جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » جماليات


رسائل فان كوخ - الرسالة السابعة والعشرون


ترجمة: ستار كاووش
آرل الأثنين، ١٣ حزيران ١٨٨٨

تَيَّو العزيز
أكتب لك لأخبرك بـأني قد قضيت مساء أمس مع صديقي العسكري الذي حدثتك عنه، إنه يفكر بالسفر يوم الجمعة الى كليرمونت التي سيبقى فيها ليلة واحدة، ومن هناك سيرسل لك تلغراف يخبرك فيه عن القطار والساعة التي سيصل فيها الى باريس، أتوقع أن يصل يوم الأحد صباحاً، ولحظة لقائك سيسلمك لفافة تحتوي على ٣٦ دراسة،
ربما ليست كلها جيدة بما فيه الكفاية، لكني أرسلها لك بكل الأحوال، كي تكون تحت يديك وتصرفك، وتكون على معرفة بكل التفاصيل التي أرسمها أو حتى التي تشمل تحضيراتي لأعمالي القادمة، عموماً هي لا تخلو أيضاً من التفاصيل الجيدة عن الطبيعة والريف، بينها عمل رسمته بشكل سريع لنفسي وأنا محمل ببعض الصناديق والعصي كذلك قماش الرسم، أظهر فيه سائراً على ممر مليء بضوء الشمس سائراً نحو تاراسكون، حيث يظهر نهر الرون، تغطيه السماء التي يقترب لونها من لون الماء لِيُكَوِنا معاً لوناً شبيهاً بلون الأبسنت، يقطع كل ذلك جسر أزرق وأشخاص بعيدون بلون معتم، بينما ينشغل أحد الفلاحين بنثر البذور، تقبع أمامه زاوية مخصصة للغسيل. لا أدعي بأن هذا العمل جيداً، لكني بكل الأحوال أعرف ما ينقصه وكيف يمكن أن إمضي معه الى أبعد من هذه النتائج التي تراها. ماذا بشأن اللوحة التي أرسلتها لك كإستذكار لموف؟ بما أني لم أسمع منك شيئاً حول هذا الأمر، لذا فكرت أن تيرستيخ ربما يكون قد إطَّلَعَ عليها وأعطـى عنها إنطباعاً سيئاً، أو أنه لم يقتنع بها أصلاً. ومادمتُ لم أسمع شيئاً فسأحاول أن أنسى أمرها الآن.
أنشغل هذا الوقت برسم زورقين بلون بنفسجي يقترب من الوردي، أنظرُ لهما من زاوية مرتفعة وهما يستقران على حافة مرسى ويرتفع علم بثلاثة ألوان على صارية أحدهما، الزاوية التي أرسم من خلالها لا تُظهِرَ السماء، بل ماء البحر وقد تحول الى اللون الأخضر، وعلى سطح المركب القريب من حافة المرسـى ينشغل عامل بعربة يد صغيرة محملة بالرمل، كنت قد رسمت هذا العامل بتخطيط آخر منفصل. تذكرتُ أن أسألك عن التخطيطات الثلاثة التي رسمتها للحديقة، هل إستلمتها؟ ربما مازالت بمكتب البريد لأن حجومها كبيرة جداً!
أخشى أن لا أحصل على موديل هذه الأيام، فالمرأة التي تعرفت عليها كموديل كانت قد أخبرتني بأنها ستواظب على جلوسها أمامي للرسم، لكن بما إنها غانية، لذا فأن النقود التي حصلت عليها من عملها كمومس كانت أكثر من تلك التي أعطيها لها، أنها مدهشة حقاً، ورغم هيئتها التي تبدو ساذجة لكنها موديل رائع، أما نظراتها فهي تعيدني الى فتيات ديلاكروا. أحاول عموماً أن أنظر الـى الاشياء والحياة بطريقة أخرى كي أقدر على إحتمالها، لكن ما يعكر صفو نفسي هو هذا الفشل مع الموديلات، المشكلة بالنسبة لكل الذين أرسمهم هو أنني أضع الكثير من عجائن الألوان على قماشات الرسم، أنهم يريدون قماشات ملساء ناعمة وهذا هو كل ما في الأمر، إنهم يتطلعون الى أعمال مثل لوحات بوجيرو* عندها سيجلسون صاغرين وسعيدين كموديلات، أما أنا فأتطلع الى أبعد من ذلك لأني أرى أن كثافة اللون تعطي تعبيراً مختلفاً. الحقيقة الوحيدة الماثلة أمامي الآن هي صعوبة حصولي على موديل، فتلك الغانيات لا تعجبهن لوحاتي المكتضة بالألوان، هكذا يرفضن العمل معي كموديلات، وبسبب ذلك صرتُ أفقد بعض شجاعتي واندفاعي، أحتاجهن ولا استطيع الحصول عليهن، وبين هذا وذاك لا اقدر على الإستسلام مردداً ان العنب مر بمجرد عدم استطاعتي الحصول عليه. في النهاية علينا ان نتحلى بالصبر أزاء هذا الأمر. والآن اقترب موعد زيارة إختنا لك، سعيد لأنكما ستكونان معاً، وهي بحاجة كبيرة الى صحبتك.
هل تعرف، أشعر أحياناً أن اللوحات التي أرسمها ليس لها قيمة حقيقية لأنها لا تنال رضى الآخرين، بكل الاحوال يجب أن أستمر، وقد خطر ببالي أن أذهب لغوغان بدلاً من انتظار مجيئه الى هنا، لأني فكرتُ أن مكاني هذا ربما لا يروق له، إضافة الى تكاليف المعيشة الغالية هنا، المهم بالنسبة لي هو أن نكون سوية وبتكاليف قليلة، لذا فكرتُ بحزم أمتعتي والسفر الـى بريتاني لنعيش هناك سوية أنا وغوغان وبرنارد. عندها ستكون تكاليف حياتنا معاً زهيدة جداً. عليَّ أن اكتب الـى غوغان وأخبره عن تكاليف الموديلات في بريتاني، وهل هي جيدة. ألا ترى بأني كبرت بالعمر، بل أشعر بـأني قد أصبحتُ كهلاً، لذلك أحسب حساباتي قبل الشروع بأية مغامرة جديدة. لقد كتبت لغوغان في رسالتي الأخيرة، بأننا لو رسمنا مثل بوجيرو فستباع لوحاتنا ونكسب الكثير، لكننا سنساهم في تراجع ذائقة الناس. مقابل ذلك إن من لديه نقود من الناس لا يغامر بشراء لوحات تختلف عن السائد، والمفارقة أن أغلب من يقدرون الانطباعية وكل ما هو جديد هم الفقراء، وهكذا كُتِبَ علينا أنا وغوغان أن نتآلف مع العوز والفقر، ونتوافق في أحيان كثيرة حتى مع إزدراء المجتمع لنا، لنعتكف ونعيش في الأماكن الرخيصة نرسم ما نريده بـإنتظار معجزة أن يطرق النجاح بابنا، لكن هل سيتغير وضعنا حقاً بعد ذلك؟. هل تعرف إن شخصية (بونجران يونت) في كتاب زولا (العمل) تمس قلبي عميقاً، وأفكر دائماً في قوله ( إنكم تظنون أيها التعساء أن الفنان حين تكتمل موهبته في الرسم ويحصل على النجاح، يستقر أمره ويصبح في أمان؟؟) نعم، تساؤلاته صحيحة، فبعد النجاح يبدأ الفنان غالباً بالإهتمام بعمله وتزويقه كي يحافظ على شهرته وهو يغازل الجمهور الذي ينتظره بشغف، ومع أية انتكاسة -حتى لو كانت صغيرة-  سيحاصره كثير ممن ينتظرون تلك الفرصة وينقضون للإطاحة به وتدمير سمعته الفنية، بينما الجمهور متقلب المزاج، ينتظر بعيداً متمتعاً بالمشهد. وربما ما قاله كارلايل كان مناسباً لهذه الحالة أيضاً: النساء البرازيليات يثبتن أشكالاً لحشرات ملونة صغيرة في تسريحات شعرهن بواسطة الدبابيس، كم تبدو هذه الاشكال جميلة ولامعة، الشهرة هنا هي تلك الحشرات، وما الفنان سوى الدبوس الذي يتحكم في استقرارها. لكن من يريد النجاح واللمعان بهذه الطريقة؟ وهل يعرف الفنان حقاً ما يريده بالضبط؟ أنا أيضاً لدي خوف كبير من النجاح، واعرف ما شعر به الانطباعيون في الصباح بعد ليلة افتتاح معرضهم الأول، انه يشبه الخمار أو الصداع الذي تتركه آثار الخمر ويظهر صباحاً بعد سهرة صاخبة.
ولنعد الـى موضوعنا أنا وغوغان، لابد ان نمضي قدماً، أن نجد سقفاً يحمينا وسريرين، مع بعض الاشياء الضرورية، فلعل ذلك يقف حائلاً أمام الفشل الذي ربما سيلاحقنا طوال حياتنا. لذا، لابد لنا أن نعيش في أكثر الاماكن تقشفاً، ومع الهدوء والطمأنينة يمكننا أن ننتج اللوحات التي نريدها، حتى لو بعنا أعمالنا بشكل بسيط، لكن إن فاقت نفقات المعيشة والألوان ثمن اللوحات، فعلينا أن نبيع لوحاتنا بأي ثمن كي نستطيع الاستمرار. علينا أذن ان نهيء أنفسنا لحياة تشبه حياة الرهبان، فمحبة الرسم تكفينا حتى لو تخلينا عن رغد العيش، وبكل الأحوال سيكون بحوزتنا جمال الطبيعة والمناخ الدافيء، أنه الجنوب. لكن لا اعرف بالضبط إن كان بإمكان غوغان التخلي عن صراعه مع باريس، لا أظن ذلك أبداً، فمعركته مع النجاح في باريس مازالت مشتعله في صدره، وهو يؤمن بنجاحه أكثر مني بكثير، وهذا ليس عائقاً أمامي، فقد تعودت على الشعور باليأس. وحتى لو تركناه مع ذلك الوهم الجميل، فسيحتاج بكل الاحوال الى مكان يأويه وبعض الخبز والألوان، فهذه الاشياء هي الوحيدة التي تدفيء قلبه وباليت ألوانه. وفوق كل ما يمر به، فهو يستدين النقود الآن ليكمل طريقه، لكننا لو استطعنا مساعدته في الوقت المناسب فأنا متـأكد بأنه سينجح في باريس. آه لو كنت أملك إندفاعه وطموحه، لكني في الحقيقة لا أهتم بنجاحي ولا حتى بسعادتي، بل أهتم بما يديم عيش اصدقائي الفنانين، أفكر كيف أوفر لهم سقفاً وخبزاً رغم العوز الذي يحيط حياتي، أشعر بالعار ان كنت متوفراً وحدي على بعض الخبز، بينما يستطيع رسامان العيش بذات الرغيف. لو كُنتَ رساماً، فستكون في نظر الناس أما مجنوناً أو ثرياً، وفي حالتي، حين أرى أن ثمن كأس الحليب فرنكاً، وشطيرة الخبز بالزبدة ثمنها فرنكين، واللوحات لا يشتريها أحد، هنا لا اعرف توصيفاً جيداً لنفسي، وربما هذا هو السبب الذي يدفعني لأن نعيش معاً كرسامين، كما فعل الرهبان سابقاً. أعرف أن غوغان يبحث عن النجاح والاعتراف به كفنان، ولا يمكنه الوصول الى ذلك دون باريس، وأنا بدوري كما تعرف، لا فرق عندي إن رحلتُ أو بقيتُ هنا في ظل هذه الظروف. لذا علينا ان نمنح غوغان فرصة كي ينجح في معركته، وهو من غير باريس، سيظن حاله بلا أهمية ولا جدوى.
لقد بدأت قبل أيام بتذييل لوحاتي الجديدة بتوقيعي، إحتجتُ درجة من الاحمر على مساحة من العشب لذا وقعت بالأحمر، لكني سرعان ما تراجعتُ عن ذلك، بدا لي الأمر غير لائقاً، وسترى هذه اللوحة قريباً. ستكون نهاية أسبوع مليئة بالعمل، لذا أتمنى أن تصل رسالتك القادمة مبكرة يوماً عن المعتاد.
أشد على يدك،
أخوك المحب
فنسنت

هوامش المترجم:
* وليم أدولف بوجيرو: رسم فرنسي (١٨٢٥-١٩٠٥) يعتبر أحد أهم ممثلي الرسم الأكاديمي، إستلهم في لوحاته الأساطير اليونانية، وتحتل المشاهد العائلية والطفولة مكانة مهمة في أعماله. مع رسوخ الانطباعية بدأت تقل أهمية أعمال بوجيرو، لكنه بزغ من جديد خلال السنوات الثلاثين الأخيرة بإعتباره واحد من أعظم رسامي القرن التاسع عشر.



المشاركة السابقة