جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » زمان ومكان


الأكاديمية الروحية لشكسبير في البصرة


نعيم عبد مهلهل
بفضل حكايات شهرزاد استطاع شكسبير أن يصل الى الكثير مما قاله ولكنه لم يعلن عن ذلك
بورخيس

( 1 )

لم يكن لمتصوفة البصرة توهجاً يشبه ذلك البوح الذي اعتنقه الزنج وأمازيغ الفداغية وعذارى مملكة العشار ،
وكل الذي فعلوه منحونا في غفوة ما كنا نريده مع أصابع سعد اليابس نواحاً صوفياً نطلقه خلف نعش الشاعر حسين عبد اللطيف .
البصرة التي تنتهي عند ضفاف شاطئها أنهر ميزوبوتاميا ، وتقصدها اميرات أور ليتعرن مثل بجعات السمفونيات تحت أضويه أقمار بساتينها ، بعيداً عن رموش الدبابات وسكراب حفر الباطن ، وهي من بعض خيال شكسبير الذي نزل ميناء الفاو ببسطاله ومشى الى البصرة حذرا بعربة تروماي ، ثم جلس مستريحا في مقهى حين وصل العشار ، وقتها كان اليوم البصري مرتبكا ، وسيارة دك النجف .للتمويه تجلب لحسن المجيد الهمبرجر المغشوش ، مختبئاً من طائرات الشبح ، ومتمتعاً بمعنويات كاذبة لعرفاء تطوعوا من أجل القضاء على مفردات بطاقة التموين .
تأمل الانكليزي نهار رواد السينما ومقامري الدومينو ورائحة الزيت القادمة من مواعين السمبوسة ثم نادى على نجمة زنجية يسألها أن كان يستطيع الحصول على نبيذه المفضل ، فلم يجد سوى عصير النارنج وشاي النعناع . شربه وشرع يكتب هاملت من جديد . النسخة القديمة لم تعد صالحة لأسلحة الليزر ، والخيانات اصبحت عولمية ، ومتى انتهى من المقدمة ، تسلى بمراجعة لأنشودة المطر مترجمة الى الانكليزية من قبل طالب مبتدئ في كلية الآداب . لاحقاً هذا الطالب يصير خطيب جامع ، لتجتمع في رأسه أساطير مفاتيح الجنان ومصافي عبادان ووثائق تخرج العاطلين عن العمل ، وما الذي حصل بعد ذلك ؟
ثمة أطياف سمفونية تحملها أنفاس راقدي متشفى الأمراض السرطانية ، آثار دخان المارلبورو المغشوش وسكائر الغازي واراكيل تبغ حلبي وبعضهم بسبب جوعه يشم التراب. وأنت يا حسين عبد اللطيف حتى في قبرك لم تزل تكتب عن أناشيد اورفيوس ، تلك التي بذل من أجلها ريلكه طاقة الروحية كلها ، وسلمها الى وليم شكسبير ليجعلها مبادئ لإعلان أكاديميته في البصرة ، البصرة التي تختصر الغيمة بعطر ، والعطر بدمعة أم علموا صبيها على شرب الترياق القادم من مزارع إيرانية وأفغانية وأخرى في ضواحي سراييفو ربما ، هناك الدكات الصربية لا تحب نشيد عمائم أهل الحلاج ، لهذا اعلنت الحرب على البانيا .
في قربك يا أبا رُسل تحاول أن تجدد عاطفة الشعر من دون خشخاش ، روحك المسكينة بغرام المرض ، وعلى أريكة في مقهى كل مساحتها الرصيف ولوحات هاشم حنون ، وبائع البطيخ يتأمله ويردد مع نفسه : هذا الرجل كل يوم نظرته الشاي والمجهول وأشياء لا يعرفها سوى غيب فقراء الحيانية ، وربما سينام عند أطراف ثوب فستان إديث بياف يسمع أغانيها مع بحارة فرنسيين نصحوا ارثور رامبو ان يتوجه الى الزبير ولا يذهب الى ميناء عدن أو مصوع حيث سيعلمه الأفارقة زراعة الإيفون وتجارة البنادق ونسيان نصائح يسوع ابن الله .
اليوم الشاعر مات ونوارس العبدلي شربت الرمل ولم تشرب من ماء زمزيات جنود الحرس الجمهوري يوم غاروا عليها في ليلة اختفى فيها قمر المطلاع وظهر فيها كحل بطاقات التموين تنتظره العيون كل رأس شهر ودهر حتى وجدنا الانكليز على ابواب البصرة .
تلك مشكلة أخرى لا يحلها الميتون يا حسين عبد اللطيف ، فلنهرب سوية عن مشهد أن شكسبير يترك حانات لندن وقلق هاملت ويفكر في قلق البصرة . لقد كان الفراهيدي قبله في تأسيس أكاديمية اجراس اللغة ومحاكات وزن النجرة ،وبسبب هذا كتب النواب اجمل اغانيه ، ومثله فعل داود الغنام ويوسف نصار ، وهاهم يتجولون ، وربما اقترح محافظ المدينة أن يكون مقر الاكاديمية قصراً رئاسياً ، لكن شيخاً لا يحب النرجسية واليسار أراده مقراً لمؤسسة توزيع الخبز وجبن المثلثات على الفقراء .
فلترك تلك الأحجية اليومية بين المحتل والساسة ونعود الى البصرة عندما تكون قطرة مطر وشفاه جارية سمراء لنصوغ مع شهواتها رتلاً للورد ودبابات لنهود أميرات من جهة الأحواز ، ولنغني معا تلك الأنشودة التي أردناها شاهدة على قبر اجاثا كريستي :
فليرقد مدير المتحف البريطاني في قبره  ، وليحلق الأمير الكويتي مع نسره ، وليأتي صوت ماصول تومان بأعذب عطره. فالذي في الهوى يطير ليس سوى شراع مركب آت من مسقط إلى البصرة .
فليرقد المدير وليس لنا حاجة به ، ولا حتى بالقنصلية التركية والصومالية والكولومبية والتركية والايرانية والكردية . فما نحتاج إليه الرغبة التي كتبها حسين عبد اللطيف في نار القطرب وأضفت إليها أنا شيئا من بهارات دلهي ودمعة صديقه الروائي محسن الخفاجي وهو يموت بالسكتة القلبية اثناء كتابته لنص عن أيام اعتقاله في سجن بوكا . المحسن الذي اخترقت حواسه عذابات السجن ، يتذكر صديقه البصري الذي لم يسدد الى اليوم ما تبقى من أقساط القرض العقاري ، ويسمع في همس ليالي الادباء أن أحمد الجلبي سيطفئ القروض كلها ، ولا اظن أن شكسبير سيحتاج الى هذا القرض حتى يكمل أكاديميته الروحية التي يعتقد أهل القرنة إنها مثل شجرة آدم يابسة وليس لها مأوى سوى نذور النساء العواقر وأماني الباكرات ومكملات درس الحساب في الرابع الابتدائي.
لن يحتاجها لأن الماء المالح صار يمشي بمحاذاة الضمائر الموبوءة بحب الدينار ـ الماء الذي لن يصفي في روح هاملت وقلقها شيئا ، فلنتذكر محاسن النخل في حياتنا ، عندما طفولتنا والخوذ في خندق واحد ، وعندما المدينة التي اوقد فيها القرامطة رائحة التمر وقصائد العطارين والسمك المشوي على جمر خصر راقصة في ليل نوادي الانكليز وأيام سارتر وصوفيا لورين وصبري صندوق أمين البصرة ، وأشياء توثقها إيقاعات الهيوة مقلما وثقت باريس نشيد المارسليز بين شفتي برجيت باردو.
يضحك حسين وهو في قبره ، يتذكر زيارته للعاصمة الفرنسية ، التقوا شاكر نوري هناك وحدثهم عن ظاهرة آلن بوسكيه الشعرية وعن غيبوبة سيمون سينوريه المفاجأة وعن تهافت امراء الخليج على عطر الن ديلون ، وحين عاد مر على الناصرية وابتدأ فيها كتابة اول قصائد ديوانه الشعري أمير من أور . لقد كان اسمي فيه ومعي كان يضع اسماء الرواة اليابانيين وبحارة منسيين من اهل مانيلا زاروا البصرة بعد الاحتلال ، وقد سفروهم لاحقا لان الشرطة النهرية وجدتهم يسرقون تمثالاً لعدنان خير الله كان على ضفة الشاطئ يومئ الى المحمرة ويؤشر عليها بأصبع من فوهة دبابة روسية .
الى الآن لأنعرف لماذا يريدون تمثالاً لا يمت الى الفلبين بصلة ، اعتقد إن هذا واحد من دوافع تفكير شكسبير أن البصرة صوفية وسريالية لهذا تحتاج الى اكاديمية لنفهمها جيداً .
وفي الكتاب ايضا أسماء خالاتي وعماتي والمتصوفة البصريين ويهود من تجار السكراب وفيه البوح المسكون بحنجرة البريكان . (( ومن قتله بالسكين أو بأداة اخرى حتما واحد لا يهوى الشعر والموسيقى ونبوءات العرافين. وحتماً في الليل الأخضر والأحمر والأصفر ونبات البربين تسكنك سمفونيات الشحاذين المنسيين ، جنود كركة وأفارقة زنجباريين أتوا من جهة مسقط واستعاروا من حلاق في شارع دينار ملقط  ، لينزع الحاجب والتاتو ، وهم كانوا غرباء وطارئين . ليسوا مثل اؤلئك الذين نسميهم كهنة معابد الطين ..
وأنت ايتها المتبصرة في الرؤيا ، المدينة التي اسعفتها السماء برذاذ الرقصات الحنونة والمجنونة وطقوس السادة المبجلين
سنقرأ في حضنك ما نسيناه ، وسنراجع ما قرأناه ، وسنبكي على ما فقدناه ، سور النخل الذي كان بطول سور الصين ))

( 2 )
تلك الرؤى نيابة عن بيكاسو سأرسمها ، ونيابة عن تومان وغونتر غراس سأعبّر عنها ، أضع الماصول في خيال المعقول واللامعقول ، وأشاهد اباطرة من اهل المغول أتوا من سمر قند ليبيعوا الخوخ والقمر الدين وعطر غسيل اليدين .
الى كل هؤلاء وغيرهم السيد شكسبير سيعقد ندوة قرب تكية الجامع الذي يقع في اطراب بساط الريح ، سيتحدث عن العطش ووشم الزند ، هذا الذي كان يضعه راقصي الفرقة الشعبية . ومتى انتهى الحفل ، فاجأته جنازة الشهيد اخيه ، فأنعزل صوفياً ولم يعد يرقص حتى في يوم العيد ...
عن ذلك الالم سيتحدث ومتى تعبت ذاكرته صديقة الملاية ستعاونه والروائية فرجينيا وولف ، ومتى تعبا ، المطربة سهى ستأخذ المهمة بالرغم من شرود نظرتها حيث تعيش في كوخ من ورق الكارتون تعيش برصيف في بغداد .
تلك حكاية أخرى سنجدها مع الأرشيف اليهودي في قبو مديرية المخابرات.

(  3  )
صباح البصرة ، صباح الحليب ونهد الوردة ، والزمن الذي يرفض أن يمحي الشامة من خده ، هي المدينة التي يثرى من تمرها الفقراء ويلهوا بسمائها ملائكة الشعراء ويتناقش عند جزرها ومدها القراصنة والحكماء .
بردة فعل روحية يرسمها الراقص والحوذي والبوذي وعطار الكركم والسمسم .
مغارة حياتنا من يفتحها غير حنين البصرة والآم ..
هذا ما لم يشر إليه شكسبير في محاضرته .هي دهشة المرايا لألف عصر وخصر وعطر :مركب هوائنا الذي من البصرة جاءنا ، فيه البوح وحبيب الروح وصناديق الشاي السيلاني . وفيه أساطير الزنج وغرام الغنج المسكون بقبلات الليل بين فراشة من أهل الفاو أخرى قادمة من المنامة . وستعرفين أن لكل واحد منا هيامه ، لهذا لن نحتاج أكاديمية للروح ، لأن الذي في أرواحنا يكفينا...

4
الآن بدون البصرة ، لا يستطيع صاحب هاملت أن يفعل شيئاً ، لينسحب اذن مع مدرعاته وسونيتاته وأفلام إباحة عري الاجساد التي يبثها قمر اصطناعي امريكي فوق مدار جنوب الحناء . ليتركنا نعيش حياتنا ننتظر الموجات الاخرى كما في قصيدة كافافيس عن البرابرة ، فلقد ملننا وعود القياصرة ، ولانريد أن يكون هناك بعاطفتنا متاجرة .
في كل زمان هناك برابرة ، وبعضهم من أهلها . من هم ؟ الجواب : أولئك الذين لا يوفرون لزمزميات العطشى ماء صالحاً للشرب .

( 4 )
وأخيراً توفر موبايل السامسونج في أسواق حنا الشيخ وفي مولات بوينس آيرس ، وسيهاتف به بورخيس الأرجنتيني ، البصري محمد خضير يسأله إن كان حسين عبد اللطيف يستحق يكتبها بالاسبانية نيابة عن لوركا والكسندر بثينته وولادة بنت المستكفي .
أبو مناف سيرد : لا داعي ففي أوراقي مشروع للكتابة عنه ،فقد كنا سوية من ظل سدرة في منطقة الجمهورية حتى الجسر العباسي ، هو بيده قرون ثيران القصائد وأنا بيدي أجفان غزال الحكايات .
سيضحك بورخيس ويقول : لقد ملئنا العالم قصصاً ومازالت الحروب تتفوق على أبطال قصصنا .؟
يرد البصري : يا صديقي في مدينة مثل البصرة ، تكتب قصة ، تكتب قصيدة ، ترمي طلقة ، العطش وحده من يتحمل تأثير كل هذا ..!



المشاركة السابقة : المشاركة التالية