جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » مراجعات


استعادة ناجي العلي .. محاولة لمواجهة الكوميديا السوداء


علي حسن الفواز
لا أعرف مناسبةً محددة لحياة أو موت ناجي العلي، لكنّ ما أعرفه هو أنّه كان شاهداً على التاريخ، تاريخ الطرد والزور الحلم والقتل، وهي تمثلات من الصعب جداً تأطيرها وتحديدها في زمنٍ مُقفل، وحتى الكتابة عنها، فما يجري الآن في رحلة العذاب الفلسطينية تحتاج الى ذلك الشاهد، مثل ما هي حاجتها للوثيقة، رغم أن عالم الطغاة لايصدّقون ولا يحترمون وثائق الضعفاء.
مع لعبة الموت القاسي التي تعيشها الأرض الفلسطينية فكرت باستعادة ناجي العلي، أو استعادة " حنظلة" لكي يشاطرنا المجاهرة بمرارته، ولكي يقول للأحياء أنّ الوعي بالثورة وبالتغييروالحرية وبالمكان تحتاج الى الشهادة، حتى لاتتسرب منا الأشياء مثل الرمل، ولكي لا تتركنا نهباً للعدم وللعطب، ولكي لا يظل "الأخوة"الحالمون بالدولة تحت رهانات غياب الشاهد الذي يصطاده الاسرائيليون على طريقة العصافير.
هذا الغياب هو غيابٌ سياسي وثقافي، وحتى انثربولوجي، إذ لا تنفع" الشهادة" دون الأرض، ودون " المدوّن العدل" ودون" الإرادة"التي تدرك أن الصدق يتطلب وعياً فائقاً وقوياً، مثلما تتطلب وجود منصات حقيقية للتعبير عن هذا الوعي، وحتى وإنْ كان" وعياً شقياً"على طريقة هيغل..
الموت الفلسطيني العلني صار لعبة إسرائيلية مباحة، وأخطر ما في هذه اللعبة هو قتل" الذاكرة" ومحوها، وتغييب أبطالها، فضلاً عن قتل الشاهد الذي يمارس وعياً ضدياً مسلحاً، أو وعياً ناعماً، فالإسرائيلون  يكرهون الوعي المضاد، مثلما يكرهون الذاكرة والارض والوثيقة، وحتى الكوميديا السوداء الذي ترك ناجي العلي كثيراً من أشباحها، وهو ما بودي أن نستعيده، ليس للتذكّر، بل لتأكيد فكرة الاحتجاج والرفض، وضرورة الاحتفاظ بالشاهد، وبالوجود، رغم ما يُهدده من الطائرات أو من الخونة في الأرض..

استعادة للحياة ..استعادة للموت..
استعادة ناجي العلي القتيل، والعالق مثل قمرٍ دامٍ في الذاكرة الفلسطينية، تعني استعادة لكثيرٍ من تراجيديا تلك الذاكرة، القتيلة،أو الممحوّة، فهي استعادة لسفرٍ طويلٍ من الخداع والضياع والمتاهة،وللجرح العربي المفتوح منذ أكثرِ من سبعين عاماً، وربما- هي-استعادة ثقافية لم تعد صالحة لزمن (الهويات المقتولة)، إذ ظلت تمارس ضلالها وعتمتها وتوحشها على طبيعة الخطاب الثقافي والثوري، وربما هي- من جانب آخر- استعادة قاسية لوجعٍ تاريخي ظلّ يمسُّ المكان والفكرة، واللغة، ويمسُّ القضية أيضاً..
كان الرجلُ القتيلُ حالماً، مثلما هو شاهدٌ على ما كان يجري، الارضُ لديه لوحةٌ وقصيدة أوحكاية، كلُّ مافيها يتشكّل عبر وعيه الصاخب والمتسائل والشكّاك. لحظاته الفلسطينية الشاحبة، والمطرودة، ليست بعيدة عن هذا الصخب، فهي مسكونة بمراثي المنفى، وبشغف البحث عن معانٍ خارج تلك (الكوميديا السوداء) وعن ملامح وطنٍ يمكن تداوله، وعدم الغشِّ في أوراقه الثبوتية..
ناجي العلي المثقف المُلتَبِس، يدركُ جيداً أنّ لعبة الكتابة لاتكفي وحدها لاستعادةِ الوطن الغائب، و حتى الأصوات والاسماء والأفكارالتي كان يشتبكُ معها دائماً لاتكفي- هي الأخرى- لتصنعَ فكرةًواضحةً عن وطنٍ يمكنه أنْ ينام تحت القميص، أو عن لحظةِ وعيٍّ فارق تصلحُ لتجاوز العالم الفجائعي الذي يؤرقه، لكنه- رغم كل هذا-عايش بنوعٍ من الاستيهام، والقسوة هذا الوطن الغائب، واللوّذ بلحظته المعطوبة، واستعادتهِ مثل نصلٍ غاطسٍ في الروح...
موتُ الحلم الذي كان هاجس الرعب عند العلي، تحوّل الى موت(قومي)فادح، فهو لم يعد موته الشخصي، ولا حتى غضبه إزاء فضائح الخيانة..
أحسب أنّ هذا الموت العلني كان السببُ على  تحريضه نحو التمرد،وممارسة ثقافوية الاحتجاج، وعلى تغيير زاوية النظر للتاريخ، والثورة،والكفاح المسلّح، وليجد في شخصية (حنظلة) قناعه الأثير، وصوته الدامي، واستعارته الكبرى في تسويق ذلك الاحتجاج، إذ تَمثْلهُ بوصفه قوة خفيةً، ورمزاً له شفرات مايملكه من وعيٍّ شقي، لكي يكون أكثر اندفاعاً على مواجهة مايحدث في السرِّ والعلن.
حنظلةُ صار هو الرائي، وهو المُحدّقُ أبداً في العُتمة، والمدوّرُ بغموضهِ مثل كائن فنطازي.. يرقَبُ العالمَ من حوله بصمتٍ فاجع، وهو المسكون بالأصوات، والهواجس، يجاهرُ ويشاهرُ عبره بالمرارة، تلك التي سرعان ما تحولت الى  خازوقات عميقة، والى اسئلة او مواقف أو رؤى أكثر فجائعية...
تحوّل ناجي العلي تحت هذه (الخازوقات) الى كائنٍ غير صالح للاطمئنان، غير صالح للحوارات المغشوشة، أو غير صالح لوهم الوطن الاستهلاكي. الوطن المرمي أبداً على الطاولة، والمبعثر في الأراشيف،أو في ذاكرة المحررين أو عند حسابات السياسيين...
صلاحية ناجي تحولت الى مواجهةٍ للداخل، الى تقصّي وجعه الداخلي، والى مبادلة صمته بصراخ حنظلة الذي تختفي ملامحه، إذ تتحول هذه المواجهة الى لعبة مكشوفة في القسوة، قسوة أنْ لايطمئن الى الوضوح، الى المكان، المكان بكل تفاصيله وشجونه، لذلك ظل ناجي علي يكرر لعبة اللجوء الى الرصيف، الى المقهى، الى البرد...ربما يعثر على وطنٍ تجريبي، وطن تعويضي، وطن بصلاحيات كاملة، وطن يبحث عن وضوحه..
عند عتبات الرصيف، والمقهى قُتل ناجي العلي، وظل حنظلة يمارس قسوة الرؤيا، وهاجس الانتظار، يحمل غموضه دونما رقيب ليمارس طقوس الشاهد في الصمت، أو في النقد والفضح، وتعرية كل أسباب الخيانة والخذلان والخوف والاستبداد، مثلما ظل في الأخرى يبكي وطنا ضيّعه الآخرون..
نزوح ناجي العلي خارج الامكنة المكررة، والتصاقه بيوميات أرصفة المنفى، كان تمثلا لتاريخ طويل من النزوحات، من فلسطين الى بيروت الى الكويت الى المنفى، والى فضاء الكاركتير، حيث هو الخيار الأقسى، إذ يضع حنظلته بمواجهة كل القسوة، وكل الخيانة، الذي لا يلبس سوى عريه، وسوى أنْ يكون واقفا دونما وجهٍ، أو وضوحٍ ليُبصرَبهواجسه وحدوسه العالم الطاغي وهو يمارس مزيدا من صناعة الرعبوالقسوة والموت، الموتُ الذي إغتاله برصاصاتٍ صديقةٍ او عدوةٍ..
استعادة ناجي العلي اليوم محاولة في مواجهة السخرية الكبرى،محاولة لاعادة قراءة " حنظلة" ليس للجدل حول فكرة الوضوح، بل لكي يتحفز الاخرون لصناعة" حناظلة" آخرين، ربما  بأقنعة، أو عراة،أو مسلحين، لكنهم يملكون قدرة أن يستعيدوا وظيفة الشاهد التي يريد الاسرائيلي تغييبها تماما عن الذاكرة والمتحف، وحتى عن المثيولوجيا..



المشاركة السابقة : المشاركة التالية