جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » قضايا


صناعة الهامش والهجرة الثقافية


مهند الخيكَاني
اليوم الذي قررت فيه شخصيات " المركز "، أنها معجبة إعجاباً كبيراً بشخصيات الهامش الجدلية ، دخلنا في نوبة إغماء جديدة من التزييف والتصنع ، وأصبح المريدون يحجون من كل الجهات ، في سبيل تحقيق شيء من تلك الجدلية اللافتة . حتى أصبح الهامشي الحقيقي مقوساً بمن زيفوا هذا الخط .
وبدل أن يكون اختراق الهامش للمركز ، اختراقاً على المستوى الثقافي والمعرفي والجمالي ، حتى يكون هو الواجهة ، أصبح الماء الذي تمتصه الاسفنجة حتى جف .
والان نحن نعاني من وجود مركزين بدل أن يكون واحد ومن هوامش كثيرة لا أحد يعيرها الانتباه بعدما تشوهت صورتها الحقيقية .
مركز موجود من الأساس وتألفت حوله كل أسباب النماء والتطور والتحضر في شتى مجالات العلوم الطبيعية والانسانية ، وعندما بلغ ما بلغ من الإشباع وطبع بالتكرار والقوانين الحادة ، من جانب واعجاب شخصيات المركز بشخصيات الهامش من جانب آخر ، أدى ذلك الى هجرة ذهنية لا أكثر باتجاه الهامش ، هجرة مدفوعة بالتذوق والسعي لتجريب شيء مختلف وجاذب ، ليس من صنع المألوف واليومي المشاع ، الا ان هذه الهجرة افسدت خصوصية الهامش ، ذلك انها شبيهة باستقطاب مفاهيم وسلوكيات وليدة الجغرافية ثقافياً واجتماعياً ، وظروف المكان وطبيعته ومناخه ، واذا ما كان الهامش يقع على اعتاب مدينة ساحلية ، او يشتهر فيها النهر ، او تمتاز أرضه بوعورتها أو انبساطها . كل شيء في البيئة ينعكس على بعضه في جملة علاقات أولية ، مؤدية الى علاقات صريحة ينضج فيها المكون الثقافي الى بنيات وشبكات مترابطة من الداخل ارتباطاً وثيقاً حتى وان بدت من السطح ، مفككةً ومتناشزة . الصور الناتئة في عين الراصد ، هي الصور التي لم تجد سبيلا لتوضيح علتها ، ولم يتم فحصها بالشكل الدقيق ، وعلى الرغم من تعقيد الدقائق الثقافية والاجتماعية ، إلا انها تعمل كأسباب ونتائج في آليات بسيطة . إذن كيف سيصح التشبه والتقمص واجتذاب القيم من منطقة الى اخرى مختلفة في خصوبتها وقدرتها على انماء انواع اخرى من الظروف الثقافية ؟ ، الأمر الذي أوصلنا اليوم الى صناعة الهامش وهي تختلف عن الهامش الاصل في مكنوناتها ، تشبهه في الظاهر ، مما انتج سلوكيات وقيماً غير أصيلة تتداخل وتمتزج وتتناقض في شخصية المتمقص المهاجر مع ثقافته ومكنوناته الأصل ، هذا التخلي المفاجئ غير المحسوب وضع الأفراد في ضياع قيمي وثقافي ، على اعتبار أنه عائم ولا يجد له طينة خصبة للنمو . من ذلك تداعى الهامش وفقد روحه الفنية وتمايزه الابداعي ، تاركًا خلفه جثة المكان على سابق عهدها الأول ، عندما كانت تدور في إطار من الانحدار والتدني الحياتي والمعيشي ، تسعى سعيها القديم في ملاحقة رفاهيات المركز الأصل !
أما تحول الهامش الى مركز آخر هو أيضا مدعاة للضياع والشتات ، حيث إن دخوله آليات التحول نفسها أدى به الى صناعة مركز لا يلائم مناخه الثقافي .
هذا غير ان كل من المركز والهامش اكتسبا بشكل بديهي وجودهما من فكرة الثنائية المتناقضة ، وفقدان أو تقنين هذه العلاقة هو ضرب لمركزية كل منهما داخل أرضه ، وهو بمثابة صدع في وجودهما ، فكلما ابتعدا ، ازداد بروزهما وكلما تداخلا عمت الضبابية .
هجرة العنصر الثقافي من مكان الى آخر بفعل الإعجاب والرغبة دون فحص وتشخيص يدعو الى الخلل ويضرب فكرة المختلف وصفة الاختلاف . ولعلّها من سلبيات التثاقف أو المثاقفة ، على قدر ما له من أهمية ، وكثيراً ما ركزت الأنثروبولوجيا الثقافية على هذه الموضوعة .
واذا كانت الهجرة الثقافية بين منطقتين مختلفتين في إطار ثقافة محلية واحدة ، تؤدي الى الكثير من التشوهات والنشاز ، مثل منطقة وسطى وجنوبية ، أو وسطى وشمالية ، أو شمالية وجنوبية ، فكيف بالتداخل بين ثقافتين كلّيتين تنتميان لجغرافيا وحدود متباعدة ! مع الأخذ بعين الاعتبار دور العولمة في تسهيل عملية الاختراق واضافة تسريبات ومنافذ جانبية على طول الطريق . وهذا لا يمنع من وجود ثقافات متجاورة تُنضِج بعضها بعضاً ، خاصة اننا نعيش اليوم في بلدان تمتاز بالتنوع الثقافي ، كما ونشهد هجرة عشوائية من بلد الى آخر .
و كأمثلة على بعض ما ورَد ، نرى في الإطار الأدبي والشعري التشبّه ، ب" رامبو " و "جان جنيه" في السلوك الحياتي والشعري والتشبّه بجيفارا على المستوى الفكري والنضالي . وعلى مستوى الثقافة والاجتماع و النقد ، خاصة في المناهج النصانية ، التي انتجتها الحضارة المادية الغربية ، وطبقتها المؤسسات العربية .
وبلا أدنى شك فإن البطء والتخاذل في الحراك الترجمي ، جعل القراءة منحصرة في أرقام معينة لعنوانات محددة منذ سنوات ، إلا من بعض الجهود الفردية الخالصة في ترجمة الاصدارات الحديثة في البلدان الغربية ، أمثال قحطان جاسم و لطفية الدليمي وحسن ناظم في العراق ، وآخرين يعملون بشكل فردي في الوطن العربي . هذا القصور والتلعثم في مجال الترجمة ، أسس لانهدام ثقافي وخراب فكري غير محسوب ، حيث إن الكتب المترجمة التي تصل إلينا على إنها اصدارات جديدة ، تحمل طابعاً مختلفاً من الأفكار ، لكنها في الوقت ذاته اصبحت تراثا بالنسبة للجهة المصدّرة ، فنحن الى اليوم نعتد بفلاسفة مثل غوته ونيتشه وهايدجر وسارتر وسيوران وألبير كامو وغيرهم ، في الوقت الذي تعتبرهم تلك البلدان التي نشأ فيها هؤلاء الكتّاب ، مجرد مرحلة فكرية لا أكثر وراحوا يكملون تلك السلسة بإضافة حلقات جديدة نسمع عنها ولم نطّلع عليها . الأمر الذي جعل القارئ العربي المختص وغير المختص في خانة التأخر ، ويمتثل لأفكار وطروحات هي جديدة من باب أنه لم يطلع عليها بعد ، لكنها من باب آخر تحولت الى أساس تُبتنى عليه وتستحدث خلاله نظريات في شتّى المجالات . وهو ما يقع على بقية الترجمات في إطار الشعر والأدب ككل ، مخلّفاً آثاراً تراكمية يمكن الشعور بها الآن أكثر لكونها بدأت تتخذ شكلاً خشناً وناتئاً في الثقافة المحلية .



المشاركة السابقة : المشاركة التالية