جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » مراجعات


عصيان الوصايا.. كاتبة تجوب أقاليم الكتابة


متابعة/ تاتو
صدر عن دار المدى كتاب (عصيان الوصايا.. كاتبة تجوب أقاليم الكتابة) للكاتبة الروائية لطفية الدليمي .. والكتاب يتناول جانباً من سيرتها الذاتية، وبالأخص ما يتعلق منها بالكتابة وانشغالاتها
في مقدمة الكتاب تستعير مقولة الروائية (جويس كارول أوتس) في إحدى مقالاتها:  الكتابة لعنة!
تقول الدليمي : غير أني أرى الكتابة لعنة نبيلة ونعمة خلاص، برج مراقبة يمتُعنا بالكشف عما يؤرقنا من أسئلة الوجود وحيرة النفس وهي تعبر مسالك هذا العالم المضطرب.
الكتابة زورق نجاة ينأى بنا عن العابر والزائل؛ لكنه يأخذنا إلى متاهات موحشة وخوض تجارب عسيرة لم نتحسب لها.
الكتابة تجربة سحرية تحررنا من أغلال الخوف وغلبة اليأس وتنقذنا من كل سلطة ضاغطة بعون من الخيال الذي يمسي وطناً وملاذاً؛ وإذ نغدو كائنات حرة نجحت في تحطيم قيودها، عندها تنطلق قدراتنا الإبداعية الحبيسة وتمضي بنا تفجراتها المتلاحقة قدُماً وتعيننا إنجازاتنا على تحمل وحدتنا وقسوة العالم واضطرابه.
الكتابة نشاطنا المحرّض الذي يدفع بنا للتمرّد والتغيير واكتشاف ذواتنا الحقيقية بما تنطوي عليه من مناطق مظلمة وأخرى مكتنفة بالنور أو مسكونة بالرغبات المكبوحة أو الأفكار الخطرة التي ستكون أساساً لما نكتبه في قابل الأيام.
بالكتابة تجاوزت وضع الأنثى المُقصاة من واجهة المشهد الثقافي والفكري في مجتمعاتنا، وثابرت طويلاً وعملت في أقسى الظروف، متخلية - بزهد حقيقي ومن غير أسف - عن الكثير من متطلبات الحياة والعلاقات الإجتماعية لأحتلّ الموقع الذي أردته بإصراري وجهد السنوات الطوال.
أقدّم في هذا الكتاب كشفاً لأجزاء من سيرتي وعشقي للكلمة والكتابة، كما أبوح باعترافات ومقالات عن رؤيتي لحياتي كاتبةً أجوب أقاليم الرواية وأترحّل في عوالم روائيين من عالمنا وأضيئ بعضاً من تجاربهم التي تقدم لنا رؤية أوسع وأشمل للجهد الروائي في عالمنا المعاصر. يتضمن الكتاب فصولا عن الكتابة والرواية وانشغالات المؤلفة الإبداعية. ففي الفصل الاول المعنون (جوانب من حياة مُكرّسة للكتابة: المُتع الأرضية وعصيان الوصايا تتناول الروائية شهادة عن المؤثرات الأدبية وأوّل الكتب.. حيث تقول: مع أوّل كتاب لمسته يداي - غير كتب المدرسة - فغمت أنفي رائحة التبغ الخام ممتزجة برائحة الكتب الصفراء - الورق الهشّ والطباعة الحجرية، مزيجٌ من روائح كانت تفور من نبع سرّيّ في حجرة معتمة تسلّلتُ إليها ذات ظهيرة صيف أنا الصبية الصغيرة التي تتصبّب عرقاً وترتعش وهي تعبر الغرفة إلى كشوفها الأولى لتمزق أوّل الحجب. الخوف من انكشاف تسلّلي إلى حجرة المُحرّمات يرعش يديّ النحيلتين وهما تقلّبان الكتب الشهيّة في بصيص نور يتسلل من كوّة وسط السقف يدعونها (السمّاية)، والكلمة تصغير عاميّ لصفة منسوبة للسماء. كانت السماء سندي في الإنغماس بالخطيئة الأجمل: إستراق قراءة الممنوع والمحظور.
مفارقة جعلتني وأنا صبية أتمزق بين أشواق أرضية ونزوع سماوي؛ فدخلت ظلال الكلمات وأطياف المعاني وترحلّت في خفاء الحلم دون أن أفقد ظلي.
أبي كان ماركسياً حالماً باليوتوبيا والعدالة موهوماً - شأنه شأن الكثيرين - بالنظرية التي سحرتهم وعودها الفردوسية، هو وصحبه كانوا يتداولون كتباً ومجلات وصحفاً تعذّر عليّ - وأنا إبنة التاسعة - أن أعي مضامينها، وكانوا يتعمدون إغوائي بقراءتها وما كنت أحفل بها آنئذ، أقلّبها بعجالة وأهجرها إلى أحلامي وقصصي الطفولية التي كنت أكتبها وأرسم وقائعها في الصفحة المقابلة وأتمتع بخلق شخصيات لا وجود لها في عالم الكبار المقنّن حتى ملأت دفاتري المدرسية كلها بالحكايات والرسوم ونلت عقاباً من معلّماتي وزجراً من الوالدين. مقابل ضلال أبي الماركسيّ - كما كان يقال - كان زوج خالتي تاجر التبغ المتدّين يحظى باحترام العامة ونفور المتعلمين والمثقفين، ومقابل كتب أبي التي تتخطّى فضاء المقدس إلى مدى حرية الفكر وتفنيد ماهو مستقرّ وثابت من الأحكام كان زوج خالتي يقيم أذكاراً دينية كلّ ليلة جمعة في داره أو في خان البلدة القديم، ويؤمّ الذكرَ دراويشٌ ومشرّدون ومتصوّفة ومشايخ وجياعٌ ولصوص يتقمّصون توبة لليلة واحدة، وكان يرقي المرضى والمصروعين ويعوّذ الأطفال بالأحجبة ويقوم هو وجمعٌ من المريدين وعوائلهم بزيارات لمراقد الأولياء لتقديم الولاء والصّدقات وفكّ أسر المأخوذين واستنزال الخصب لأرحام النساء العواقر.
وفي فصل (أنا من سلالة مائية) تقول: على غير مادرج الناس في أنسابهم أحسّني أنتسب إلى سلالة مائية: سلالة أؤلئك السومريين الهابطين إلى دلتا النهرين من فردوس مفقود، قد أكون كاهنة من كاهنات القمر أنا سليلتهم التي ضلّت في متاهات التأريخ، قد أكون إحدى الناجيات من حقب الطوفانات العظمى، أنقذني (أتراحاسس) - نوح السومري - في فلكه المحبوك من القصب والمطليّ بالقار وأتى بي من زمن إلى زمن، وجدني وحيدة عند معبد أور في برهة إنهيار دويلات المدن السومرية، وانتشلني من لجج الغمر المائي وأنا أحمل تمائمي وتعاويذي المتمثلة بالنبع الفوّار والقمر والبرق وألقى بي في وحشة الزمن المعاصر وحيدة أيضاً كما وجدني هناك.
وتتناول الروائية لطفية الدليمي عدداً من الروايات العالمية التي كان لها تأثير واضح على عملها كروائية، ومنها: رواية «451 فهرنهايت» للكاتب الأميركي راي برادبوري ورواية ((أن تقرأ لوليتا في طهران)  لآذر نفيسي، و(أرض البشر) لانطوان دي سانت إكزوبري.. وغيرها من الروايات.
وفي عشق الرّواية تستنطق (الكاتبة التي بداخلي في أربع حوارات) حيث أربعة حوارات اجريت مع الكاتبة تناولت فيها جوانب مختلفة من عملية الكتابة.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية