جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » جماليات


سينما الموتى في البيت الأسود لفرخزاد


محمود عواد
مع الكاميرا
تحوّلت أحلامي إلى عصافير
ومثلما التقاطها القمح
صرت ألتقط الشعر من الوجوه والأشياء

" سيرجي براجانوف"
ذبابٌ يتنزّهُ على وجه الورد، حفّارُ قبورٍ يمسحُ بِكَفِّه على رأس الحياة، حواسٌّ وأعضاءُ يلتهمُ بعضُها بَعضاً، ظلالٌ تتعثرُ في مصائِرِها
عند مشاهدَتي للفيلم أحسستُ للوهلة الأولى وكأنني أسيرُ حكايةٍ بدائيةٍ، أو أنني في حَضْرة غلوبير روشا وهو يصوغُ " جماليات الجوع " ذلك البيانُ الثوريُّ في عالم السينما، تلك هي افتــــــتاحية ُمستعمرةِ المَحْوِ لفروغ فرخزاد، الفيلمُ الوحيدُ الذي يُعدُّ بوابة َالتَّطوُّر والتّجْديد في السيــنما الإيرانية، حَيْثُ يَرْصُدُ الفيلمُ وبشعريّةٍ عاليةٍ تَحَرُّكَ ذلكَ المَرَضِ الخَطيرِ، ومَلامحَ هيمَنَتِهِ عَلى إِنسانٍ يَتَفَسَّخُ مِثلَما تَتَفَسّخُ الضّفادعُ عندَ جَفافِ المُسْتنـقَعِ، فليــْـس بِعَجيبٍ أن تَكـــــــتُبَ شِـعْرًا عن مرضٍ عُضالٍ وتمنَحَهُ فُرصة َ التّعبير عَن الخَرابِ الوُجـودي للفرْدِ المَوْبـوءِ، لكن الأهمَّ هو أن تشعر بالمرض، وتجعلَهُ على تماس روحيّ مع العالم ، فحتى الله عندما خلق الألم ،احتاج الشعر بحسب ديفيد لوبروطون
من هم هؤلاء الذين يسبحونك
وهم في الجحيم
سأُغني اسمك ياربي
سأُغني اسمك
على أوتار العود العشرة
لأنّي خُلقت
على هيئةٍ غريبة ومخيفة
لم تُخفِ عليك عظامي حين خُلقت
تمت قولبتي في أحشاء الأرض
كُتبت كل عظامي في كتابك

  استطاعت فرخزاد، بطاقَتِها الشعرية الهائلةِ، استنطاقَ كَوامِنِ البــشاعة، وتَحريكِ رواكدِ القسوةِ عبرَ مُلامَستِها للُغزِ التشوهاتِ الناتجةِ عَن هذا المَرض، كَأَنّها تَكتُبُ سيرةٍ ذاتيةٍ لإحدى مخلوقاتِ جياكومتي، فكلُّ لَقطةٍ  من الفيلم هي كــــتابة ٌعلى لحمِ القَلقِ، وكما نعرفُ أَن الجُذام هو الموتُ الحيُّ، وأنَّ الإِصابَةَ بِه تُعَدّ مُحاولَة ً للدّفْنِ داخلَ الجَسَدِ، ففيه أيضا، وللمرة الأولى في تاريخِ الأوبئَةِ، يُجاهِرُ المرضُ بِجـــــوعِهِ، ويَكتَشِفُ المريضُ من خلالِه  عصــــامية َ الجسدِ في الحصـــول على غَذائه الأبدي، إذ بحضور الحِس الشعري راهَن المَرضُ على الاحتفاءِ بسريّة الخوفِ من تسارع زَمنِ الانقراض.
وقد بَرعتِ المخرجــــة ُ في استجـــــوابِ المكانِ وتـــدوينِ أقوالِهِ بِحساسيةٍ غنائيةٍ، حيث مكّنها ذلك من كتابةِ قصــــيدةٍ بصريةٍ عـَــــــما يدور في تلك المُسْتَعْمَرَةِ، ويبدو أن إِصرارَ المخرجةِ على الحضورِ في المكانِ المادي الحاضنِ للمرضِ هو استفزازٌ للمرضِ نَفْسِهِ، إذ نتَـجَ عن ذلك الكثيرُ من الكشوفاتِ الفاضحةِ للمُضْمَرِ، فكأنَّ تجربة َالمَرَضِ هي تجلٍّ صوفِيّ تُخرج المـَــرءَ من العَدَمِ لتُدخلَهُ في سؤالِ العَدَمِ، فالألمُ هو أحدُ أهمِّ الأسئلةِ عن سرِّ الاله، ويقـاربُ هذا الرأيَ اشارةُ رينه شار لذلك في احدى قصائدِهِ بأنّ  "الألمُ ظل الرب " لكن أيُّ ألمٍ يتوجَّبُ عِناقُهُ كَي يكونَ ظِلاًّ  للرب، لا شك أن الموتَ هو ذلكَ الألمُ المُطَهَّرُ مـن جميع الآثامِ، هناك حين ينفردُ الألمُ بصاحبِهِ يَتَعَرّى الظِّــــلُّ هائمًا في صـحراءِ سؤالِهِ البعيدِ، يسألُ الرملَ، بتخشب جسده، عن بئرٍ يطهّرُهُ.
من انتباهاتِ المخرجَةِ فــــي مُناجاتِها لِروحِ المَكانِ، أَنّها أرادَتْ أن تقولَ بأنَّ المكانَ يُستعمَر بالذاكرةِ، وكلُّ استــــِـعْمارٍ يُخلّفُ وَراءَهُ الكَثيرَ من الدّمارِ، مِنْ هُنا نَفْهَمُ أَنّ فرخزاد استعمرتِ الزمنَ المتمثلَ في الجسدِ بالمكانِ بوصفهِ رُوحًا تُضْفي على الألمِ تجلياتٍ شعريةٍ ناصعةٍ كـنصاعةِ الألمِ، فسينما كهذهِ لا تُقدمُ لجمهورِ الأحياءِ، إنما هي فنُّ المَوْتى  بحسَبِ جان جينه، كان يمكنُ أن ينالَ الفيلمُ رصانة ًأعلى لوْ أنّ المخرجة َابتعدتْ عن قراءةِ الشعرِ، واكتفتْ بشعريةِ الصورةِ التي أجادتْ في  خَلْقِها، برؤى متولدةٍ مِن إيمانِها المطلقِ بإنسانيةِ البُعْدِ الشّعْري لِمَسيرةِ الأَلَمِ، ولأَنَّ الشّعْرَ هو خطابُ الموتِ للحياةِ بِحَسَبِ باول تسيلان، فإننا نستطيعُ أن نقولَ إنَّ ما صنَعَتْهُ فرخزاد ليس فيلمًا، بَلْ عَمَدَتْ إلى استضافةِ الله في جزيرةِ مُنقَرِضَةٍ تُدْعى سينما الأنقاضِ البشريةِ، هناك يَخرجُ الجمهورُ من تحتِ الأرضِ، ليُشاهِدوا ظلالَهُم وهي تجسدُ مشهدَ انهيارِ السماءِ  .



المشاركة السابقة : المشاركة التالية