جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » انثويات


الجسد الأنثوي الأزرق


ناجح المعموري
سرديات الوشم هي جزء من المركزية النسوية ، فهي التي ابتكرت أحادياً في اللحظة البدئية ، عندما كانت الأم الذكية حاضرة وممتلكة زمام الكائن الأنثوي وكل ماله علاقة بكيونتها ومن هنا تميزت تلك اللحظة البدئية التي أشار لها الفيلسوف كاسيرر وفق توصيفه للمرحلة " البدئية وإنحاز الى المرحلة البدئية المحكومة بالمنطق ،
أي هيمنة كليانية العقل ، داحضاً ما قاله ليفي بريل
. وأنا اعتقد كما ذهب لذلك كانط الى أن المفاهيم المنطقية هي لصنع المعرفة ، وكان يرى أن التفكير يعتمد على المخططات أو الرسوم التخطيطية التي يقترن بعضها ببعض اقتراناً منطقياً لتصنع معارف العقل الخالص ، أو العقل العملي ، وحتى في كتابه " ملكة الحكم " الذي يدرس فيه الأحكام الجمالية . ربما إن الوشم جماليات منطقية حسب توظيفنا لمقولة كانط ، حيث كانت الألفاظ لديه دالة منطقياً على الجمال والوشم خاضع لهذا المفهوم ولذا كان كانط اول فيلسوف للمعرفة " لأنها تقوم على الفاعلية المنطقية والتي تقوم على الأشكال اللغوية بقدر ما تقوم على المقولات المنطقية .
ولأن سرديات الوشمية الخاصة بالجسد ــ أنا أعني خلال هذا الجهد الأنثى فقط ــ هي حشد من الأشكال الرمزية والعلامات والإشارات كما ذكرنا سابقاً ، وهي معاً تشكل لغة ، بمعنى كل ما يذهب إليه الكائن متوسلاً بالعقل فأنه يذهب للتدوين ولا يمكن تجريد التدوين من مفاهيمه ، بمعنى هو لغة ، أو وسيلة للفرد أو الجماعات للإعلان أو الإشهار عن ما يحتاجه الكائن البشري ضمن محيطه أو فضاءه الواسع جداً . ولا أدري لِمَ بقيت أسيراً لفلسفة كاسيرر الواضحة في كتابه المهم " اللغة والأسطورة " ت " سعيد الغانمي " وظلت أفكاره فاعلة في خلق تصوراتي حول اللحظة البدئية الفاعلة متأثراً بموقفه المعرفي الذي قاده الى نحو التعامل مع اللغة التي هي أداة الإنسان الأولى للعقل . وتعكس الميل الى صنع الأسطورة أكثر منه الى العقلنة والتفكير العقلي . فاللغة التي هي ترميز للفكر تعرض نمطين مختلفين من التفكير ، الذي هو في كلتا الحالتين فكر قوي وإبداعي . وما يخدم موضوعنا " سرديات الوشم " هو ما أكد عليه كاسيرر وهو الجمالي ، حيث لحظة ابتداء الذكاء الإنساني مع التصور ، وطاقة الخيال ، الذي هو الفاعلية العقلية الأولى . وتذهب العملية التصورية قمتها المعرفية حتى تصل الى أقصى طاقة لها من خلال التعبير الرمزي ، الذي تمكنت عبره الأمّ الكبرى ، الخلاقة والمبدعة الى الوصول الى ما يعنيه الرمز ، لذا ذهبت بأقصى ما تستطيع عليه نحو ابتكار تصوراتها عبره لأن المتخيلات لا تستقر وتتعمق إلا عبر استقرار الرموز من خلال حضورها . وهي مهما اختلفت كما قال كاسيرر لفظية كانت لو لفظية أو دينية أو فنية أو رياضية ، أو أي نمط من أنماط التعبير ، هو ملحمة العقل ، وأقدم هذه الانماط كما أكد عليها كاسيرر هي التي تتمثل في اللغة والأسطورة وما دام كليهما يعود الى عصور ما قبل التاريخ ، فأننا لا نستطيع أن نثبت عمراً لأي منهما ، لكن يرجح كاسيرر الى إنهما مخلوقين معاً / سبق ذكره ص 11/12//
وبالإمكان ــ أيضاً ــ الإبقاء على العلاقة مع كاسيرر الكانطي الذي منح اللغة مكانة رفيعة جداً ، لكنه لم يشأ أن يجعلها أسبق من الأسطورة ، أو الأسطورة أقدم من اللغة ، بل أراد تجاوز هذا السؤال الزائف ، من أجل الوصول الى الغايات الداخلية لكل منهما . هنا يبرز السؤال هل كان الوشم قبل الأسطورة أم الأسطورة قبله . هذا لم يذهب كاسيرر ، لأنه يريد الغوص وراء ما ينطوي كل واحد منهما على الدلالات والمعاني الجديدة التي صارت جزءاً حياً من المجال المعرفي .
ويذكرنا موقف كاسيرر بالموقف الاخر للفيلسوف مولر الذي يحث في أيهما هو الأسبق ، اللغة أو الأسطورة . واستمرار الانشغال بهذا المجال كما قال المفكر سعيد الغانمي فأن مولر ذهب نحو اتجاه متميز جداً وهو إن اللغة وجدت أسبق من الأسطورة ولاحقاً تبلورت الأسطورة وتمركزت حول الدين بمعنى الأسطورة والدين يكمنان في الأصول الأولى للغة وبإمكاننا اعتبار الوشم لغة ، لأنه مكون من الرموز / الإشارات / العلامات / وحاز على معان كثيرة وتحول تدريجياً باعتباره نتاجاً عقلياً على صفة الحضور المعرفي والقوي ، وتبلور هذا كتيار جديد في الفلسفة الكانطية التي ساعدت على نشوء ذلك . وحسبما ذهب مولر الى أن اللغة كيان ، ويتعرض الكيان للمرض ، فأن المرض لغوي يظهر وينعكس في الأساطير التي تضخم أخطاء اللغة ومناقصها وهفواتها ومن هنا يولي مولر أهمية خاصة لما يسميه استعارات الجذور ، أي أخطاء اللغة التي تشكل منبع الفكرين الأسطوري والديني . أما كاسيرر فانه يتعامل مع اللغة / الأسطورة / الدين بانهما ينبعان من " الاستعارة الجذرية " ففي جذر التفكير الاستعاري توجد جذور التفكير الديني والأسطوري والشعري / سعيد الغانمي ص 14/15//
وسأذهب نحو الشعري على الرغم من أهمية اللغة والأسطورة والشعرية معاً بالنسبة لسرديات الوشم التي حازت عليهم معاً دفعة واحدة ، حيث تمظهرت الرموز والأشكال والعلامات توشيماً على الجسد ، فهذا يعني بأنه المدونات البدئية الأولى في التاريخ البشري ، فهي لغة ذات وظائف خاصة بجسد الأنثى وتتمتع بطاقة جمالية تحتاجها الأنثى والرجل الذي يزداد توتراً وتحفيزاً وهو يكشف بأن للجسد أسراره الخاصة .... وبما أن الأمّ الذكية هي التي ابتكرته مع توصلاتها الكيمياوية فهي صوغ لأساطير ذات صلة مباشرة مع الديانة السائدة والممجدة للخصوبة والانبعاث . والأكثر إثارة هو الشعرية الذي لا تخلو منه شبكة الرموز التي لا تقوى على البقاء أو تستمر بالتواصل بعيداً عن الدلالة الشعرية ، وهي حتماً حاضرة ، لأن الوشم لوجوس معبر عن العقل البدئي الذي يذهب دفعة واحدة نحو " الآني " البدئية والتي أكد عليها هايدجر بانها ضرورة مركزية تساعدنا على التعرف والتقرب من الكائن ، حتى نتمكن من اكتشاف موقفه من الذات . وهنا يمكننا النجاح كأن الآنية حضور وطاقة تحوز تاريخ الذاكرة وتنتج تاريخها المرتبط بلحظة الوشم ، من أجل أن تمجد جسدها وتعطيه طاقة جاذبة للآخر / الذكر . ولأن الجسد الانثوي أهم عناصر الديانة البدئية ومساعدات معمقة لها تفضي بها نحو استعمالات الجنس ضمن طقوس يومية ، لذا من هنا حصل انشغال الأمّ الكبرى بالإضافة للعطور ووسائل الزينة الظاهرة . وكان الوشم أكثرها سرية خصوصاً المكتوب على داخل الجسد .
وعودة لمعتقدات وشعائر وطقوس معروفة لنا في جنوب العراق ما زالت حاضرة ، حتى هذه اللحظة ، وكثير منها قابلة للتداول والتواصل في اجزاء عديدة من العراق ، هي ليست وليدة الان ، بل هي موروثات قديمة جداً وعميقة للغاية وتوجد صورة مألوفة نشرتها مجلة التراث الشعبي وصحيفة الصباح الثانية عن ام عوف وحديث عن قصيدة الجواهري المعروفة عنها ، وصورة غلاف التراث الشعبي سيصاب المشاهد بالدهشة من اتساع الوشم على الوجه وكل الاجزاء وتبدت زرقاء داكنة جداً ، هذا الذي كان على الوجه وصار تفصيلاً لجمالياته ، فكيف بالوشم المفروش على الجسد الداخلي لتحتله بالكامل من القدمين وصعوداً على الحنجرة . هذا يعني بأنه جزء من حضارة الذاكرة واستمرار حضورها ، لأنه عنصر جوهري وجمالي بالنسبة للأنثى التي يظهر على جسدها المكشوف في لحظة نضجها ويمثل إعلاناً عن جسدها واستعدادها للاقتران بالآخر ، وكأنها تؤكد من خلاله ــ الوشم ـــ على الأنا / الذات وتحوز عليه بعضاً حيوياً وجوهرياً من هويتها الأنثوية ، لأنه ــ الوشم ــ ما يدور حوله من سرديات مرايا النسوية وتصورات عن ثقافتها والحيازة الصعبة والمعقدة جداً والألم العنيف ، الذي تشعر به الأنثى ، وهي مستسلمة بنومتها تحت وخزات المرأة الحكيمة وهي تكتشف كل تفاصيل جسدها ، وحضوره وتوتره للوخز وتحفيزاته . تتعرف على جسدها الذي تختار بعضاً منه وتعاود ثانية وثالثة وتستمر زمناً طويلاً هي مرآة لحكايات شهرزاد ، تقصها لمثيلاتها فهي مالكة الخبرة والفلترة لثقافة ونظافة الانثى ودائماً ما ترشح الانثى للشخص الذي عليه أن يذهب إليها ، أو تسرد تفاصيلها لوالدته او اخته .
فالأمّ الحكيمة الوريثة لفعالية الأمّ السومرية هي الخبير بالجسد الانثوي الذي تراقصت وخزات إبرها على جسدها بطناً وظهراً ، ترسم عليه استعارات اللغة الوشمية وتؤسس نوعاً من التماثل بين الوشم / الوشم والشيء وهو ما اطلق عليه الانثربولوجيون " مبدأ الاسم " كما قال المفكر سعيد الغانمي لأن الأسطورة لم تضع حداً فاصلاً بين اللفظ ، المنطوق وبين الشيء . فعندما تقول الوشم فهذا يعني استحضاره .
لم يكن الوشم الذي ارتحل وظيفة مهارية للغجريات بالإضافة لوظائف التجميل والموسيقى والرقص واشباع رغبات الرجل ليلاً فهو فن معروف في عتبات الحضارات الشرقية " فن بدئي " عناصره المكونة له من ابتكارات الأم الكبرى والحضارة الصاعدة متمثلاً ذلك بالكيمياء . ويمثل الوشم فناً من ابتكارات الإنسان القديم ، ولا يمكن التعامل معه باعتباره إبداعاً ذكورياً . لكن مقترن بالخطاب الرجولي ، واقترن به مفعلاً اشتهاراته التي اقرتها الديانات البدئية والسماوية وظلت اليهودية والمسيحية والاسلامية معنية بوظائف الرجل مانحة ما هو حلم الذكورة . لكن وللأسف لم يكن فن الوشم محفوظاً ضمن مخزونات الفن عبر مراحله الحضارية . وهو الوشم ــ فن كل المراحل ، لكنه ابتدأ يتضاءل بعد ما تمكنت التقنية الحديثة من اختراع البديل ، لكن تمظهراته لها انعكاس سلبي عبر تقادم الزمن .
واجد ضرورة التذكير والإشارة الى أن فن الوشم من ابتكارات ما قبل التاريخ ، لم يكن بدئياً ، ولا وجود لمثل هذا المصطلح ، على الرغم من شيوعه بالتداول ، العقل الإنساني متماثل ، لكن الظروف الموضوعية  هي تقترح التباين بين مرحلة واخرى . استخدمت كلمة " البدئية " لتصف نوعاً معيناً من التراكيب الثقافية في وقت كانت الاتجاهات الانثربولوجية تختلف فيه اختلافاً كبيراً عما هي عليه الآن . كانت الكلمة تستخدم بصراحة لتصف ثقافات تختلف عن الثقافات التاريخية والمعاصرة المنتمية للعالم الغربي ...... وشاع رأي بين أوساط الانثربولوجين ان تلك الثقافات البدئية " أدنى من جميع هذه الثقافات الأخرى . كانت كلمة " بدئية " في مستوى الثقافة الغربية . لكن معظم الانثربولوجين تخلوا عن هذا الاتجاه الساذج ولذلك عبرت كلمة " بدائية " اما غامضة الدلالة او فاقدة الدلالة / تحرير اشلي فونتاغيو / ت : د . محمد عصفور / عالم المعرفة / 53/ص255//
أكثر الآراء إثارة عن البدائية ، هو رأي كيرتغور البدائية " طهارة عذراء يتميز بها الانفعال الأخلاقي " وهي ليست موهبة أصلية ، بل يجب أن تكتسب . وهذا ينقلنا الى فكرة ص 321/ البدائية طهارة ، نظافة ، لأن الحياة البسيطة جداً وتساهم البدائية بالحفاظ على العذرية والبكورية .
وذهبت الانثربولوجية الى أن السؤال التالي المهم ، هو موضوعي : أليس صحيحاً إن أصعب الامور على فهم الرجل الحكيم أبسطها ؟ إن الرجل الساذج يفهم الشيء البسيط مباشرة ، أما الحكيم فعندما يحاول فهم البسيط ، يصبح هذا الأخير صعباً الى آخر الحدود / ن . م / ص322//
ذهبت الدراسات المعنية بالتاريخ القديم الى اقتران كل ما تنتجه المراحل الحضارية ما قبل التاريخ مرتبطة بما هو ديني ومقدس . بمعنى استمرار حضور سلطة الآلهة وفعلها في سيرورة لكل شيء . وانسحب هذا الرأي على كل ما ابتكرته المراحل الحضارية . وما يمثلها من فنون كثيرة ومتنوعة فالوشم شكل من الرسم لا يختلف عن النحت فهي من ابتكارات الإنسان وخضعت للتطور الحاصل لأسباب موضوعية وذاتية . وكثيراً ما توفرت في كل الفنون الرموز الشائعة والدالة على نظام الخصوبة ولا أعني بالخصوبة بالحضور المكشوف والمعروف والمنقول للأعضاء الذكورية والأنثوية ، وإنما شبكة الرموز ذات الخصائص الشعرية ، مثل الناي ، الأفعى ، الأواني المقعرة ، بعض الطيور ، السكين .
الوشم كتابة وهو لغة خاصة وقديمة . اللغات السرية لها عمق قديم ، قدم الإنسان والغرض منها هو قصر المعلومات على جماعة واحدة ، واجمالاً فأن كلمة السر التي كانت تقال للحارس في العصور القديمة لا يفهمها إلا الذي كان حاضراً آنذاك ويفضي نحو نوع من الغموض ولعل أكثر الرموز الجنسية انتشاراً على سبيل المثال " الجوهرة في اللوتس " طريقة أخرى لقول " القضيب في الفرج " هذا يقودنا الى انتشار وتمركز الرموز في الديانات وعاشت طويلاً لأن الجماعات تعاملت معها يومياً " وسيتذكر المسيحيون إن الأمر استغرق نحو 1200 سنة قبل أن يصبح الخبز والخمر في " العشاء الأخير " رمزاً لجسد المخلص ودمه / ن . م ص 212/



المشاركة السابقة