جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » مراجعات


كيف اخترع القديس أوغسطين الجنس (3-4)


نَجَّى آدم وحواء من الظلام، ابتدع عقيدة
الخطيئة الأصلية*1  – والباقي هو تاريخ جنسي
ترجمة: عباس المفرجي
لم يقدّم في تفسيره حنكته الفلسفية فحسب، بل أيضاً ذكريات عادت الى الوراء عقوداً من السنين – الى إشارات الـinquieta adulescentia التي جعلت والده يثرثر بحماس عن أحفاده. عبْر تفكّر مطرد عن آدم وحواء، انتهى أوغسطين الى فهم أن ما كان حاسماً في تجربته لم يكن بداية النضوج الجنسي بل،
بالأحرى، طابعها القسري، القلِق. بعد أكثر من خمسين عاماً لم يكفّ عن التفكير المطوّل في هذه الحقيقة. أجزاء أخرى من الجسد في وسعنا، إن كنّا أصحّاء، أن نحرّكها أو لا نحرّكها كما نشاء. «لكن عندما يتعلّق الأمر بمهمة الرجل العظيمة بانجاب الأطفال،» يكتب هو، «الأعضاء التي كانت خُلِقَت بقصد لهذا الغرض لن تطيع اتجاه الإرادة، بل يجب انتظار الشهوة كي تضع هذه الأعضاء في حركة، كما لو كان لها حقّ شرعي عليها.»
كم غريب هو، فكّر أوغسطين، أننا لا نستطيع ببساطة قيادة هذا الجزء الحاسم من الجسد. نحن نُثار، والإثارة هي في داخلنا – إنها بهذا المعنى لنا بالكامل – ومع ذلك هي ليست في نطاق السلطة التنفيذية من إرادتنا.
كما هو واضح، أن النموذج هنا هو الجسم الذكوري، لكنه كان متأكداً أن النساء لا بد أن يكون لهنّ تجربة مماثلة، لا مرئية لكنها مطابقة بالأساس. لهذا السبب، في أعقاب انتهاكهما، احسّا المرأة الأولى والرجل الأول كليهما بالخزي وغطيّا نفسيهما 15 .
كان أوغسطين يعود المرّة تلو المرّة الى نفس مجموعة الأسئلة: جسد مَن هذا، على أي حال؟ مِن أين تأتي الرغبة؟ لماذا لست المتحكّم في قضيبي؟ «أحيانا، يرفض أن يعمل حين يريد العقل، بينما هو في الغالب يعمل ضد إرادة العقل!» حتى الشيخ الراهب في صومعته، يعترف أوغسطين، في "ضدّ جوليان" 16، معذَّب بـ«الذكريات المقلقة» المغمورة بـ«المقاصد العفيفة، المقدّسة.»17ولا يستطيع الزوجان الأكثر ورعا بلوغ أي شيء «دون حماسة الشهوة.»
ولهذه الحماسة، التي منحها أوغسطين الاسم التقني «concupiscence» («الشهوة الجنسية»)، لم تكن مجرد هبة طبيعية أو نعمة إلهية؛ إنها لمسة الشرّ. ما يفعله رجل وامرأة متزوجان في نيتهما إنجاب طفل معا هو ليس شرّاً، أصرّ اوغسطين؛ إنه خير. «لكن الفعل لا يُؤدَّى من دون شرّ.» هذا حقيقي، الاتصال الجنسي – كما عرف اوغسطين من تجربته الطويلة مع عشيقته ومع أخريات – هو المتعة الجسدية الأعظم. لكن تجاوز شدّة المتعة هو بالضبط غوايتها الخطرة، سمّها الحلو: «بلا ريب، أي صديق للحكمة وللفرح المقدّس17 ... سيفضّل، إن أمكن ذلك، إنجاب طفل دون شهوة.» إدراك اوغسطين المعذِّب أن الاثارة اللاارادية كانت وجودا لا مفرّ منه – ليس فقط في ممارسات الحب الزوجية بل أيضا فيما دعاه «الحركات الفعلية التي تسبّبها، واأسفاه، حتى في النوم، وحتى في أجساد الرجال العفيفين» يشكّل أكثر فكراته تأثيرا، الفكرة التي حوّلت قصة آدم وحواء وأثقلت القرون التي تلت: originale peccatum، الخطيئة الأصلية.
هذه الفكرة أصبحت واحدة من أحجار الزاوية للارثوذكسية المسيحية – لكن لا قبل عقود من جدال. الرئيس وسط أولئك الذين رأوا ذلك سخيفاً ومنفراً معاً كان راهباً بريطاني المولد، بلاجيوس18 . هو تقريباً معاصر بالضبط لأوغسطين، كان بمعنى ما يقاسمه السرّ: مُحْدَث نعمة من هامشيي العالم الروماني والذي بقوّة الفكر، الكاريزما، والطموح شقّ طريقه الى العاصمة العظيمة وكان له تأثير هام على الحياة الروحية للامبراطورية.
كان بيلاجيوس وأتباعه متفاءلين أخلاقيين. اعتقدوا إن الكائنات البشرية وُلِدوا أبرياء. الأطفال الرُضّع لا يدخلوا الدنيا بهبة خاصّة من فضيلة، لكنهم أيضا لا يحملون وصمة فطرية من رذيلة. هذا حقيقي، نحن جميعا ننحدر من آدم وحواء، ونعيش في عالم حافل بعواقب فعلهما الأصلي من عصيان. لكن ذلك الفعل في الماضي البعيد لا يحكم علينا على نحو محتوم بالإثم. كيف يمكن ذلك؟ ماذا يمكن أن تكون آلية الفساد؟ لماذا يمكن أن يسمح ربّ خيِّر بشيء رهيب جدا؟ نحن أحرار في تشكيل حيواتنا الخاصّة بنا، سواء في خدمة الله أو خدمة الشيطان. يردّ اوغسطين بحجة أننا جميعاً موسومون، في أصولنا ذاتها، بالشرّ. إنها ليست مسألة أفعال خاصّة من قسوة أو عنف، أشكال دقيقة من باثالوجيا اجتماعية، أو هذا أو ذاك الشخص الذي قام بخيار كارثي. من السطحية والسذاجة بيأس التفكير، كما فعل البيلاجيون، أننا نبدأ بلوح فارغ 19 أو أن أغلبنا محترمون على نحو معقول أو أن في وسعنا أن نختار الخير. ثمة شيء خاطئ على نحو عميق وأساسي فينا. جنسنا كله هو ما دعاه أوغسطين massa peccati، جمع من خطيئة. قال البيلاجيون إن اوغسطين كان ببساطة يرجع الى المعتقد المانوي القديم الذي يقول إن الجسد كان من خلق وحيازة قوة شريرة. كان هذا بلا ريب خيانة للمسيحية، بايمانه في مَسَايا20  الذي غدا جسداً. ليس الأمر كذلك، أجاب اوغسطين. حقيقي إن الله اختار أن يصبح انساناً، لكنه فعل ذلك «من بتول، حمْلها لم يكن جسدا بل روح، ليس شهوةً بل ايمان.» وجود يسوع، بعبارة أخرى، لم يتوقف على أدنى لمسة من حماسة الشهوة تلك التي من خلالها يولد كل الكائنات البشرية: «البُتولة المقدّسة أمست حمْلاً، لا عبْر اتصال زوجي، بل عبْر الايمان – الشهوة هي غائبة تماما – بحيث إن ذاك المولود من جذر الانسان الأول يمكن أن يجني أصل العرق فقط، لا الإثم أيضاً.»
الكلمة الحاسمة هذه هي «إثم،» جريمة. أن نُلمَس بالشهوة هو خطأنا – لا نتيجة لإرادة الله بل عاقبة لشيء كنّا فعلناه. إنه هنا، عندما ينبغي على أوغسطين تقديم الدليل على خيانتنا الفردية والجمعية التي شهدها في آدم وحواء. لأن الخطيئة الأصلية التي تلطخ كل واحد منّا هي لبيست فقط خطيئة متلازمة في اصولنا الفردية – هذا يعني، في الاثارة الجنسية التي مَكَّنت آباءنا من تصوّرنا – بل أيضا خطيئة قد ترجع أصولها الى الزوجين اللذين ينشآ منهما كل عرقنا. والآن، من أجل حماية الله من تهمة إنه كان مسؤولاً عن العيوب الفطرية في خلقه، كان كل شيء متوقف على أوغسطين بطريقة ما عارضا أن في الفردوس يمكن لهذا كله أن يكون مختلفاً؛ أن سلفينا آدم وحواء لم يكونا مُعَدَّين للانجاب كما ننجب نحن الآن بل أنهما قاما بعناد باختيار خاطئ، اختيار نشارك فيه جميعاً. للقيام بهذا، كان على أوغسطين الحفر في الكلمات الملغزة لسفر التكوين بعمق أكثر من أي أحد قام بذلك قبله. كان عليه إعادة بناء الحيوات الضائعة لأسلافنا البعيدين. كان عليه إيجاد طريقه عائداً الى جنّة عدن ويراقب والِدَيْنا الأولَين يمارسان الحب.
وهو يمضي قدما، أصبح مقتنعاً، فكان الأول والأهم الذي سيأخذ كلمات سفر التكوين حرفيا كحقيقة. قد تبدو أصول القصة العبرية مثل حكاية خرافية، من النوع التي كان ينظر إليها باستصغار حين كان شاباً. لكن مهمة المؤمن الحقيقي لم تكن معالجتها بوصفها تغطية ساذجة لغموض فلسفي معقد. كانت المهمة هي تناولها بوصفها تقيم خال من التزويق لحقيقة تاريخية – لجعلها حقيقية – ولإقناع الآخرين لتناولها بتلك الطريقة أيضاً.
  في العهد القديم، «أكلا من الثمرة، فانفتحت أعينهما فعرفا إنهما عريانان، فخاطا من ورق التين وصنعا لهما مآزر.» – الترجمة العربية المشتركة.
  Contra Julianum – كتب القديس أوغسطين هذا الكتاب ردّا على كتاب جوليان، الامبراطور حينذاك، "ضد الجليليين"، حيث يدافع فيه عن الفكر المسيحي – المترجم.غارقا في المشروع بثقة لافتة، شرع أوغسطين بعمل، كتاب "المعنى الحرفي لسفر التكوين"، كان يهدف الى مناقشة «الكتاب المقدّس طبقا لمعناه الملائم عمّا حدث فعلاً.» لما يقرب الخمسة عشرة عاماً، كَدَّ في هذا العمل، مقاوماً تحذيرات أصدقاءه بإتمامه ونشره. من كل كتبه العديدة، ربما كان الكتاب الوحيد الذي كرّس له انتباهاً مطوّلاً ومطرداً.


الهوامش
15 - في العهد القديم، «أكلا من الثمرة، فانفتحت أعينهما فعرفا إنهما عريانان، فخاطا من ورق التين وصنعا لهما مآزر.» – الترجمة العربية المشتركة.
Contra Julianum - 16 كتب القديس أوغسطين هذا الكتاب ردّا على كتاب جوليان، الامبراطور حينذاك، "ضد الجليليين"، حيث يدافع فيه عن الفكر المسيحي – المترجم.
17 - الفرح في المسيحية هو أحد ثمار الروح وفي الكتاب المقدّس ينحصر معناه غالبا في السرور الديني، وهو يرد في كثير من آياته، «افرحوا في الرب كل حين...» - المترجم.
18 - Pelagius – راهب ولاهوتي بريطاني، عاش في القرن الخامس ميلادي. عُرِفَ مذهبه بالبيلاجية، أنكر بيلاجيوس توارث الخطيئة الأصلية والحاجة الى المعمودية – المترجم.
Blank slate (Tabula Rasa - 19 ) أو صفحة بيضاء، وهي أطروحة معرفية تفيد بأن الأفراد يولدون دون محتوى عقلي مبيَّت وأن معرفتهم تتأتّى من تجربتهم وإدراكهم الحسّي – المترجم.
20 - Messiah الماشيح أو المسايا (ومعناها المسيح)، في الإيمان اليهودي هو إنسان مثالي من نسل الملك داوود، يبشّر بنهاية العالم ويخلّص الشعب اليهودي من ويلاته – المترجم.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية