جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » مراجعات


أصدقاء العلانية


حسن ناصر
*  النفرّي

عثر المنقبون في أطلال نفّر، التي كانت مدفونةً تحت طبقات من غبار العصور، على مقابر ومعابد وخرائط. لم يلتفتوا إلى صومعةٍ كانت الأقرب إلى سطح الأرض. صومعة يتوسّطها بئر ينزل دلوها إلى أبعد نقطةٍ من تلك الأطلال. كان صديقي الشيخ النفرّي صاحب تلك الصومعة وبئرها العجيب. يغترف من تحت طبقات الماضي التليد وكأنه سيد الزمان، يعرف خفاياه ويدرك دوراته لينطق بما لا يحد.
دفنه النسيان قرابة ألف عام وأضاعته  الأرض بدورانها وغبارها. كان الشيخ محمد عبد الجبّار النفرّي واثقا من أن الحروف خالدة وأن مواقفه ومخاطباته معرضة  للدفن تحت غبار الزمن لكنها لن تموت وستُبعث حتما على لسانٍ آخر بلغة أخرى أو حين تنفض عواصفُ الفضول البشري الغبارَ عنها لتتجلّى  كلماته وتصدح في ذاكرة البشر مرة أخرى.
كان هادئاً عميقاً يُلقي بدلوه في البئر العميق ويجتر من حيواتٍ سالفة ما يلهمه في فهم وجوده الغامض في حلقة من سلسلة عصور لا نهاية لها. كان هادئا عميقا لم يعبأ بعنف وصخب عصره الذي ركب موجته معاصره ؛ الجواد صاحب الصهيل الفذ أبو الطيب أحمد بن الحسين المتنبي. لم يحفل النفري على خلاف ناس عصره بالشهرة والغني. لم يلق بالا الى المديح والهجاء والمراثي والغزل، بل كان مهموما بالفرح الأبدي، بالنجاة من أسر الزمان والمكان، واقفا عند فوهة البئر يرسل دلوه إلى الأعماق متماهيا مع أصوات تأتي من الماضي البعيد، أصوات صلوات وابتهالات عريقة توارثتها معابد وردّدها كهنة، ذابوا جميعا. نغمات تسعى لأن تطابق موسيقى الوجود وصوت الله. لا أحد يعرف كثيراً عن حياته. كلّ شيءٍ غاب وكلُّ شيءٍ عنه سيغيب إلا مواقفه ومخاطباته التي تأتلق لتطرد ظلام وقسوة التعاليم والتباسات كهنة الأجوبة القسرية وهو يبحث عن معنى الله.

* الغريب صاد

لعلّه أكثر الغرباء غربة وأكثرهم شعورا بالوحدة والضياع. اعتزل عن الناس في ثقب من ثقوب الطبيعة. لعلّه أيضا عاش غريبا عن نفسه، ضائعاً في صورةٍ من ابتكاره لا تكف عن التناسل. هكذا تجلّى لي في حلم ليلة بعيدة، بل غائرة في القدم ، حتى أني لا أساطيع الجزم إن كان الحلم قد تراءى لي في خيمة في صحراء، في غرفة في فندق يعجُّ بالترف، أم في واحدة من ليالي الوحدة والقسوة والجوع والإفلاس في شارع ما!
لكن الحلم رسَّخ غربته في قناعتي وما عاد بإمكاني أن أرى رغم آلاف الروايات والرؤى التي تصوّره غير ذلك الغريب الذي مات وحيداً معذّبا يتيماً كما عاش حياته كلَّها. رأيته في ذلك الحلم  بوجهٍ ينطوي على التباسات عظيمة. كان روؤفاً قاسياً وواثقاً ينطوي على ما لا يحصى من الشكوك، ملكاً مسكيناً يعرف أنه كأيّ فانٍ لا يملك من أمره شيئا، قاتلا دون أن يقصد ورحيماً دون أن يعي هفوات رحمته. كان زاهدا في كلّ شيء وطمّاع مثل جفاف يرضع حياته من طراوة كلّ شيء.
ترك اسما تحيط به وتجلّله الابتهالات ولكنه عاش ومات غريبا.
حاورت في أحلام تلت ذلك الحلم صخوراً ونوقاً ووخياماً وعناكب وأفاعٍ وحمائم، أردت منها أن تجلي بشيء عنه. نطق كلٌّ منها بلغتها ليعضّد التصور الذي تركه الحلم الأول. كان غريبا لم ينتم إلى شيء آخر سوى عزلته ومتكبراً مهووساً يرى في نفسه سيد الكائنات كلّها وصاحب سرّها بينما هو الأوحد الذي ينكر غربته.
نزل من ثقب الطبيعة إلى الضياع في التعدّد. ترك نفسه هناك في الجبل وانتحل هويّةً أخرى وهو في كهولته بعد أن سمع صوتاً صارماً يصارحه أن غربته ما كانت لتنتهي وأنه ليس ابناً أو أخاً أو زوجاً أو صديقاً أوعبداً لأحد. وكيما يخلع غربته عنه عليه أن يكون رمزاً وعبداً وصديقاً  للذي لا يحد وأباً وأخاً وزوجاً ورفيقاً للناس كلّهم.  نزع روحه وتأملاته هناك في الثقب وارتضى نسيان نفسه ومعها غربته. نزل يتهادى على السفح بقولٍ ومكرٍ ممسكاً بحفنة من السحاب.

*  كافكا

جئني بمثله لو استطعت! جئني ببشري ينطق بشيء يكافئ الزلزال!
" ما أن صحا گريگوري سامسا ذات صباح حتى وجد نفسه قد تحوّل إلى حشرة ضخمة..."
ذلك هو الموظف المخذول والذات المستعرة بالأسئلة والقلق؛ صديقي فرانز كافكا.
كنت في الجنوب فتى يافعاً ارتشف من ينابيع مكتبة العمارة العامة باحثاً عمّا يمكن أن يرسّخ قناعاتي الساذجة حتى وقفت أمام صرصاره العجيب. جرّدني من كلّ يقين، كنس عن روحي سذاجتها ووضعني في مواجهة العالم. أردت أن أغادر مقعدي في المكتبة فتحركت أرجل نحيفة تثير الرثاء وآلمتني تفاحةٌ مغروزة في ظهري.
لعلّه أراد أن يكون ساخراً أراد أن يثير الضحك كما يقول بورخيس ولكنه وبكل مهاراته وعبقريته لم يتمكّن من التنحي عن كآبة عاتية؛ كآبة كائن يعي تعقيد الوجود.
عاجزا عن النهوض بيقين ساذج، بقيت أسيراً لمقعدي أما الكتاب. المكتبات كلها كتاب واحد. أقرأ وأفسّر خذلاني. فرحٌ بحريتي من اليقين ومهموم بسعة الشكوك. أقرأ وأقرأ وأعرف أن سامساً يصحو كلّ صباح في هذا الزمن المديد حشرةً مسكينةً منبوذةً أسيرة الكتمان تريد أن تنجو من الجنون.

*  الحلّاج

إنه دلال الغيب، صديقي الحسين بن منصور الحلاج. أبوه يحلج القطن وهو يحلج سحائب الغيب. شغلته الأسئلة وكان سؤالاً مقداما شق صخور العقائد التي شكّلت بنيان عصره. ظلّ ينتقل من تعاظم اليقين إلى تعاظم الشكوك. ظنَّ لوهلة أنه احتاز الحقيقة المطلقة، كان هذا قبل أن يقول أو ترسم دماء جسده المعذّب ماتناقلته الأجيال عنه " أنا الحق والحق أنا". لم يكن قد اقترب من الحق ولكنه سأم الخفّة الناسوتية وكره الحياة والناس وعصره. يوم كان يتنقّل بين مقامات اليقين، فارت دماؤه تعصّبا وقرّر أن يسافر إلى بلاد الهند. أراد أن ينشر كلمات الله الحقّة ويسدي فضلا ليس بعده من فضل لقومٍ ضائعين في الأوهام.
صعد إلى السفينة مؤمنا مدجّجاً باكلام والحماسة، لكنه حين نزل منها أحس بدوار البحر، دوار الفانين. قلبته الهند رأساً على عقب. تعلّم رياضيات الروح والجسد حتى صار ينظر على إيمانه القديم الهش بحون وندم. تلاطمت أمواج شكوك تحاكي ما شهدته عيناه من عدم استقرار البحر على حال.
تعلّم أن الوجود وهم وسمع ما تيّسر من اليوپانشاد. سمع الحكاية عن إله المصائر . لو ألقيت يا حلاج في مرجل الوجود لولدتَ مرة ثانية.أميرة باهرة الجمال في قصر، سترى نفسك تكبر وتزداد جمالاً وتعيش وتحب وتتزوج وتمتلئ حياتك بالحب والأمومة والرخاء. ثم يداهم القصر جيش غزاة ويتقتلون زوجك أمام عينيك ويذبحون أبنائك ، ستبكين أيتها الأميرة الجميلة ويتفحّم قلبك من الحزن،
وتكاد أن تموت غمّا. ينتشلك إله المصائر من المرجل ويسألك: والآن علام تبكي يا حلاج؟
تصعد الى السفينة مرة أخرى وتعود من حيث أتيت. تبدأ مقامات الشك. ترحل لأنك لست من النوع الذي يقيم. الإقامة موت والترحال حياة. الترحال في دوخة الوجود. تواصل البحث وتتصل بالإنسان، تقدّسه، تعرف غباءه وجنونه وحمقه القاتل ودخيلته السريّة الإلهية،  تتعلّم الغفران وتريد أن تعلّم الغفران للعامة. تريدهم أن يروا إبليس موحّداً فذاً، بل أكبر الموحّدين قاطبةً. الشك يتصاعد وأنت تغذ الخطى نحو النهاية. علّمتك الهند الكثير ولكن بغداد المتوترة تغتصب مخيلتك وهأنت مسمّر إلى شجرة، مصلوبٌ عليها بعد أن نكرك شيوحك وأصدقاؤك ومريدوك. تبكي وتغفر لهم في عصرٍ لم يعرف الغفران.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية