جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » جماليات


رسائل فان كوخ - الرسالة السادسة والعشرون


ترجمة: ستار كاووش
آرل ٢٨-٢٩ آيار ١٨٨٨

تَيَّو العزيز
لقد فكرتُ طويلاً بغوغان* وما يتعلق بحياته والتواصل معه، أرجو أن يوافق على المجيء الى آرل، وذلك يتطلب أن نسدد أجرة سفره، كذلك نحتاج الى سريرين لنا معاً، أو ربما مجرد مرتبتين للنوم، بعدها ستقل المصاريف أو تكاليف حياتنا معاً نوعاً ما،
وبما أن غوغان بحاراً فبإمكاننا أن نطهو الطعام في البيت، فهو قد تعود على القيام بذلك، وبهذا يمكننا العيش معاً بذات المبلغ الذي ترسله لي كي أنفقه بمفردي. من التعاسة أن يعيش الفنانين وحيدين، أرى أن العزلة تطفئ الكثير في روح الفنان. عموماً، خطرت هذه الأفكار في خاطري، وهي نوع من الإجابة حول سؤالك أو أمنيتك بمساعدته، فأنت لا تستطيع أن ترسل الى بريتاني* كل ما يحتاجه غوغان وفي ذات الوقت ترسل لي أيضاً ما أسدد به متطلبات حياتي هنا في بروفانس*، لذا أرى انه من الملائم أن أتقاسم معه المصاريف في مكان واحد. فلترسل لنا مثلاً مائتين وخمسين فرنكاً شهرياً، ونرسل لك مقابل ذلك بعض اللوحات، ألا ترى في حالة عدم تجاوز مصاريفنا لهذا المبلغ أن هناك فائدة من وجودنا معاً؟ ألا تلاحظ بأننا حين نتوحد مع الآخرين نكون أكثر تأثير وقوة؟ بناءً على ذلك ستجد ضمن رسالتي هذه رسالة أولية كتبتها الى غوغان، وأن وافقت عليها طبعاً بعد بعض التعديلات اللغوية وشيء من التفاصيل، وأرجو أن تفكر في الأمر كونه بكل بساطة تعاقد عمل من نوع ما، وتنظر لذلك بإعتباره مثمراً لكل الأطراف، وأنا بدوري سأحاول تدبير سير الأمور هنا رفقة غوغان، بينما تتفرغ أنت أيضاً لتجارتك في بيع اللوحات. أعرف بأنك تريد مساعدته، وأنا كذلك فكرت به طويلاً وشغلتني ظروفه الصعبة في بريتاني، هذه الظروف التي لا يمكن أن تتحسن في وقت قريب على ما يبدو، لذا فأن عرضاً من هذا النوع سيكون إنقاذاً له، ومثل هذه الفرصة لا يمكن أن يمنحها له الآخرون الآن.
بالنسبة لي، لا أريد الانفاق على نفسي وحيداً، ومن الحلول التي يمكن أن تسعفني هي أما أن أجد زوجة ثرية، أو أنغمس بصداقة بعض الرسامين والعمل سوية في مكان واحد. بالنسبة للزوجة، فأنا لا أراها متاحة في هذه الظروف، بينما أرى صورة صديقي تترائى لي في الأفق، لذلك أود أن أتقاسم معه الرسم والمعيشة، وإن كان عرضنا ملائماً له، فلا داعي لجعله ينتظر أكثر. أرى أن ما سنفعله سيكون مثل نواة لتجمع قادم، لأن برنارد* يطمح أيضاً أن يكون في الجنوب، وحين تسير الأمور على ما يرام، فهو سيلتحق بنا في وقت قادم بالتأكيد. وهنا تتضح الصورة التي حدثتك عنها سابقاً، وهي أن أراك على رأس اتحاد للفنانين الأنطباعيين في فرنسا. سأفعل ما أستطيعه كي أجعل الامور تمضي بشكل جيد، ولنبدأ بجلب غوغان ثم نرى كيف تمضي الأيام معنا. أنا لستُ ماهراً في الطبخ لكننا سنحل هذاالأمر سوية، لأن غوغان وحتى برنارد قد تعلمو ا الكثير من أمور الحياة أثناء خدمتهم العسكرية. تحياتي الى كوننغ، لقد أسعدني كثيراً انك جلبته الى بيتك للاهتمام بصحته. وماذا بشأن تريستيخ، هل وصل باريس؟ رائع أن مؤسسة جوبيل قد وافقوا على القاعة التي عرضتها عليهم. عليك أن تفكر بحرص شديد قبل سفرك، وبكل الأحوال أرى أنك ستبقى في باريس وستزدهر أعمالك فيها.
أشد على يدك بقوة مع سلامي ومحبتي
أخوك فنسنت
وهذا هو نص رسالتي التي أقترح أن أرسلها الى غوغان:
صديقي العزيز غوغان
لقد فكرت بك كثيراً وتذكرتك طوال الفترة الماضية. قد أكون قد تأخرت بالتواصل معك وذلك بسبب عدم الوصول الى أهداف وحلول كافية، وها أنا أكتب اليك بعد أن استجدت بعض التفاصيل. أخبرك أولاً ان الإتفاق مع روسل لم يتم، لكنه بكل الأحوال قد إشترى مجموعة من اللوحات الانطباعية، كذلك فأن غوليامين وبرنارد ينتظران الفرصة المناسبة للتواصل، مع ذلك لا استطيع الإلحاح أكثر في هذا الموضوع بعد أن ترددا مرتين في المجيء مع وعود لتحقيق ذلك في المستقبل. أود أن أخبرك بأني قد إستأجرت هنا في آرل بيتاً بأربع غرف، وفكرت أن يشاركني ويتقاسم معي البيت رسام آخر، رسام منغمس في عمله مثلي ويحب الجنوب، رسام يتعبد في مرسمه طوال الوقت مثل كاهن لكن مع ذلك يمكنه الذهاب الى المواخير مرة كل اسبوعين. نعم ياصديقي، أود أن أتقاسم المكان مع رسام يمنح وقته للرسم، عندها سيمضي كل شيء بشكل رائع.
بالنسبة لي، أنا وحيد هنا وأشعر بالعزلة، لذلك فكرت أن أحدثك بهذا الأمر، وأنت تعرف ياصديقي بأنني وكذلك أخي تَيَّو نحب لوحاتك ونقدر كثيراً طريقتك في الرسم، ويسعدنا بالتأكيد أن تنجح خطواتك في هذا الطريق الصعب. وبما أن أخي  ليس بمقدوره أن يرسل إليك المال في بريتاني، وفي ذات الوقت يرسل لي النقود التي أتدبر بها حياتي هنا في البروفانس، لذلك أقترح عليك أن تشاركني في هذا البيت هنا في الجنوب. وبعملنا معاً، أنا متـأكد بأننا سنكون أكثر قوة للمضي بالرسم خطوات كبيرة الى أمام. بالنسبة لي، بعد أن وضعتُ أقدامي في الجنوب فلا أريد بعدها ان اترك هذا المكان الدافيء، لقد جئتُ مريضاً وها هي صحتي تتحسن، لقد أحببتُ المكان حقاً حيث يمكنني الرسم طوال الوقت في الهواءالطلق. صحيح ان متطلبات الحياة هنا تبدو غالية بعض الشيء، لكن فرصتنا هنا كبيرة أيضاً في الحصول على لوحات جيدة. لو أرسل لنا تَيَّو مائتين وخمسين فرنكاً شهرياً فهل ستأتي لتشاركني المكان؟ لكن عليك ان تعرف بأننا سنتناول طعامنا غالباً في البيت، وربما بإمكاننا الحصول على خادمة تساعدنا لبضعة ساعات أثناء النهار، وبذلك نوفر ما يمكن ان نصرفه في المطاعم الغالية. ومقابل ذلك عليك فقط ان تعطي لأخي لوحة واحدة كل شهر، وبقية اللوحات التي ترسمها ستكون لك وانت تقرر ماتفعله بها، وبذلك يمكننا ان نعرض لوحاتنا المتبقية معاً في مرسيليا، لنفتح الطريق لأنطباعيين آخرين مثلما نفعله لأنفسنا. علينا أيضاً توفير نفقات سفرك وكذلك ثمن سرير مناسب لك، وهذا ربما يمكنك ان تتفق بشأنه مع تيو، ليكون مقابله لوحات مثلاً. أرجو ان تعرف ياصديقي بأن هذه هي الطريقة العملية الوحيدة التي يمكننا بها مساعدتك، وأرجو ان تكون مناسبة لك. لقد فكرنا بهذا الموضوع من كل الجوانب، ورأينا ان الدفء والهدوء والطمأنينة التي هنا هو ما تحتاجه بالفعل. بالنسبة لي، حتى هذه اللحظة اشعر بتحسن وسط هذا المناخ. عموماً هناك الكثير من التفاصيل التي أود ان اخبرك بها، لكن العمل والرسم هو المهم الآن، وأرجو أن نسمع أنا وتيو رأيك بموضوع مجيئك.
صديقك المحب
فنسنت

هوامش المترجم:

* بول غوغان: رسام فرنسي (١٨٤٨-١٩٠٣) ينتمي الى ما بعد الانطباعية، وقد مهد مع آخرين للمدرسة الرمزية في الرسم، وقد ربطته بفنسنت فان غوخ صداقة مليئة بالتوتر والإضطرابات، حيث عاشا ورسما الكثير من اللوحات معاً.
* * بريتاني: وهي مقاطعة فرنسية، تكوِّن شبه جزيرة في الشمال الغربي للبلاد، وكانت في السابق تتمتع بحكم ذاتي، عاش فيها الكثير من الفنانين والشعراء لما تحمله من ثقافة وطبيعة خاصة، وقد رسم فيها غوغان العديد من أعماله الشهيرة منها (يعقوب يصارع الملاك، ونساء بريتاني وغيرها.
* * بروفانس: مقاطعة فرنسية تقع في الجنوب الشرقي للبلاد بمحاذاة إيطاليا والبحر المتوسط، وهناك توجد مدينة آرل حيث عاش فنسنت بعض الوقت. كذلك هناك مدينة أفنيون التي إستوحى منها بيكاسو فيما بعد لوحته (آنسات أفنيون).
* * إيميل برنارد: رسام فرنسي (١٨٦٨-١٩٤١) من مؤسسي المدرسة الرمزية في الرسم، ويعتبر من أوائل الاصدقاء الذين تعرف عليهم فنسنت في باريس، كان في العشرين من عمره حين لفت اليه الانظار بين فناني باريس، حتى ان غوغان الذي يكبره بعشرين عاماً قد تأثر ببعض اعماله.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية