جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » مراجعات


صدر عن المدى: فوتوغرافيا علي طالب.. العربات والأجساد


عرض/ تاتو
عن دار المدى صدر كتاب جديد للأديب والناقد ناجح المعموري بعنوان (فوتوغرافيا علي طالب.. العربات والأجساد) الذي يتناول تجربة الفنان الفوتوغرافي الراحل علي طالب، من خلال رصد معرضه الشخصي الذي اقامته المدى قبل رحيله،
وأثار حينها جدلاً كبيراً في الأوساط الفنية، لما تضمنه من صور تتناول ظاهرة اجتماعيى تتعلق بعربات النقل التي يستعملها المهمشون في أسواق بغداد.
وقد كتبت المصممة الفنانة د. غادة العاملي على غلاف الكتاب، استهلته بمقولة للاديبة سوزان سونتاغ تقول فيه: "حين ينتابنا الخوف نطلق الرصاص، وحين ينتابنا الحنين نطلق الصور". تقول العاملي:
في واحد من منعطفات هذا الزمن القريب، وفي لحظة ارتبكت فيها منظومة القيم والمبادئ، وأخذ كل منا زاوية، يرتكن إليها، ويتمثلها، تاركاً خلفه موروثه بحسناته وسيئاته من دون مراجعة، كان علي طالب واحداً من شهود هذا العصر، وكان له موقفه الخاص، لم يخفْ أو يرتبك، بل أخذه الحنين إلى حاضره، حينما بدأت تتفتّت ملامح وطنه، ويتشتّت أبناؤه، بين بلدان الغربة، بعاداتهم وتقاليدهم، فأخذ على عاتقه توثيق كل ما يؤكد للعراق عراقه، بمفرداته اليومية، بشوارعه، بمبانيه وجغرافيته، تمسكاً بالحياة وخوفاً من فقدان الأمل ورؤية ضياع إجزائنا شيئاً فشيئاً..
وتضيف:عاش حياته خلف الكاميرا، وتطوّع بسنواته الأربعين، لإنتاج أجمل المعاني لبلده، صورٌ تنافست بتعبيرها عن العراق، فكان رفيقاً للأهوار، ماؤها وبيوتاتها، كان عربة يجرها إنسان بسيط، كان ابتسامة أجيال تائهة، عاشت في أنفاق الحروب وعذاباتها، كان زقاقاً مزهواً في حي شعبي، وكان ساقية عذبة بين جبلين في كردستان... صوره، تناوبت بين هذا وذاك ومازجت باحتراف، بين التوثيق والتشكيل، تُحدّثك لتغوص برؤيتك لما هو أعمق من السطح، تتحوّل من يوميات روتينية مُمِلة، إلى التقاطة يعود إليها المتلقي باعتبارها هي التاريخ، انتزع بعين محترفة، كل ماهو كامن ومتأرجح بين البصر والبصيرة بين دلالات الشكل وما يحمله من تأويلات، ليمسك باللحظة، ويوثق أزمنة نمرّ بها منشغلين من دون التفات وتمعّن، فكان شاهداً على عصرنا، وموثقاً بصوره، صفحة من صفحات تاريخ هذا البلد بلا رتوش، فحينما نصوّر نتفوق على اللغة بما نقول، ولا جدال فيما نقول..!"
وتؤكد أن الفنان علي طالب فنان الفوتوغراف، المغمور بحساسيته، الممتزج بكل الأشياء التي تحيط به، "الزمن" كان عنوانه الأساس، عقاربه تقف عند الحاضر، وتغوص في عمق المفردة، أيامه، أشبه ببانوراما ممتدة من أهوار العراق في الجنوب إلى شماله، عينه وقدمه تواطأت عليه وسحبته نحو عالمه الأبدي، بعيداً عن جسده العليل فآثر أنْ يقضي أيامه الأخيرة في محراب الفوتوغراف ساعياً بكل مالديه من همّة ليكبس على زر كاميرته، يوقف الزمن قبل أنْ تذوب ملامح الصورة وتتشوّه معالمها. مدركاً أن للموت والصورة علاقة جدلية، فكلما تصاعدت رائحة الموت تغدو معها حاجتنا أكثر إلى الصورة، وحينما تسارعت الأحداث ولم يعد من سبيل توقف إصبعه وتوقف معه نبض قلبه المتآكل بفعل الإحساس، وتجمّدت الصورة.
ويشير المؤلف ناجح المعموري: "تظل الفوتوغرافيا خاضعة للسيرورة، أو هو مثل طفل نيتشة الذي يلعب، يذهب ويعود، وهو تعبير عن سيرورة غير مكتملة، والفوتوغرافيا هكذا بالإمكان إخضاعه للتقنية باستمرار والإضافة له وعليه، لأن هذا الفن مهووس بالمعنى ومعانيه ليست نهائية، منفتحة على ما هو جديد، لأن المعنى ليس كياناً بذاته منفصلاً عن العالم، متخارجاً مع الأشياء، ليس فكرة تسبح في المطلق دون ذات مفكرة، ليست فكرة دون مفكر فيه، ليس فكرة دون استدعاء صوري أو واقعي، لأفكار أخرى أو استبعاد لها /الهادي حامد/ الجسد و المعنى/ كتابات معاصرة ص23/ 1995/ص71/."
وعن الجسد الظاهر يقول المعموري: في صور ملتقطة بدقة وسط ظروف صعبة، طبيعية وجوية كاشفة عن قدرات الكائن في التعايش مع البيئة الوحلية، لكن الإنسان يقاومها ويتعايش معها، يتحداها وتترك علاماتها على ساقيه وملابسه، هذا نوع من القدرة الكامنة بالجسد كي يستجيب مع الظرف ويظل فاعلاً ومستمراً بعمله، وأظهرت صور قليلة حصول تحول بالدور الآدمي بالعلاقة مع العربة، حيث تكون مهمة العتال سحب العربة وليس دفعها، هو بذلك يتجاور مع الكائن الحيواني، والفنان لا يقصد ذلك، إلا أن الصورة قالت مثل هذا لا لحيونة الإنسان، بل للتعبير عن ظرفه الصعب والمعقد، الذي يجبره على تغيير نمطية العلاقة مع العربة وهي ظاهرة شائعة للغاية في الأسواق التجارية.. هل هذا من أجل أن يكون الفقير غنياً ومكتنزاً بالإصرار والحياة بشرف وكرامة ؟.
ويرى أن الصور تكشفت نظاماً اجتماعياً -ثقافياً كذلك أوضحت نسق العلاقات في السوق والرضى بالتبادل التقليدي والنمطي حتى كان هذا النظام مهيمناً وراسخاً بقوته ومدعوماً من النسق العلاقاتي. ومن خلال هذا التشكل التنوعي برز الجسد بحضور مكثف بتراكم حضورات أجزاء الجسد وتفاصيله المعروفة وغير المعروفة، وظلت العلاقة بين علي طالب والجسد البشري متحررة تماماً من التابوهات التي وضعها المقدس، فالصورة في الإسلام محرمة لأنها تضع الآدمي بمرتبة متعالية وهذا أمر خطير على الرغم من الجاذبية التي تمتلكها الصورة « ما يجعل أثرها يفوق أحياناً الكلام بتعددية دلالاتها وانغراسها في المتخيل الرمزي والاجتماعي للكائن. إنها قد تكون علامة ودليلاً. غير أنها علامة ودليل يحملان مظهر دلالتهما في مظهرهما، حتى وهي تستحضر الغائب وتعيّنه، لذا كانت اللغة قادرة على صياغة المرئي و اللامرئي، فإن قدرة الصورة تكمن بالأساس في تحويل المرئي واللامرئي إلى كيان محسوس مائل هنا، ولأن هذا البعد الرمزي هو الذي خلق مشكلات كبرى تصدت لها الديانات التوحيدية الثلاث/ فريد الزاهي/ الجسد والصورة والمقدس في الإسلام / أفريقيا الشرق/ الدار البيضاء/ 1999/ ص116/.
ويؤكد أن الكاميرا وسيلة /أداة تسجيل لأشياء مألوفة ومتكررة، لكنها ليست حقائق، إنها أوهام الحقيقة، حتى الكاميرا غير قادرة على التدوين الكامل والدقيق، تقدم لنا نسخة عن المألوف وهو غير تطابقي لأن المؤثرات أثناء التصوير تلعب دوراً في خلق الوهم الذي يمنح الفن طاقته، ومع نيتشة لم يعد هنالك مكان ماهيات وإنما ما يوجد هو الظاهر، فالوجود «الحقيقي» موجود في مستوى المظاهر ولا على مستوى الجوهر، كما أن المظاهر تعبير عن أوهام واعتقادات مختلفة فالمظاهر المختلفة للوجود، وللحياة، لا يمكن للعقل أن يستوعبها، لذلك يعتبر نيتشة إن الإنسان في حاجة إلى أوهام بدل حقيقة بوصفها صنماً ومثالاً زهدياً /سمير الزغبي/ سبق ذكره -ص 25.
لسان العربة، هو نسقها المكون من عدد وحدات مميزة لجسد العربة، هي الخشب أو الحديد /نوعهما / شكل التصميم ونوعه/ ارتفاعه عرضه / طول العربة، أما كلامها فهو الطلاء أنواع الحبال رقمها منعزلة ومع المجموع، مزينات السيارات /واقيات من الطين والوحل للإطارات /.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية