جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » جماليات


رسائل فان كوخ - الرسالة الخامسة والعشرون


ترجمة: ستار كاووش
آرل ١١ نيسان ١٨٨٨
تـَيّو العزيز
لا تعرف مدى سعادتي بوصول طلبية الألوان التي أوصيتك عليها، يالك من رائع وأنت تقوم بكل هذا من أجلي، أن الصندوق معي الآن لكني لم أُعاين محتوياته بعد، وفضلتُ أن أكتب لك أولاً،
شكراً لأنك منحتني السعادة وأنت ترسل لي الألوان التي أحتاجها. بالمناسبة، هذا اليوم كان جميلاً بكل تفاصيله، ففي الصباح رسمت لوحة تظهر فيها شجرة خوخ مزهرة وهي تتحرك وسط الريح، وهذا المشهد لم أَرَ له مثيلاً سوى في هذا المكان، كنتُ مليئاً بالحماس وأنا أغمس فرشاتي بالألوان وأراقب أشعة الشمس وهي تتخلل زهور الخوخ البيضاء المتفتحة، لتبدو هذه الزهور مثل الجواهر المتلألئة، ياللجمال البكر الذي أراه هنا! وعند وصول صديقي الدنماركي الذي جاء لزيارتي، كنت ما أزال منهمكاً بالرسم تحت تأثير الريح الشديدة، وقد وقف ينظر إليَّ وأنا أحاول السيطرة على أدوات الرسم التي بعثرتها الريح علـى الأرض، لكني مع ذلك بقيت متمسكاً بلوحتي وأجاهد كي أكمل رسم المشهد الذي صار يميل الـى الأبيض الممزوج بالأزرق والأصفر والبنفسجي، ليستقر بعدها لون الفضاء ويصبح أبيضاً مائلاً الى الأزرق. عموماً عليك ان تدفع فاتورة غالية الثمن حين ترسم في الهواء الطلق وفي مثل هذه الظروف.
بعد العشاء أعدت مرة أخرى رسم لوحة جسر لانغلوا* التي أرسلتها في الأيام الماضية الى تريستيخ، وستكون النسخة الجديدة من نصيبك، وسأرسم لوحة ثالثة لذات الموضوع وإرسلها الى يَتْ موف*، بكل الإحوال علينا أن نحصل علـى بعض النقود والفائدة من خلال هذه اللوحة. ندمت لاحقاً لأني لم أشترِ الألوان من متجر بيير تانغي*، ليس لأنه الأفضل أو الأرخص، بل كونه رجل رائع ولا يمكن نسيانه، وأنا أستعيد صورته الطيبة دائماً، لا تنس أن توصل له تحياتي الحارة، وإسأله إن كان يود من جديد وضع واحدة من لوحاتي في واجهة المتجر، سأكون سعيداً بإرسال لوحة له، وسيحصل بالتأكيد على واحدة من أجمل أعمالي التي رسمتها مؤخراً.
أشعر بأن الناس هم أساس وجذر كل شيء، وعلينا أن نصنع صداقات جديدة في هولندا، أو على الأقل نحيي صداقاتنا القديمة ونديمها، يجب أن نقوم بأفضل ما يمكن كي نتقدم ونمضي بشكل جيد ولا نخشى الخسارة، فقط علينا التروي للوصول الى الأشياء الجيدة في العمل، وهي في الغالب تكون قريبة من القلب والعاطفة، هذه الفكرة تجعلني بحاجة الى رؤية عمل مورات الذي حدثتني عنه سابقاً، حيث يمكن ان أسميه الحب الأخلاقي، فرغم الحزن الذي يسببه لك حب إمرأة ما، يبقى ذلك الحب مستقراً في قلبك، بكل الأحوال ذلك ليس أكثر بهجة مما كتبه موباسان في رواية منزل تيلير. أخبرني، هل إنتهى لوتريك* من رسم لوحته التي تظهر فيها إمرأة تّتكئ بذراعيها على طاولة المقهى وأمامها الشراب؟ متشوق لرؤية العمل بهيئته النهائية.
إن مضت الأمور على مايرام وحَوَّلت بعض التخطيطات التي رسمتها في الهواء الطلق الى لوحات، فستكون هناك فرصة كبيرة لبيع هذه الأعمال، اتمنى أني أستطبع المضي من خلال هذه الطريقة خطوات الـى الأمام، لذا افكر أيضاً برسم لوحتين من كل موضوع، واحدة أرسلها الى هولندا والأخرى تبقى  بكل الأحوال معك في باريس، وبذلك لا نجازف بخسارة شيء.
كنتَ على حق حول ما طلبته من تأسيت* بشأن إضافة ورنيش الغيرانيوم لقائمة الشراء، وقد وصلني مع الطلبيه التي فتحتها الآن وأنا في غمرة الكتابة، حيث أرى هنا ثلاث تونات من الأصفر الليموني والبرتقالي والاصفر، الأزرق البروسي والأخضر، وكذلك الأخضر الفيروني، والرمادي البرتقالي الدافئ. لا تجد هذه الألوان في باليت الرسامين الهولنديين مثل ماريس وموف وإزراييل، إنهم لا يستعملون هذه الألوان أبداً، لكنك تجدها عند ديلاكروا الذي يستعمل ألواناً لا يهتم بها أحد ولا ينشغل بها الرسامون كثيراً، مثل الليموني والأزرق البروسي، لينتج بها الروائع.
أشد على يدك. ولا تنس تحياتي الى كوننغ، مع محبة وإمتنان مرة أخرى على أرسالك الألوان.
أخوك فنسنت

هوامش المترجم:

* جسر لانغلو: هو الجسر الذي رسمه فنسنت في أعمال شهيرة، حيث رسمه في أربع لوحات زيتية، ومائية واحدة، وأربعة تخطيطات سنة ١٨٨٨، وهو يقع على قناة آرل جنوب فرنسا، وَسُميَ الجسر بهذا الأسم نسبة للحارس (لانغلو) الذي كان يقوم بفتح الجسر وإغلاقه، والجسر تم بناءه في القرن التاسع عشر، والآن يُعرف الجسر بإسم (جسر فان غوخ).
* يَتْ موف: هي قريبة فنسنت وزوجة أستاذه أنطون موف الذي ينتمي الى مدرسة لاهاي في الرسم.
* بيير تانغي: أو العم تانغي كما كان يحلو لفنست تسميته أحياناً، وهو صاحب متجر صغير للألوان، وقد إهتم كثيراً بفنسنت ووفر له إحتياجاته من الالوان في الايام التي قضاها في باريس، وكان يحرص على وضع بعض لوحات فنسنت وقتها في الواجهة الزجاجية للمتجر حتى قبل أن تجف ألوانها، في واحدة من محاولاته لمساعدة فنسنت في بيع لوحاته. وقد رسم له فنسنت مايمكن اعتباره أعظم بورتريت رسمه في كل حياته.
* هنري دي تولوز لوتريك: رسام فرنسي (١٨٦٤-١٩٠١) يعتبر من أقرب أصدقاء فنسنت، ويظهر في اللوحة التي ذكرها هنا، تأثر الرسامَين ببعضهما، فان غوخ ولوتريك عَبَرا بالانطباعية نحو حدود جديدة واسسوا ما يعرف ب (مابعد الانطباعية) التي ادت بدورها الى التعبيرية والوحشية وبعض الاتجاهات الأخرى في الرسم .
* تاسيت: والاسم الكامل هو (تاسيت إت لوت) وهو واحد من أشهر متاجر باريس لبيع الألوان والكانفاس وباقي أدوات الرسم، وكان فنست سعيداً وهو يحصل على نوعيات جيدة من الالوان التي تعود لهذا المتجر الذي كان يتبضع منه الرسامين سينياك وسيسلي وديغا. والمتجر مازال موجوداً في باريس، وقد شاهدته قبل فترة قصيرة في التلفزيون الهولندي بعد ان زاره فريق عمل برنامج يصور الاماكن المهمة في حياة فنسنت فان غوخ.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية