جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » جماليات


رسائل فان كوخ - الرسالة الثالثة والعشرون


ترجمة: ستار كاووش
أنتفيربن، ٦ شباط ١٨٨٦
تَيّو العزيز
شكراً لرسالتك التي إستلمتها مع ال ٢٥ فرنكاً، أسعدني ذلك كثيراً مثلما منحني رأيك حول فكرة مجيئي الى باريس نوعاً من الطمأنينة،
أنا متأكد بأن ذلك سيدفعني خطوات كبيرة للأمام وسيتطور عملي كثيراً، مجيئي الى باريس سينتشلني من الدوامة التي أعيش فيها هنا، فأنا أريد أن أطور عملي في باريس وليس الدوران حول نفس أخطائي هنا. يمكننا أن نجعل جانباً من بيتك مرسماً، وأعتقد إن هذا سوف لن يؤثر عليك، وفي ذات الوقت سيمنحنا قوة وثباتاً لأننا سنكون معاً، وسيجعل تفاهمنا وانسجامناً أكثر مما يحدث من خلال الرسائل فقط. 
والآن... ماذا عساي أن أخبرك عن أوضاعي الصحية؟ عموماً مازلت أتشبث بأمل أن لا أترنح ساقطاً بسبب المرض، لكني بحاجة لمزيد من الوقت كي أستعيد عافيتي وقوتي، لديَّ سنّان يجب حشوهما ليعود فكي السفلي الـى سابق عهده، وهذا يكلف عشرة فرنكات للحشو، إضافة الى أربعين فرنكاً إخرى لباقي تفاصيل العلاج. لقد قضيت السنوات العشر الأخيرة وكأنني في السجن، وسيختفي أثرها السلبي حين أهتم بصحتي وأعالج أسناني بشكل مناسب، فالأسنان المتضررة تعطي إنطباعاً بتقدم السن والمرض، رغم سهولة علاج ذلك في أيامنا هذه. أتأمل أن يكون بإمكاني مضغ الطعام جيداً في الأيام القادمة، وسينعكس ذلك على معدتي وتتحسن صحتي بالتأكيد. لم أرسم منذ بضعة أيام، ونمت مبكراً، عكس الايام السابقة التي قضيتها مع المجموعة في درس الرسم، حينها كنت أنام في الواحدة أو الثانية صباحاً، أنا الآن أكثر هدوءً بسبب النوم الجيد.
كَتَبَتتْ لي أمي تقول بأنهم سيحزمون أشيائي ومتعلقاتي في الشهر القادم، وربما يمكنني أن أعود إليهم في نيونن لبعض الوقت، ولا أعرف إن كان في ذلك مضيعة للوقت، لكني بكل الأحوال أحتاج الى بضعة أشياء من بيتنا القديم، لآخذها معي الـي باريس. مدرس الرسم هنا وإسمه سيبرت يبحث عن أية حجة ليقلل من شأني أمام الباقين، لقد إشتبك معي وحاول أن يهددني بشكل مبطن كي أترك المكان، لذلك قلت له في المرة الأخيرة وباللغة الفرنسية التي يتحدث بها بأني لا أبغي المشاكل ولا أبحث عن الشجار مع أحد ولا أحاول أن أكون نداً لأي شخص، وكل ما يهمني هو الرسم بهدوء ولن ألتفت لأي شيء آخر، عندها كَفَّ عن مضايقتي، لكني متأكد بـأنه سيجد حجة جديدة كي يعيد مواجهتي ويزعجني كي أغادر المكان. والشباب الذي يدرسون الرسم معي، رغم مستواهم التقليدي فأنا أراهم وأسمعهم كل مرة يتحدثون مع بعضهم ويتهامسون بكلمات حول لوحاتي، وبما أني لا أريد إثارة الاستاذ أكثر، لذلك واجهت هؤلاء الشباب بعيداً عنه أثناء الاستراحة في الخارح وقلت لهم بأن أعمالهم سيئة ومعالجاتهم خاطئة، وهذه هي حقيقة أعمالهم التي يتفاخرون بها. أعتقد بأني حين أذهب الى أتيليه كورمون* ربما ستتغير الأمور، وإن حدثت بعض العوائق والتفاصيل التي تحول دون التقدم في الرسم، عندها يكون الحل بذهابي بإنتظام الى متحف اللوفر لأرسم وأتعلم تقنيات الأساتذة الكبار. عليك أن تعرف بأني سأستمر وسيتطور عملي مع هؤلاء المدرسين أو بدونهم. عموماً لقد رسمتُ في أيامي الماضية الكثير عن التماثيل الجصية بدلاً عن الموديلات، إنها مناسبة وغير مكلفة، وكنت أفكر بكلماتك وأنا أرسم، حين نبهتني كي أبدأ الرسم من الجوانب بينما ابدأ في العادة من الوسط بإتجاه الأطراف. اتمنى في هذه اللحظة ان نتجول معاً في اللوفر لنتحدث عن هذه كل التفاصيل.
أرسلتُ لك هذا الصباح كتاب (حبيبي)* لأجل أن ترى كيف كُتِبَتْ المقدمة، يالها من مذهلة، الكتاب سيعجبك كثيراً أنا متأكد من ذلك. كم أُمَنِّيَ نفسي ياتَيّو بأن نكبر معاً لنتذكر بعد سنوات ما قمنا به، فكلما كان التحدي أكبر والظروف أصعب فسيكون لذلك قيمة كبيرة حين نستعيده في المستقبل.  أريد أن أقول لك أيضاً بأن حياتنا سيكون لها قيمة سواء انجزنا الأعمال الخاصة بنا كما أفعل أنا، أو أن نجمع أعمال الآخرين لنكسبها قيمة حقيقية كما تفعل أنت، والأمر يتعلق بكيفية إدارة مواهبنا وإيصالها الى الهدف. وأرجو إنك تفهم تطلعاتي حين تحدثتُ عن تربيتنا المتزمتة وما صاحبها من تفاصيل كنت أمتعض منها، ولا علينا الآن سوى المصالحة والالتئام لنمضي في طريق الحياة والفن دون صعوبات. ومهما تحدثنا عن تفاصيل حياتنا فعلينا ان لا نتجاهل وضعنا الصحي، فالموهبة تذبل حين تشاطرها في الجسد صحة عليلة، والمبدع يحتاج ربما الى ٢٥ او ٣٠ سنة كي يؤسس طريقاً جديداً، أو ليلتقط إشراقة الشمس أو لون الخريف بشكل أكثر شعرية من السائد، وهذا ما قام به ديلاكروا، كورو، ميليه، دوبريه، ترويونس، بريتون، روسو، دوبني، الذين قدموا لنا أعمالاً ساحرة، ليهبط بعدهم الفن خطوات مع الأسف، لكنه سينهض على أيدي سحرة جدد ومواهب حديثة تكمل الطريق.
كم أشتاق لزيارة اللوفر ولوكسمبورغ، أشعر بخسارة كبيرة بسبب عدم إطلاعي على (الاساتذة المائة)*، ولم أزر معرضي ديلاكروا  وميزوني، لكن ما يخفف عني ذلك هو ان الامر مازال متاحاً في الايام القادمة. لقد حاولت جاهداً التقدم في عملي، لكن صحتي كانت هي العائق، وإن كان أي شخص آخر في مكاني لتخلى عن الرسم، لكني لا أستطيع أن أترك ما تعلق به قلبي وسكنته جوارحي. لا تهتم بشأن نوعية المكان يا أخي، فأنا أستطيع أن أتدبر حالي في أقل الأماكن جودة، وهناك مسألة مهمة أخرى ربما علينا أن نعتاد عليها وهي ابتعادنا عن بعضنا وعدم عيشنا سوية في السنوات العشر الاخيرة، لكني متأكد بأننا سنألف بعضنا من جديد لأن ذلك مزروع فينا أصلاً. أتوق لما تخبئه لي الأيام القادمة وسأعمل جاهداً لتحقيق ما أطمح اليه، وربما سأترك متعلقاتي نهائياً في نيونن وأمضي هكذا نحو باريس لأجد لنفسي مكاناً هناك بين الرسامين. سأذهب الآن الى درس الرسم تملؤني الرغبة والحماس بالوصول قريباً اليك...الى باريس.
أشد على يدك بشوق
أخوك المحب
فنسنت       

هوامش المترجم:
* أوجين كورمون: رسام فرنسي (١٨٤٥-١٩٢٤) كان يعطي دروساً في الرسم بمرسمه الباريسي، وقد ترك أثره على الكثير من الرسامين. قضى فنسنت أكثر من ثلاثة أشهر هناك، ليغادر المرسم كما فعل في مدينة أنتفيربن البلجيكية، لأنه لم ير أي تطور في عمله هناك. وقد تعرف في مرسم كورمون على اثنين من شباب باريس، وقد أصبحا بعد ذلك من أعظم اصدقائه، وهما تولوز لوتريك وأميل برنارد.
* * حبيبي: هو أحد كتب الروائي والناقد الفرنسي أدموند دي جونكورت (١٨٢٢-١٨٩٦) وقد صدر سنة ١٨٨٤، وهو أيضاً مؤسس أكاديمية جونكورت، وهناك جائزة أدبية مرموقة بإسمه منحت لشخصيات عديدة منها مارسيل بروست وسيمون دي بوفوار وغيرهما. سيرة حياته هو وشقيقه جول جونكورت تكشف الكثير من جوانب الحياة الاجتماعية والثقافية في باريس القرن التاسع عشر.
* * الأساتذة المائة: وهي سلسلة من المطبوعات الفنية التي ضمت أعمال كوروه وميليه ومايسونيه وغيرهم، وقد صدر منها ١٢ عدداً سنة ١٨٨٣ تحت إشراف الناشر ألبرت وولف، وقد لاقت نجاحاً كبيراً، وكان فنسنت تواقاً للإطلاع عليها لأنها تضم أعمال أحب الفنانين الى نفسه.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية