِ تــكونُ العــينُ هي آلةً لعـرضِ العديد ِمن الأشكالِ المــــرئيّةِ سلفًا، وأن قتـــْــلَ هذه الذاكرةِ يتطلَّبُ وجودَ عينٍ بــدائـيّةٍ، كـــما ينصحُ بذلك جان كـوكتو، وكلما كانتْ العـــينُ أكثرَ بــــــدائيةً أصبحَ من السهلً الحديثَ عن حيازَتِهَا لصفـريّةِ المَنْظرِ، وهـذا لا يتـحققُ مع الأمــــــــكنةِ المِعماريةِ ،ذلك لأن المــــكان المعماري دومًا ما يسعى إلى التعامُل مع العينِ بثقافَتِهِ وحسب، كــونُهُ مرتكِزًا على أُسسٍ تاريخية، وهــذا الأخيرُ إذا ما اضـْــطررْنَا  إلى الدخولِ معهُ في دوّامةِ المثاليةِ المكانيةِ يلزمُنَا مجاراتِه بحذَرٍ، ومن الصعبِ تحريـكِ مياههِ بحجارةٍ مُسـتعارةٍ من قيــعانِ مقدساتِهِ، في حالِ استبـــدلْنَا  المكانَ المعماريّ بآخرَ شبهِ  مُجرّدٍ، يكونُ من الممكنِ الفـوزُ بعينٍ صِفْريّةٍ، تمنحُ جسدَ الممثلِ فرصةَ الوُقوفُ أمامَ مِــرآةِ العرْضِ بمــنْأىً عــــــــن فِتــنةِ المكانِ، إذ في الأماكنِ شبهِ الُمجرَّدةِ مــــــــــــن المِثاليةِ مثل الســوقِ، والشوارعِ العامةِ والمـرآب وما شابه يتحرّرُ الشــكلُ وتُعقد ائتــلافاتٌ  ترفعُ من القيمةِ الحُضوريّةِ للجسدِ، وتمنحُهُ صفة َ المُدبِّرِ الفِعلي للعرضِ، والممثلِ الرسميِّ لثقافة ِالمــكانِ، إذ يتبنَّى التعـريفُ بالمكانِ من خلال ما يَطرحُه، وهذا مخالِفٌ لِما يشهدُهُ الممثلُ في المكانِ المعماري.. ففــيه يُحــتَجزُ الجـسدُ، وتُقيّدُ حريتُهُ، مِما يـؤدي إلى قَمعِ مشروعِهِ الأركيولوجي ،وتحويلِه إلى أداةٍ



المشاركة السابقة : المشاركة التالية