جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » مراجعات


الأفعى المحمولة


محمود عوّاد
الصورةُ قطعةٌ لحم ترميها الكاميرا إلى نوع من الكلاب ،تنبح في العين القلقة بحسب هذه الرؤيا تكون لدينا عضّة فوتغرافية وليست لقطة.
حينَ تبتكرُ الصورةُ فضيحَتها,يـــــــــــجيءُ خوفُ المصوّرُ  صرخةً , تذهبُ بالصورة إلى مناطــــــق أكثر خطورةً من الحذفِ نفسه ,
إذ في الصورة ِيتحول الفضاء الصانع للظرفيةِ إلى عثة ٍ شرسةٍ بتخفيها ,مهمتها نخر المناخ العلاميَّ  المُعتاد , لتُنتج من خلال ذلك عــــــــالمها الخام , الناجم عن اجتراح المصوّر  لمناخه المخــتبري , فالأخير وحده قادرٌ على وخـــزِ فخد الغواية البصرية , والكاميرا كلما امتلـــــكت زمام مبادرتها , توغـــلت أكثر في قتلِ سيمترية عدستها الأم "قلق اللاقط "، لأن عـــدسة الآلة ماهي إلا لُعابٌ بـصريٌّ تـسبح  فيه ما سمَّيتُها بــ "العدسة الأم " ذلـك اللــــــــعابُ  يتكاثر كلما ازدادت هواجـسُ الخــوف لدى "العدسة الأم" , لذا يـجوز القول إن القلق هو لُعاب الصورة , وكلما تضاعفت كمية اللعاب , تــــــــحوّل إلى سمٍ يّدبُّ في عروقِ  اللحظةِ المُرتقب اصطيادها , بــــذلك يمكنني أن أُطلق على الكاميرا تسمية "الأفعى المحمولة " فهي الوحيدة التي بمستــطاعها لدغ الزمن بظرفيةٍ هي  تقترحها ,وهـــــــــذه مزية خـــاصة بالفوتغراف , فــــكاميرات الفديو تُطعم هواجسَها ,باستمرارية الفعل "الحركة " بحسب دلوز ,بينما الفوتو تحشو معدة قلقها بالقطعِ , ومهمة كهذي  صعبةٌ ومُعــــقدةٌ , ولا يُجيدها سوى البؤبؤ الأُفعواني الملتصق بــ "العدسة الأم" لذلك قلـــــــت في مناسبة  كتابية سابقة , إنّ عين اللاقط هي دكة مغتسل متنقلة ,ولكل مغتسل طقوسه الخـاصـة , إلّا الكاميرا فطقســـها هو الخوف حتى في أعلى درجات الفرح  والبهــجة , وإذا ما كانت هــــناك آلةٌ قادرةٌ على زراعة الرعب في الأشياء  فستكون هي الكاميرا,وإلّا لماذا اعتبر بلزاك أن الصورةَ عملـــــيةُ امتصاصٍ للروح ؟,لهذا كان يرفض التصــــــوير , هذا يضعنا أمام مسئولية أكبر من تصويرِ الرعبِ والـقتلِ , لنــــــفهم أنَّ الصورةَ قــــــد ابتكرت فضيحتها , بتمثيلها صراعَ جوفها واضطرابه , والأخير يكمن بــجعل الجسد الشيئي خطاطة تتيح للموتِ قراءة لذّتهِ المُدهشة والمختزلة لمفهوميةِ الأرقِ الوجوديَّ الصورةُ عكازُ الذكرى
بل هي نملٌ على حائطِ اللازمن  كلما خفَّ انتصابُهُ  رَكضَت بالموتِ نحو ولادتِهِ في فناءٍ جديد يَسحبُ الموتُ الإنسانَ من حياتِهِ مثلَ مسمارٍ عنيدٌ من الخشبِ يولـــدُ الموتُ في الموتِالتابوتُ مهدٌ تهزُّهُ المقبرةُ بالبكاءِ ونباحُ الكلابِ ليلاً فيما تقيمُ الصورةُ في الحوائطِ  تنبيهاً للزمنِ بطفولةِ الموتى
وإذاما كان التصوير هو رغبةً في الـغياب بحسب سونتاغ ,إذن كيف ستتعامل الكاميرا بصفتها "موت لاقط "مع موت جسد,هذه الثنائية  تكون عـــــصيةً , ولايتـقن لـعبها سوى المصوّر القادر على تربية عداوة بين المـوت ورغـبته ,بتوافــر ذلك يمكننا تصنيف التصوير تحت مفهـوم فن الحذف الثابت ،  ولا يتحققُ شرطُ ذلك من دونِ اللعـــبِ على استفزازِالجسدِ بعينٍ تؤثثُ حضورَ الصورةِ بغيابٍ تامٍ لجـــــغرافيةِ المرئي المتمثلةِ بالجسدِ نفسِهِ، والانطلاقِ نـــحو غيرِ المرئي القائــــمِ على النفي الحاضرِ في مــــجهولِ الزمنِ "المستقبلِ " ولأنَّه يتحــرّكُ على وفــقِ إحساسه بضرورةِ نفي عالمِ الماديات ،إذن يمكنُنا تسميةُ المستقبلِ بـزمنِ اللازمنِ ،ويتجـلى هذا في مجملِ مصوّراتِ الأمريكيةِ فرانشـيسكا ودمان،فالصورةُ لديها فارزةٌ تضعُها آلة التصويرِ بين ترحالين خلقَهُما إيمانُ الجسدِ بطاقةِ النفي،إذ ليستِ الحياةُ بالنسبةِ لها سوى التحرّشِ بالموتِ من خلال الكاميرا ، فعندما أُخترعت آلة التصوير أُكتِشِف أن للموت معدة بلاستيكية تتسع باتساع الزمن .



المشاركة السابقة : المشاركة التالية